الهروط يكتب: ماذا قالوا عن وصفي؟

بقلم عبد الحافظ الهروط

اذا كان من حق وصفي التل أن يكتب عنه الذين عاصروا حياته البسيطة ووظيفته النظيفة وشجاعته في اتخاذ القرار وخوض المهمات الصعبة بوعي وإيمان، فإن من حق الأجيال التي لم تر هذا الرمح الاردني العروبي، أن تعرف من هو وصفي؟ صحيح ان أقلاماً وصحفاً سال حبرها، تشيد بالرجل الذي لم يخش الموت منذ التحق شاباً يقاتل مع رفاقٍ على ارض فلسطين، وإلى أن نالته يد الغدر والنذالة على أرض الكنانة وهو يؤكد لوزراء الدفاع العرب أن تحرير فلسطين ينطلق من بنادق الخنادق لا من شعارات الفنادق.

وصحيح أن الراحل العظيم ما يزال سيّد الرجال الذين لم ينس الناس دورهم الوطني، رغم مرور خمسين عاماً على رحيله، إلا أنه من العجب العجاب أن أجيال الشباب التي لم تر وصفي، وإنما تسمع به بعد عقود من الرحيل، هي التي تكثر الكتابة وتبث الفيديوهات عنه، وتتغنى به، مستثمرة وسائل التواصل الاجتماعي، ولربما تحاول هذه الأجيال أن تعبّر عن آمالها وتمنّي النفس بأن تكون في الدولة الاردنية شخصية تخلف وصفي.

يقول رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبدالسلام المجالي: «إن وصفي ظاهرة استثنائية وفريدة لن تتكرر».

ويروي المجالي انه وفي أثناء ذهاب رئيس الوزراء –وصفي- إلى الرئاسة قادم من منزله في الكمالية، شاهد شابين وقد ابتّلا من المطر، فتوقف عندهما وحملهما وعلى بُعد أمتار سألهما عن عملهما فقالا:

ندرس في الجامعة الاردنية وقد انتظرنا مركبة نحو ساعة وفاتت علينا المحاضرة، فما كان من وصفي الا ان أنزلهما قائلاً «تغيبان عن محاضرتكما وأنتما في عمر الشباب والمسافة لا تبعد عن الجامعة كيلو مترين»؟

ويقول المفكر وزير الثقافة الأسبق جمعة حماد، في كتابه «الراحلون": وجّه لنا رئيس الوزراء وصفي التل دعوة لمناقشة قضايا اعلامية وأخبار نشرناها في الصحف، فاحتد نقاشي معه، وهددني بإغلاق الصحيفة التي اعمل بها، وغادرت الاجتماع الى الصحيفة وأنا أُفكر بمصيرها.

وما هي الا ساعات وإذ بهاتف الصحيفة يوقظني وكان على الطرف الآخر وصفي يقول لي «يا جمعة انت على صواب وأنا على خطأ».

اما رئيس نادي القادسية لسنوات طويلة، محمد حمدان فقال » كنا ايام الصبا نتابع احدى مباريات كرة القدم للأندية التي تقام على ملاعب الكلية العلمية الإسلامية بعمان، وكان نادي الحسين إربد احد طرفيها، وقد انتهت المباراة في وقت متأخر، لأعود مع زميلي لمنزلينا في التاج والجوفة سيراً على الأقدام، وإذ بسيارة تصطف جانبنا أول الليل وفيها شخصان، أحدهما وصفي الذي طلب منا الدخول الى السيارة وقد عرفناه.

دار نقاش مع المغفور له بإذن االله، فأخبرناه بالمباراة وفوز فريق الحسين، فوجهّنا طيّب الله ثراه، الى الاهتمام بالدراسة وممارسة الرياضة، وقال أنه يشجع الشباب على العمل بكل أشكاله، وأخبرنا أنه عنده اجتماع وزاري بنادي الملك حسين طالباً من السائق ايصالنا لمنزلينا فرجوناه أن يبقى السائق معه، إلا ان الشهيد وصفي أصر على موقفه، منتظراً عودة السائق، الذي أوصلنا فعلاً الى حيث نسكن.

وإذا كان هناك من قول، وهو بالتأكيد ما يزال، فإن هذا الرمز الساكن في عقول ووجدان الأجيال المتلاحقة، سيبقى، ما دام هناك قلب ينبض بإسم الاردن وباسم فلسطين واسم الامة التي عاش لها جميعها ومات من أجلها الفقيد.

رحم االله وصفي، وأسكنه منازل الشهداء والصالحين.


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية