عن الماضي الإسلامي في صقلية

مدار الساعة - على الشاطئ الغربي البعيد لجزيرة صقلية، في بلدة إريتشي الواقعة على قمة تل من جهة والمطلة على المسطحات الملحية لبحيرة مارسالا من جهة أخرى، يوجد برجان في بستان زيتون محاطان بأشجار السرو والنخيل ومبنيان بحجارة فاتحة اللون يشبه لونها لون جبن بيكورينو. إنهما منتصبان عند بركة مستطيلة الشكل تحميها أشجار الدفلى. إن مياه المسبح المحمي جيدا من هبوب رياح أواخر الصيف القادمة من البحر تعكس بشكل مثالي صورة البرجين. بنيت هذه الفيلا على أنقاض قصر عربي يحمل اسم جعفر الكلبي الثاني، وهو أمير عربي حكم صقلية من سنة 998 إلى سنة 1019، وشاعر وكاتب وخبير في فقه اللغة آثر حياة العلم والأدب على الحملات، وقضى الكثير من وقته في هذا المكان محاطًا بالفنانين والأدباء. 

في أيلول/ سبتمبر، خلال الفترة الممتدة بين الإغلاقين، استأجرت برجي فيلا الجعفر التوأمين واستخدمتهما كقاعدة لاستكشاف عالم صقلية الإسلامية المفقود. في اليوم الذي وصلنا فيه، كانت السحب الخريفية تتلبد حول قمة جبل إريس، مع انتشار أشعة الشمس عبر الخليج. كانت الجبال الصخرية القاحلة توحي إليّ بأنني في دولة شمال إفريقية وليس في منطقة إيطالية، تقع شرق باليرمو. على المنحدرات السفلية، كان هناك زيتون وكروم، بينما غطت حقول الحبوب السهول. كان هذا المنظر بالتأكيد متوسطيًا، لكنه بدا أقرب إلى سواحل المغرب أو تونس أو الجزائر أكثر من سواحل إيطاليا. ولا عجب أن العرب أحسّوا بنفس الأمر خلال مائتي عام من حكمهم للمنطقة.

بدأ الفتح العربي في سنة 827 عندما أبحر أسطول مكوّن من 700 فارس و10 آلاف جندي مشاة من سوسة في تونس الحديثة عبر الساحل الشمالي الأفريقي إلى صقلية. كان البيزنطيون ينتظرونهم، لكن الفاتحين العرب تمكنوا من الوصول إلى الشاطئ وإنشاء جسر، وفي غضون سنوات قليلة استولوا على جميع المدن الرئيسية. وقد احتفظوا بها حتى ستينيات القرن العاشر، عندما استولت عليها مجموعة من المغامرين النورمانديين مستخدمين بدورهم نفس المناورات التي هزموا بها الأنجلو ساكسونيين، في نفس الوقت تقريبًا، في هاستينغز. بحلول ذلك الوقت، كان المسلمون يشكلون أغلبية طفيفة من سكان صقلية، بينما كان في الجزيرة عدد كبير من السكان المسيحيين اليونانيين وأقلية يهودية صغيرة.

صورة

تتميز السواحل القاحلة حول إريس بكونها تشبه سواحل المغرب أو تونس أو الجزائر

صورة

تنحدر المسارات من الجبال الصخرية عبر بساتين الزيتون والكروم

جلب العرب معهم إلى الجزيرة الليمون والبرتقال وقصب السكر والقطن والتوت لتربية دود القز من أجل الحرير. لقد بنوا أنظمة ري متطورة من أجل المزارع والحدائق، مثل تلك التي بقيت في الجعفر. جعل هذا الازدهار صقلية، وخاصة باليرمو، مركزًا غنيًا ضمن شبكات التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ونقطة اجتماع التجار من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والجمهوريات التجارية الإيطالية الشابة.

حتى مع الإطاحة بحكم العرب في القرن الحادي عشر، فإن بصمتهم لا تزال حاضرة  في صقلية شعبًا وأرضًا. فمارسالا، المعروفة الآن في جميع أنحاء العالم بنبيذها الحلو، تعني في الواقع "ميناء الله". كما بقيت الكلمة العربية "قلعة"، التي تعني الحصن، معتمدة في أسماء المناطق مثل كالتانيسيتا وكالتفاتورو وكالتاجيروني. كما أن أسماء العائلات الصقلية التي تنتهي بـ "à"، مثل فلاغالا وماندالا وزابالا مشتقة من الأسماء العربية. حتى أن بعض المؤرخين يرجحون تاريخ العناصر الأخرى الأجنبية لصقلية - مثل المافيا - بأنها تعود إلى تقاليد اللصوصية العربية التي تطورت عندما دفع النورمانديون المسلمين إلى العيش في الجبال في كورليوني.

كما أن تأثير العرب لا يزال واضحا في نوعية المحاصيل التي لا تزال مزدهرة، وفي الأطباق التي لا يزال الإيطاليون يطبخونها إلى اليوم. تستضيف تراباني، المدينة الكبيرة التالية للجعفر، مهرجان الكسكسي السنوي. ولا تزال المنتجات القادمة من شمال إفريقيا والشرق الأوسط - مثل اللوز والخرشوف والقرفة والبرتقال والفستق والبطيخ - تشكل أساس المطبخ المحلي.

زعم الصقليون أنهم اخترعوا مشروبات الثلج، أو الغرانيتا، التي طوروها من المشروبات العربية التي اعتادوا صنعها من الجليد الذي يُجمع في الشتاء من منحدرات جبل إتنا. ولا تزال النكهات التي تميز الجيلاتيريا الصقلية مستمدة من المشروبات القادمة من العالم العربي، ولاسيما بمذاق التوت واللوز. 

صورة

تندمج الميزات البيزنطية والإسلامية والرومانية في مساحة واحدة مذهلة داخل "كابيلا بالتينا"، التي تعد من أعظم التحف الإسلامية في أوروبا

لكن النصب التذكاري الأكثر إثارة للإعجاب الذي يظهر التأثير العربي في صقلية هو الإرث الفني والعمارة التي شيدها المهندسون المعماريون العرب، والنجارون. ومن المفارقات أن الكثير منها صنع للرعاة المسيحيين. عندما استولى النورمانديون على المنطقة، احتفظوا بباليرمو كقاعدة لهم وشيدوا مجمع قصر استثنائي، "قصر ريالي"، الذي يعكس طبيعة مملكاتهم على الحدود بين الإسلام والمسيحية، عالم يحكمه المسيحيون ولكنه مشبع بعناصر الحضارة الإسلامية للعصور الوسطى.

صورة

في ذلك الوقت، كلف أعظم ملوك النورماندي، روجر الثاني، المعروف في بعض الأوساط باسم "السلطان المعمد" العالم العربي الإدريسي بإنتاج عمل موسوعي عن الجغرافيا. بعض أقدم قطع الشطرنج التي نجت في أوروبا هي نتاج بلاطه. مع مرور الوقت، من خلال وساطة نورمان صقلية، أصبحت لعبة الشطرنج، وهي لعبة هندية وصلت إلى شكلها الحالي في بلاد فارس، اللعبة الأكثر شعبية في أوروبا.

انبهر الشهود العيان، المسيحيون والمسلمون، بالطريقة التي حافظ بها ملوك صقلية النورمانديون على محكمة مسيحية متأثرة بشدة باللمسات الإسلامية. ترك ابن جبير، أحد المسلمين الإسبان الذي تحطمت سفينته في صقلية القرن الثاني عشر، وصفا لما اعتبره محكمة عالمية مغرية، حيث يتفاعل المسلمون مع المسيحيين واليهود بشكل يومي، وعلى جميع المستويات. وفي ذلك، كتب ابن جبير: "يوجد الكثير من الأطباء والمنجمين المسلمين في خدمة الملك، فهو يحرص على الاهتمام بهم كثيرا لدرجة أنه عندما يعلم بزيارة طبيب أو منجم مسلم إلى أرضه، يوفر له كل البذخ الذي يجعله ينسى موطنه".

في سنة 1170، زار الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي قصر الملك، وذكر أن الملك كان يقوم برحلات في بحيرة القصر في قوارب مغطاة بالذهب والفضة "مع نسائه". كما حافظ ملوك صقلية على حدائق المتعة التي بناها أسلافهم العرب، حيث قاموا بتربية الفهود والصقور والزرافات والفيلة والجمال والأسود والوشق والقردة والدببة والطاووس والنعام. 

أما اليوم، لا تزال العديد من الأجزاء المحيرة من مجمع قصر "بلاتزو ريال" موجودة في وسط مدينة باليرمو. تم فصل الغرف والأجنحة المختلفة الآن عن بعضها البعض وأُدخلت عليها بعض الإضافات الباروكية والأكثر حداثة، ولكن ما تبقى هو أكثر من مجرد وصف لابن جبير. 

يعد قصر "كابيلا بلاتينا" الشهير من بين أكثر القصور الصامدة إلى يومنا هذا إثارة للإعجاب. وهو يعد من بين روائع المعالم الإسلامية العظيمة في أوروبا من عدة نواح، تماما مثل قصر الحمراء والمسجد الكبير في قرطبة. تبدو كنيسة القصر اليوم وكأنها غرفة واحدة، حيث تندمج الملامح البيزنطية والإسلامية والرومانية في مساحة واحدة بشكل مذهل. 

صورة

الغرف المزينة بشكل جميل في قصر بلاتزو ريال

كشفت الدراسات التاريخية الفنية الحديثة عن كيفية تقسيم هذه الكنيسة الشبيهة بالأحجار الكريمة في الأصل إلى منطقتين مختلفتين للغاية: مذبح ذو قبة عالية مليء بالفسيفساء المسيحية البيزنطية المبهرة - صورة مثالية مصغرة عن آيا صوفيا - وشبه منفصلة عنها بواسطة أيقونة طويلة، بينما يوجد قاعة منفصلة للجمهور الخاص والتي لم تحتوي في مخططها الأصلي على أيقونات مسيحية على الإطلاق، وكانت زخرفتها الإسلامية بالكامل مبنية بشكل شبيه بنماذج البلاط في مصر الفاطمية، يغطيها السقف المذهب المنحوت والمطلي بشكل رائع الذي لا يزال يتوهج مثل المستعر الأعظم في ضوء الشموع المتلألئة أدناه. 

إن هذا المعرض المبهر يقع في الطابق العلوي، مع بعض أجمل الغرف المزخرفة التي بقيت صامدة في أوروبا منذ العصور الوسطى. تُظهر الفسيفساء المذهبة فائقة الجمال نمورا شعائرية مقترنة ومرقطة باللون الأسود ومبطنة بأقدام ناعمة تحت أشجار الفاكهة كما لو كانت قنطورا وسط مشهد طبيعي من أشجار النخيل والسرو.

يمكن العثور على أجزاء أخرى من مجمع القصر القديم في مكان قريب، معزولة وسط ساحات المدينة ومواقف السيارات. على الرغم من الدمار الجزئي الذي حل بهذه القصور، إلا أنها ما زالت تبهر العالم بجمالها وفخامتها. تم تجهيز قصر زيسا، الذي أصبح الآن موطنا لمتحف الفن الإسلامي، بنوع من أنظمة تكييف الهواء التي تعود إلى العصور الوسطى، والتي تم من خلالها نقل الهواء بين الطوابق السفلية والعلوية، في حين تم تبريد الطابق الأرضي بواسطة النوافير وجداول المياه المتلألئة أسفل الشلالات. 

يتم توفير المياه الباردة للقصور الأخرى عبر القنوات الأرضية، بينما زُين قصر كوبا بمقنرص عربي معقد وحنيات متعددة الألوان. لم تكن هذه القصور المتقنة مجرد أماكن للمتعة. ففي هذه الغرف المزينة بهذه الروعة، حيث عمل الكتبة المسيحيون والمسلمون واليهود جنبا إلى جنب، تم اتخاذ قرارات أثرت على سياسات القوة العظمى في ذلك الوقت، وخاصة الدبلوماسية مع القوى الإسلامية في الشرق الأوسط، وتم تبني الابتكارات التي أثرت على حياتنا كلها منذ ذلك الحين.

صورة

تفاصيل طراز الأرضية في بلاتزو ريال

في سنة 1138، تم سك عملة معدنية من قبل روجر الثاني وهو أقدم تاريخ رسمي للسنة في أوروبا باستخدام نظام العد الهندي العربي وليس الأرقام الرومانية القديمة التي تم إدخالها حديثا. تم تزيين الجزء الأمامي من العملة برمز نصفي للمسيح، مثل ذلك الذي يملأ حنية قصر "كابيلا بلاتينا". يحتوي الجزء الخلفي على أربعة أسطر من الكتابة العربية، "بأمر من روجر العظيم، القوي بفضل الله"، ثم التاريخ 533 في التقويم الإسلامي، مكتوبا بالشكل الهندي العربي. وعند وفاة روجر الثاني، عاد مستشاره، توماس براون، إلى إنجلترا بصفته وزيرا لخزانة هنري الثاني، حيث حاول إدخال هذه الأرقام ولكن دون جدوى. 

في عهد حفيد روجر الثاني، فريدريك الثاني (1194-1250)، المعروف باسم ستوبور موندي، أعجوبة العالم، أصبح هذا الابتكار الهندي العربي الغريب طبيعيا في جميع أنحاء أوروبا. فهو مفكر حر، يجيد خمس لغات بما في ذلك العربية من بين العلماء الذين اجتذبهم إلى بلاطه في باليرمو ليوناردو بيزا (1175-1250)، والمعروف باسمه المستعار، فيبوناتشي، وعالم الفلك والرياضيات المتجول من الحدود الاسكتلندية، مايكل سكوت (1175-1235). 

صورة

 داخل فيلا الجعفر

صورة

المسبح المحاط بالحدائق

نشأ فيبوناتشي في مركز تجاري إيطالي فيما يعرف الآن بالجزائر، حيث تعلم اللغة العربية بطلاقة كما تعلم الرياضيات العربية. وعندما بلغ 32 سنة، ألّف كتاب ليبري أباتشي (كتاب الحسابيات)، الذي كان أول كتاب في الغرب يدافع عن الأرقام الهندية العربية باعتبارها أكثر ملاءمة لكل من الحساب والأعمال التجارية. 

أهدى فيبوناتشي كتابه التالي، بعنوان "ليبري كادراتورم"، إلى فريدريك. ثم بعد مرور ثلاث سنوات، وتحديدا في سنة 1228، خصص فيبوناتشي نسخة منقحة من كتابه "ليبري أباتشي" إلى سكوت، وعاد إلى صقلية لتسليمها له شخصيًا. تحت تأثير سكوت البراغماتي، استهدفت هذه الطبعة الجديدة من الكتاب جمهورا تجاريا وأظهرت الاستخدام العملي للأرقام الهندية العربية من خلال تطبيقها على حفظ الدفاتر وصرف النقود وحساب الربح والفائدة.

كنت أبحث عن فريدريك وسكوت عندما ذهبت للتجول في باليرمو في آخر يوم لي في صقلية. وقد انقلبت الفصول خلال الأسبوعين اللذين قضيتهما هناك، وما شعرت به في أواخر الصيف عندما وصلت قد تحوّل الآن إلى أضواء شاحبة وظلال خريفية أطول. وبينما كنت أسير نحو الكاتدرائية، بمحرابها المستدير الكبير المزين بأقواس عربية متداخلة، بدأ المطر يهطل فجأة، في البداية كانت مجرد قطرات خفيفة، ثم اشتدت قوتها. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه للاختباء تحت أروقة الكاتدرائية، التي كانت غارقة في الماء، كان هناك العديد من الأشخاص المختبئين الذين حاصرتهم الأمطار أيضا. 

صورة

كاتدرائية باليرمو

 بينما كان الصقليون المبللون يتنافسون على شراء المظلات، توجهت إلى الداخل. وفي الجزء الخلفي من الكنيسة، كان هناك نصب ملكي محاط بالحبال الحمراء. وخلف الحاجز، كانت هناك مجموعة من التوابيت الضخمة المصنوعة من الرخام السماقي، وهي مقبرة إمبراطورية دُفن فيها روجر الثاني وحفيده فريدريك، وكانت مدعومة بأسود مترابطة، تشبه تلك الموجودة في فسيفساء قصر ريالي. 

بغض النظر عن مدى تعاطفهما مع المسلمين، حظي هذان الرجلان عند موتهما بزخارف الأباطرة الرومان أو البيزنطيين. وكان من الصعب العثور على آثار سكوت، لكن عندما كنت مراهقا في منطقة الحدود، سمعت قصصًا عن ساعاته الأخيرة، التي قيل إنه قضاها في الكاتدرائية. بالإضافة إلى الرياضيات وعلم الفلك والطب، اشتهر سكوت بقراءة الطالع، وقيل إنه كان قادرا حتى على التنبؤ بموته.

كان يعتقد أنه سيموت جراء سقوط حجر على رأسه، وكإجراء احترازي، كان يرتدي خوذة حديدية في جميع الأوقات. ووفقا للقصص الشعبية، خلع الخوذة أثناء جلوسه في كاتدرائية باليرمو، وكما كان متوقعا، سقطت قطعة صغيرة من الحجر من السقف على رأسه، مما تسبب في موته على الفور. كان الأسكتلندي الوحيد الذي ذُكر في قصيدة جحيم دانتي، حيث أكسبته سمعته كمستحضر الأرواح مكانة بعد وفاته في الدائرة الثامنة من قصيدة الجحيم، حيث عانى من التعذيب برفقة سحرة بارزين آخرين ومجوس. عندما كنت أقف في الكاتدرائية، تساءلت عما يمكن أن يصنعه سكوت من الأرقام الهندية العربية التي دافع عنها لتصبح قياسية في جميع أنحاء العالم. وأظن، بالنظر إلى موهبته للتنبؤ بالمستقبل، أنه لن يفاجأ كثيرًا.

المصدر: فاينانشال تايمز


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية