الترويض الوطني بين المؤسسات والتعسف

بقلم: د. ابراهيم سليمان العجلوني *

كم تَشعر بالروعة وكأنها أنغام موسيقية تَشجوا وتُمتع الإذن وأنت تَستمع لِخطاب الرئيس الأمريكي المُنتخب بايدن خِلاله عرضه ترشيح أفراد فريق إدارته الجديدة ويَذكر مُؤهلاتهم وخَدماتهم السابقة كما يَذكر مُواصفاتهم الشخصية التي تَخدم الدستور والامة الامريكية، الإدارة ليست من طيفٍ واحد بل تَشمل كُل أطياف ومكونات الأمة الأمريكية، الأساس فيها الكفاءة والولاء للوطن بدستوره وشعبه... المشهد الآخر: ما أجملها من كلمات عِندما يُخاطب مسؤول مسؤولاً آخر أن يَلتزم بالقسم الذي أقسمه ويلتزم بالدستور لحماية الأمة والوطن... هذا هو الخطاب الذي تَسمعه في دُول العالم الديمقراطية (مفهوم الأمة والدستور والعدالة).

ولنأخذ مَثلا ثانياً - قد نُشكك بِبعض التصريح- وهو قلق الرئيس المصري محمد حسني مبارك بعد تشكيل مجلس التعاون العربي في نهايات القرن الماضي بين مصر والعراق والاردن واليمن، عندما اقترح العراق تبادلاً تاماً للمعلومات الأمنية والإستخبارية بين الدول الأربع وأن تكون كتاباً واحداً للاربع دول (مفهوم السيادة).

أردنياً دولة وصفي التل، طَلب من رُموز المعارضة الدخول في حُكومته بل وأدخل الاسلاميين فكان توزير إسحاق الفرحان الاسلامي وأحضره من خارج الاردن، وأعطاه صلاحية واسعة في وزارة التربية والتعليم، وموقف آخر مصالحة وطنية وحرق ملفات المخابرات والذهاب للسجن لإخراج جميع المعتقلين سياسياً (مفهوم المصالحة الوطنية).

لِكلُ دولة خُصوصيتها وأسبابها وأسلوب حُكمها، ولكن تبقى الدول ذات سيادة وتطورها وإستمرارها قائم على دستور واضح يحقق العدالة للجميع وحُرية التعبير ولا مجال للنقاش في هذين الامرين لأن الهدف هو بناء أمة وإستمرار قيامها، فأي سيطرة أحادية من جانب شخوص او مُؤسسة أو توغل الشخوص أفراداً أو تجمعهم لمصالح شخصية او توغل مُؤسسة أو سُلطة على الأخرى هُنا يَحصل خلل وفراغ وفي كِلتا الحالتين الخاسر وطن وأمة، فالولاء بالمطلق للأمة والوطن وهو بديهي وفِطري، لا يمكن شِراءه أو ترويضه؛ وإن تم ذلك لم يعد يسمى ولاء، إنما مصلحة تنتهي بإنتهاء إما الحُقبة او الشخوص المُروضين.

إن إختبار الأشخاص لمناصب عامة في أي دولة في العالم يَعتمد على أسس وطنية ولا تُترك لأهواء شخصية فالحُكم على أهلية الشخص هي مُؤهلاته العِلمية والعَملية، إنها أسس واضحة يَحكمها الدستور والقوانين، وبِخلاف ذلك فلا حاجة لدستور او قوانين وليَعيش الجَميع في دولة المَوز أو التيهان، فحُرية المُؤسسات دليل نضج الدول ودليل سيادتها الداخلية ذات الاولوية القصوى من خِلال ولاية عامة حقيقة بعيداً عن إنتظار توجيهات من فوق أو تحت، فأولويات السيادة إختيار المُؤهل القادر على إتخاذ القرارات الحقيقية الوطنية بولاية حقيقية ضمن برنامج مجدول زمنياً.

إن وضوح الخريطة الوظيفية من حيث العدالة في التعيين والأسس التي على أساسها يتم الترقية والترفيع للوصول لوظائف قيادية بواجب وطني هو خدمة الوطن والشعب هو الاساس الذي يُتيح المجال لِكُل فردٍ في المُجتمع أن يَعمل ويُطور نفسه للوصول لأعلى الوظائف بعيداً عن الجينات والمعرفة والمحسوبية وتحقيق مصالح ضيقة، عانت منها دول وأمم كثيرة، وكانت النتائج قاسية للاسف، فمن عُين على غير أهلية ماذا تَنظر منه إلا أن يُعين فريقه بِنفس الأسلوب رداً للجميل أو الخوف من القوي.

المناصب في الدول لا يمكن أن تكون بالتعيين القصري وخاصة في السلطات التشريعية والقضائية، وتسلط جهة رسمية او عميقة لفرض شُخوص ليكونوا موظفين من مستوى متدنٍ لمناصب قيادية يُطلق عليهم في مفهوم إدارة الموارد البشرية الحزام الاسود (يستطيع أي شخص بدون مؤهلات او حتى تدريب مُتخصص أن يقوم بهذا الدور) إن بناء الدول وتطورها وإستمرارها القوي يكون بعدم إقصاء المؤهلين لخدمة الوطن.

الحل سهل وبسيط فقط ترك الأمور تسير في الوضع الطبيعي من حيث العدالة وعدم التحكم سلباً او إيجاباً على من يتولون الوظائف والمناصب العامة بعيداً عن أصولهم وفكرهم وجيناتهم، فلقد تم تجريب من عُينوا بناءً على فرض من سلطة (الاصل بها انها تخدم الوطن) ووصل الوطن لما وصل اليه وهذا دليل أن هذه الطريقة غير صحيحة.. إذن ألم يَحن الوقت لنُجرب الصحيح والسهل؟ بعد أن أدمنا على الخطأ والذي أوصل الأمم لما وصلوا اليه.

المنطقة الرمادية في كل شيء ليست منطقة آمنة وأولها في الاعلام والحريات والمواقف الوطنية ومن هنا فالاجيال الشابة لن تبقى هكذا صامتة لأنها هي من تُعاني ولن تَستطيع الإستمرار بالمعاناة لمصلحة شخوص ( لو كانت المعاناة لمصلحة وطن لقدموا دماءهم قبل صبرهم) ، فالترويض الوطني والولاء الإجباري هو أمر آني وطارئ وغير دائم، فالقُهر والجُوع سُيولد سَخطاً وعدم إهتمام ويُؤدي لإنفجار وطني، هدفه التخلص من عوالق وطفيليات وطنية همها مُكتسبات ولكن ليتذكروا إن كسبوا وقتاً آنيًا فهذا وطن وعلى أبنائهم أن يعيشوا فيه وإن حصلوا على جنسيات أخرى لن تُفيدهم وسيأتي وقت يَنقلب به السُحر على السَاحر، فإعادة الثقة تُبنى بِأجيال وليس بعصا سِحرية فالأعمار الحالية فاقدة الثقة بكل شيء وآن الآوان أن تُزرع الثقة بالجيل الشاب حتى يكونوا يداً بيد لبناء وطنهم وإنها لفُرصة لمن يغتنمها وبِخلافه فالشباب لن يبقوا صامتين.

الوعي الوطني والفكر الحقيقي والمُتخصصون من نُخب حقيقية وعُلماء هُم الاساس في إعادة بناء المشروع الوطني الحقيقي من خلال حوار وطني مُنفتح بعيداً عن أية تابوهات كل شيء فوق الطاولة بشفافية ومُعلن للجميع ليَنتج عنه ولاء حقيقي في دولة القانون والمُؤسسات والسُلطات المبنية على دستور حقيقي من حيث النص والتنفيذ بعيداً عن تفرد الشخوص أو المُؤسسات في ترويض الوطن والامة لمصالح ضيقة، لابد أن يكون صوت هؤلاء عالياً فلقد منحهم الله العلم والفكر والوعي ليقولوا الحق ويقوموا بدورهم الوطني شعبياً ًورسمياً بشتى الوسائل ليشكلوا حالة وطنية وبِخلاف ذلك سيكون الموضوع تأزيمياً، نعم آن الاوان أن نكون في أوطاننا ونقول لا بالصوت الوطني الحق الحر لِحفظ أمتنا ووطننا فلم يعد الهروب للغربة وإعادة بداية للحياة بمكان آخر وهنا نكون أنانيين لابد أن نكون فاعلين ومرشدين فهذه أوطاننا إختارنا الله لسبب وحكمة أن نكون أبناءها وأعطانا مقدرات وفكراً لابد ان نُصحح ونُصلح ونُرشد باللين والحق ونموت أحراراً كما ولدتنا أمهاتنا في وطننا الذي نُحب ونَفدي ونُفاخر الدنيا بإنتسابنا له، الامر الذي يحتم العمل من الرجال، أما النساء فتبكي على العشق.

* إستشاري وباحث إدارة مشاريع/ كاتب اردني


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية