أحلام وكونداليزا

الكاتب : عبدالهادي راجي المجالي

في نهاية التسعينيات نشرت أحلام مستغانمي روايتها المشهورة (فوضى الحواس).. وهي تتحدث عن الحب, وعن الرجل المسيطر.. وتغوص في تفاصيل الروح والجسد.. والحقيقة أني قرأت الرواية ولم استمتع بها مطلقا...

بعد خمس سنوات من الرواية, أطلقت (كونداليزا رايس) مقولتها المشهورة (الفوضى الخلاقة)... أتذكر أنها اقتبست هذا المصطلح من (الماسونية), وقد قالته في لقاء مع صحيفة أميركية حين تحدثت عن شرق أوسط جديد تسوده الديمقراطية وحقوق الإنسان.. بمعنى آخر أن المصطلح له جذور تاريخية..

في الأردن إذا سألت واحدا من الجيل الجديد، ماذا قرأت.. أول جواب سيكون (فوضى الحواس)... وإذا تحدث سياسي عما يحدث في المنطقة, فأول نظرية يقدمها في تفسير ما يحدث هو تصريح كونداليزا رايس (الفوضى الخلاقة)..

إمرأتان في التاريخ, غيرتا وجهنا تماما... أحلام مستغانمي حركت التمرد على الموروث في قلوب الملايين من الشباب، كل من قرأ لها تقمص دور البطل في رواياتها.. وللعلم هذه السيدة لم تمتلك قدرة نجيب محفوظ، على السرد والدخول في الأحداث ولكنها تمتلك القدرة على خرق الموروث.. أنت لا تجد موضوعا محددا في الرواية سوى التمرد، وكونداليزا رايس أشبعت لنا غريزة المؤامرة..

شاهد ما يحدث الان على الساحة, فوضى في حواسنا.. سادية في الطرح، هجوم غير مبرر... استقواء، استزلام.. احتكار للحقيقة وشيطنة, والأخطر من كل ذلك.. أن (سائق شاحنة) متقاعد يستطيع أن يختطف قلوب الألوف من الناس ويوجههم.. ويلعب بأمزجتهم، وسائق الشاحنة هذا هو ذاته البطل المتمرد والنزق والغرائزي في روايات أحلام مستغانمي... وما تحدثت عنه كونداليزا رايس أصبح واقعا، فالفوضى الخلاقة.. ليس بالضرورة أن تنتج وعيا بل تنتج المزيد من التجهيل... تمهيدا لقيادة الشعوب.

نحن نعيش بين الفوضى الخلاقة, وبين فوضى الحواس.. زمان حين كانوا يريدون تجنيدك في حزب البعث أو الحزب الشيوعي، كنت تخضع لجلسات تثقيف واقناع سرية وتؤدي قسم الوفاء للحزب, وتنفذ كل ما يطلب منك.. الان لم نعد نحتاج لكل هذه الجلسات فحزب كونداليزا وأحلام موجود, وهو «الفيس بوك»... هو يجندك يغسل عقلك، ينقل لك الأفكار وتقسم أن تصدقه... وتصدق ما ينشر فيه، هو ينتج منك بطلا أو ضحية.. هو ينتج منك هدفا أو مطاردا..

أنا أصدق النساء أكثر من الرجال، وأظن أن حياتنا صارت عبارة عن رحلة ما بين أبطال أحلام مستغانمي الوهميين في عابر سرير وفوضى الحواس وذاكرة جسد.. على الصعيد الشخصي, ورحلة أيضا فيما أنتجته كونداليزا رايس في المنطقة من ثورات وفوضى وتجهيل.. وأمنيات غبية، وانهيار لأوطان وشعوب.. على الصعيد الوطني.

النساء إما أن يكتبن المستقبل أو يقمن بالبوح به، ونحن علينا التنفيذ..

وما زال سائق الشاحنة المتقاعد يظن نفسه (هيكل)... لا تلوموه, فهو ضحية نسجتها أحلام في مخيلتها, وأداة زرعتها كونداليزا عبر قوتها ونفوذها.

[email protected]

الرأي


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية