زيد النوايسة يكتب: الرقابة على الغذاء: حتى لا تأخذنا الفزعة والموسمية

الكاتب : زيد النوايسة

لم أشعر بالمفاجأة مطلقا من حدوث حالات التسمم الغذائي الأخيرة في منطقة عين الباشا ومخيم البقعة وتكررها خاصة في فصل الصيف.

وأرجح انها ستستمر في المستقبل إذا بقيت الآليات الرقابية هي ذاتها وإذا استمر التعامل الرسمي معها بمنطق الفزعة الموسمية التي سرعان ما تتراجع مع مرور الوقت وانشغال الناس بقضية أخرى وسط زحمة المشاكل والتحديات التي تواجههم.

عدم المفاجأة عندي لم يأتِ من فراغ بل يستند إلى تجربة شخصية.

فأنا بدأت حياتي العملية قبل سنوات في شركات التأمين وكنت متخصصا بالكشف على الفنادق والمطاعم والمصانع التي ترغب بالتأمين على ممتلكاتها حيث كان عملي يستدعي الكشف الكامل وتصوير الموقع بما فيه مستودعات تخزين المواد الغذائية والمطابخ.

ولا أبالغ إذا قلت إننا كمستهلكين لا نعرف إلا الشكل الخارجي الذي يسر الناظرين في حين أن ما يوجد في الداخل من سوء التخزين وعدم توافر شروط النظافة ورداءة المواد المستخدمة وعدم نظافة العاملين وغياب الرقابة خلاف ذلك كليا، ونادرا ما يكون هناك التزام إلا لدى عدد محدود من مقدمي خدمات الطعام.

ليس سهلا أن تمر حالات تسمم غذائي طالت ما يقارب ألف مواطن وتسببت بوفاتين وكان من الممكن أن تتسبب بوفيات أكثر لولا تدارك الأمر وإغلاق المطاعم وتشديد الرقابة.

ونتمنى ألا تكون مثل هذه الإجراءات طارئة وموسمية كما جرت العادة خلال السنوات الماضية؛ حيث تحمر الجهات الرقابية المسؤولة عن صحة وسلامة الغذاء عينها لأسابيع ثم سرعان ما يتراجع الاهتمام وتعود الأمور لسابق عهدها.

قبل أيام ظهرت مع زميل على فضائية “بي بي سي عربي” للحديث عن تشكيل لجنة تحقيق حكومية بقضايا التسمم، وسألتنا المُحاوِرة رشا قنديل متى تنتهي قصص التسمم بالشاورما في الأردن، فهي كإعلامية تعاملت مع العديد من قضايا التسمم الغذائي في الأردن منذ عام 2010 حيث كانت وجبة الشاورما والمايونيز الفاسد بفعل تكاثر البكتيريا هي السبب، وكأن الشاورما التي تصنع في الأردن يتم إحضارها من المريخ.

والحقيقة أن السؤال منطقي وواقعي، فهل يعقل أن تعجز حكومة لديها كل هذه الأجهزة الرقابية على اختلاف مسمياتها وهذا الجيش الكبير من العاملين والمفتشين عن وضع ضوابط تضمن سلامة المواد المستخدمة ومحاسبة من لا يلتزم بالشروط الصحية.
المؤكد أن القضية سيطويها النسيان كما طوى قضايا كثيرة مثلها.

ألم نسمع عن قضية الدجاج الفاسد التي اكتشفت قبل سنوات وتبين أنه استُخدم في صنع وجبة الشاورما في مطاعم مشهورة في عمان وغيرها؟ ألم نسمع عن نتائج التحقيق في بودرة البيض المستوردة المستخدمة في صناعة الحلويات والتي تبين أنها فاسدة؟ وهل تبين مصير باخرة القمح والذرة الفاسدة ومن استهلكها؟

ليس مهما أن يحاول كل طرف حكومي رمي المسؤولية عنه وتتحول القضية من معالجة تداعيات التسمم لترميم العلاقة بين المؤسسات الحكومية.

وليس مهما أن يتحمل المسؤول السياسي المسؤولية السياسية، فقد يحصل هذا وسبق أن أقيل وزراء. ولكن من يضمن أن المسؤولين المباشرين في سلم الإدارة الدنيا وهم بصراحة الموظفون في الميدان المكلفون بالكشف والمتابعة اليومية أو من يسمح بإدخال هذه المواد لن يتخلى عن ضميره وعن وازعه الوطني والديني.

ملف الغذاء والرقابة على جودة المنتج الغذائي يستدعيان تشريعات رادعة ومفعلة وإجراءات عقابية يلمسها الناس وقائمة سوداء تنشر للعلن لمن يقدم على المساس بسلامة الناس وصحتهم وعلى من يتساهل بتمرير ذلك.

وخلاف ذلك فإن كل هذا العبث الموسمي مجرد عزف منفرد على مقبرة.الغد


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية