استعدوا للحظر في سجن مفتوح

الكاتب : فايز الفايز

في عالم الحيوان لا تذبح البقرة العشراء ولا يُحمل عليها حتى تضع ومولودها، وهذه مقاربة مع عالم الإنسان فمن لا يملك يُترك حتى يملك أو يفتح له باب العمل والشغل وإلا فالحكومة أولى بأن تعطيه لا أن تأخذ منه،ولكن ماذا عن القطاع التجاري الأوسع الذي سيزداد انتكاسا بإغلاق أعماله، هل يأكل من التراب أم يغلق على نفسه الباب، وإن كانت الفقرة مشهدا تمثيليا فإن الواقع أكثر بؤسا مما يمكن لأي مسؤول أن يتخيله،فإن إعادة حظر الجمعة وغلق القطاعات بسبب تفشي الإصابات بالفيروس لن يوقف الإصابات كما نريد، بل سيزيد من أزمة الحكومة قبل الشعب.

لجنة الأوبئة ومن خلفها وزارة الصحة ومعهم إدارة الأزمات تستحق الشكر الجزيل على الجهود التي بذلتها خلال عام مضى وعام بدأ بوحشية اقتصادية ستطيح بالمزيد من القطاعات، ولكن أن يبقى أهل الاختصاص الاقتصادي مرهونين بقرارات أحادية تخضع لمعيار واحد هو زيادة عدد الحالات، فهو ظلم للناس، فالأردن يبلغ تعداد القاطنين به أكثر من عشرة ملايين نفس،ولو أنفق نصفهم دينارا واحدا يوميا لدارت خمسة ملايين دينار في الأسواق، ولو حصلت الحكومة من مليون ميسور الف دينار سنويا لحصدت مليار دينار في العام.

الحكومة بحاجة ماسة للمال، والمال يتقافز بين أيدي النخبة المحظية بالرزق، وبلغة الجائعين فالمال يشبه الفول والفول عند الفّوال، فإن أغلق مطعمه لن يأكل الكادح صحن الفول، ولن يبيع الفوال ولن تأخذ الضريبة مكوسها، وبالتالي فإن الحكومة ستضطر الى الاستدانة كي تنفق على نفسها، فيما القطاعات الكثيرة التي تضخ مداخيل لا بأس بها ستتقاعد مبكرا، وغالبية المواطنين سيتنعمون بالشمس على أبواب فقرهم.

القضية لا تتوقف عند المال والصحة، بل بمستقبل حركة المجتمع، فانعدام الأعمال سيورث البطالة التي تجاوزت الثلاثين بالمئة،وهذا يعني زيادة معدلات الفقر التاريخي الى منحنيات أخطر مما نتوقع مجتمعيا، فاللصوصية ستزداد والجرائم سترتفع معدلاتها وإغلاق باب الوظائف سيتطلب زيادة في القوى الأمنية وبالتالي زيادة في الإنفاق على القوة الأمنية،ولكن الذكي يستطيع تدارك ذلك بفتح القطاعات وإعادة التشغيل وتوظيف الشباب وإن بزراعة الأشجار لضمان استقرارهم النفسي والمالي.

وهذا ما حذر منه صندوق النقد الدولي من خشية وقوع قلاقل وأزمات اجتماعية نتيجة تفاقم البطالة وإغلاق الأسواق وتراجع مداخيل المواطنين وتفشي البطالة،ما يؤسس للتحريض ضد السلطة والحكومات،ويشرح كيف تعاملت الدول مع الوضع المالي،حيث بينت مؤشراته أن الدعم المالي العالمي ضخ 14 تريليون دولار حتى نهاية عام 2020،منها 7,8 تريليون دولار نفقات إضافية أو إيرادات ضائعة، و6 تريليونات كضمانات وقروض وضخ لرؤوس أموال، بغية استدامة المعيشة الاجتماعية والحفاظ على الصحة العامة والتشغيل.

نحن معنيون بدعم إجراءات الحكومة للتحوط وأخذ الحذر وكبح جماح الإنتشار المضطرد للفيروس، ولكن لا يمكن أن نموت مرتين ونحن أحياء، مرضيا وماليا، وما نسمعه من انهيارات لعمالقة الأعمال يشعرنا بالأسى، فنحن نفرح لرؤية شركات واستثمارات ناجحة وداعمة للدخل العام والتشغيل وتسجيل أسماء في قائمة الأغنياء، ولكن الحزن سيلف المجتمع عندما يرى أن ليس أمامه سوى إشارات تحذير ووعيد، والخطر ليس من الفيروس وحده بل الخطر من حالة الإغتراب التي تطارد بعض المسؤولين اللذين لا يقدرّون حجم المخاطر، والسجن المفتوح للملايين من المواطنين.




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية