محمد العبادي يكتب: الاستراتيجية الأردنية المطلوبة في الشرق الاوسط الجديد

الكاتب : محمد مناور العبادي

مع تنامي التحركات الدولية لتشكيل شرق اوسط جديد، تبرز ضرورة تبني الاردن لاستراتيجية مبتكرة، ذات ابعاد سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة، ترتكز على تفعيل الدور الاردني في المنطقة، وتحقق المنعة السياسية والاقتصادية للمملكة، والازدهار لشعبها، وحياة افضل لمواطنيها، وتعظم انجازاتها السياسية والاقتصادية، وتعزز الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

ولن يتحقق ذلك الا من خلال بناء ارضية مشتركة للتعاون الثنائي الاردني مع اشقاء واصدقاء الاردن في اطار اقليمي ودولي، بحيث توفر هذه الأرضيىة، روافع اساسية للنظام الاردني، تضمن قدرته على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية والديمغرافية والتحديات الاقتصادية، التي تعصف بالاردن والشرق الاوسط الجديد، وتمكنه بالتالي ان يكون رقما صعبا لا يمكن تجاوزه..

ومما يساعد في نجاح هذه الاستراتيجية، الدعم الشعبي غير المحدود للنظام السياسي الاردني، والاحترام الذي يحظى به،عربيا واقليميا ودوليا، مما يؤهله ليكون لاعبا رئيسيا في المنطقة، بالتنسيق والتعاون الاستراتيجي مع حلفاء الاردن التقليديين، الذين لم يتخلوا عنه في جميع ازماته، بل كانوا رافعة اساسية له ولدوره المحوري.

ويأتي في مقدمة اولويات الاستراتيجية الاردنية الجديدة، تعزيز الوصايه الهاشميه على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، التي تعتبر رافعة اساسية لهذه الاستراتيجية، التي كان اول من دعا اليها ممثلو الشعب الفلسطيني في كل فلسطين قبيل احتلالها، مع الارهاصات الاولى لقيام اسرائيل، فدفعه حبه للاقصى والمقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس قبيل مائة عام تقريبا، الى بيعة الشعب الفلسطيني للشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، وصيا على المسجد الاقصى والاماكن المقدسه الاسلامية والمسيحيه في القدس، وذلك قبيل تاسيس اسرائيل والاردن والسلطة الوطنية الفلسطينية.

وهكذا اضطر الانتداب البريطاني الذي كان يحكم الاردن وفلسطين، وخوفا من ردود الفعل الشعبية الفلسطينية الغاضبة، للتجاوب مع رغبات ابناء فلسطين، واكد ابناء الشعب الفلسطيني لاحقا وعبر حقب زمنيه متعددة،الوصاية الهاشمية، لكل ملوك الاردن (المغفور لهم الملك عبد الله الاول، ثم الحسين، ثم طلال رحمهم الله) ثم اكدوا هذه الوصايه لجلالة الملك عبد الله الثاني، اطال الله في عمره. وهكذا بقيت المقدسات وبارادة شعبية فلسطينية، ارثا هاشميا والى الابد. ثم اقرت السلطة الوطنية الفسطينية هذه الارادة الشعبية الفلسطينية باتفاقيات رسمية مع الاردن

وكنتيجة لذلك، اعترف بوصاية الهاشميين على الاماكن المقدسه في القدس، واقربها فيما بعد، المجتمع الدولي ممثلا بالامم المتحده، والدول الكبرى، ومنظمة العالم الاسلامي، وجامعة الدول العربية.

كما اعترفت اسرائيل منذ تاسيسها، بالوصاية الهاشميه على المقدسات في القدس، عبر العديد من الاتفاقات الثنائيه مع الاردن، والتزمت واشنطن بدعم الاردن في ذلك، حتى انها حين اعلنت نقل سفارتها من تل ابيب الى القدس... اختارت القدس الجديدة، وليس القديمة، واكدت واشنطن عبر كل تحركاتها السياسية، لبناء شرق اوسط جديد، حرصها على استمرارية الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية، كما ان جميع الاتفاقات المتعلقة ببناء شرق اوسط جديد، لم ولن تمس بسوء او تغيير الوصاية الهاشمية باي حال من الاحوال لأنها ببساطة ضامنة للوصاية الهاشميه على هذه المقدسات وملتزمة بها.

كما يستدعي الدور الجديد للاردن، الا يكون ممثلا للسلطة الوطنية الفلسطينة، او وكيلا عنها، او وسيطا لها، فلها قيادات تاريخية، قادرة ان تتحرك وفق استراتيجية جديدة -اذا ارادت - توازي الاستراتيجية الاردنية، دون ان تتقاطع معها، على ان تلتقيا فيما بعد، لما فيه خير ومصلحة الشعبين الشقيقين الاردني والفلسطيني على حد سواء.

ولا يمكن تعزيز الاستراتيجية الاردنية الجديدة هذه، الا ببناء قاعدة وارضية مشتركة للعمل الجماعي الاردني العربي، في اطار دولي، ركيزته الدول الخليجية والولايات المتحدة والدول الغربية، ومصر، لتشكل روافد سياسية واقتصادية وديمغرافية، لهذه الاستراتيجية، تمكن الاردن من مواجهة القادم الأصعب.

اذ حسب تقديرات دولية محايدة،فان نسب الفقر والبطالة والجريمة والانتحار وانتشار المخدرات، ستضرب المجتمع الاردني مع نهاية العام الحالي، اذ سترتفع نسبة البطالة لتطال اكثر من ستمائة الف مواطن، مما سيزيد من الآفات الاجتماعية التي سيعاني منها المجتمع الاردني، وما يمكن ان يترتب على ذلك،من اعباء أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية قاسية للغاية.

ولأن القادم اصعب، ولأن الضرورات تبيح المحظورات، فان الاردن لا مناص له من التحرك، افقيا وعموديا، محليا وعربيا ودوليا، خاصة مع مموليه التقليدين الذين لم يتخلوا عنه منذ تأسيسه (الولايات المتحده والدول الخليجية والغربيه)، ليبني معهم شراكة استراتيجية راسخة، قوامها ارضية مشتركة، بغض النظر عن اية اختلافات طارئة مؤقتة، لأن ما يجمع هذه الدول اكثر مما يفرقها، ولآن متانة العلاقات فيما بينها، ستمكنها من تحقيق الامن والاستقرار والازدهار والحياة الأفضل لشعوب المنطقة.

وحتى تحقق هذه الاستراتيجية ثمارها بسرعة، فان الامر يتطلب احداث تغيير نوعي وجذري انماط التربية والتعليم في الاردن بتعزيز ثقافة السلام والمحبة والازدهار، ونبذ ثقافة الكراهية والحرب والتفرد في اتخاذ القرارات،ومحاربة الفساد، والظلم، وتكريس مباديء الحرية المسؤولة،وتكافو الفرص، والمساواة بين جميع المواطنيين، من كل المنابت والاصول.

الاردن ملكا وحكومة وشعبا ـ كما هم كل العرب، في مركب واحد ينبغي ان يحرص الجميع عليه حتى يجتاز الوطن العربي هذه المرحلة بامن وامان وسلام،ويتحقق الازدهار الاقتصادي،، وتتوافر حياة افضل لكل الاردنيين، وسائر العرب كما اراد الهاشميون الاوائل.

* صحفي وباحث وكاتب


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية