كريم الزغيّر يكتب: الجرائم ضدّ الإناث في الأردن..“الدم” إكسير النظام الأبوي

مدار الساعة - كتب: كريم الزغيّر - لم تكد الشّمس تجنح إلى المغيب في عمَّان؛ حتّى يتناهى عويل أنثوي في حي من أحياء العاصمة التي لا تُعصمُ فيها الكينونة الأنثويّة.

كما أنّ العاصمة غير عاصمة؛ فإنّ المحافظات لم تستطع أن تحافظ على حوّائيّة (حوّاء) الإناث. تظاهرت النسوة محلّقات بشعاراتٍ ضدَ "المجتمع الأبويّ"، هذا الشعارُ الذي اعتبره حُرَّاس السُّلطة الذكوريّة التطهيريّة تهديدًا من قبل نسوة انفلتن من عقالهن، وحريٌّ بهن أن يتأدبن، وهن يجابهن مقصلةً يدلّلها المجتمعُ باسم "جريمة الشّرف".

فليعذرني القارئ إن تجنّبت السّرد للوقائع المحليّة، والتي تنهمك وسائل الإعلام بإعادة إنتاجها، ويتبارى نشطاء الفيسبوك (كسائق الدرّاجة الذي أصبح مسؤولًا عن الوعي الجمعيّ) بالتمفصل حولها، فالمهم الآن؛ الاستنباط والاستيعاب في معمعة من الأحداث اللامتناهية.

استخلص العالم السويسريّ يوهان باخوفن سلسلةً من الحقائق المرتابة (ليست حقائق نهائيّة) حول "حق الأمومة"، والذي تمتّعن النساءُ من خلاله بقدر كبير من الاحترام والتقدير، بلغ –بحسب باخوفن- حدَّ سيادة النساء التامّة (الجينيكوقراطية: حكم النساء). من الأدلة على هذه الموضوعات يجدها باخوفن في استشهادات عديدة تم جمعها بفائق من الدّقة والعناية، وذلك من أدب الأزمنة الغابرة الكلاسيكيّ. إذ يفسّر باخوفن ثلاثيّة "أوريستية" المسرحية لأسخيلوس على أنها تصوير دراميّ للصراع بين حقّ الأم الهالك وحقّ الأب الذي انبثق في العهد البطوليّ وانتصر. فإنّ "كليتمنسترا" إرضاء لعشيقها إيغيست؛ قد قتلت زوجها "أغممنون" بعد عودته من حرب "طروادة"، لكنّ "أوريست" ابنها وابن أغممنون يقتل أمّه انتقامًا لمقتل أبيه. ونظرًا لذلك، تطارده "الإيرينيّات" (الحاميات الشيطانيّات لحقّ الأم) الذي يعتبر قتل الأمّ أفدح جريمة (مثال واقعيّ: الطفل الذي طعن والدته بثلاثين طعنةً) وجريمة لا تغتفر، لكنَّ "أبولون" (إله إغريقي) الذي أقنع "أوريست" بوسيط الوحي؛ أن يقترف هذا العمل، وأثينا التي يدعونها للقضاء في هذه المسألة يحميان "أوريست" أثناء المحاكمة، وبعد سجال؛ أعلنت المحكمة براءة "أوريست"، وهكذا انتصر حقّ الأب على حقّ الأم، لذا فإنَّ "النظام الأبويّ" الذي انتقدنه الفتيات عبر شعاراتهن؛ بدأ منذ عصور أزلية، كما أنّ حُرَّاس الذكوريّة في الأردن لم يفهموا ماهية هذا النظام، بل اعتبروا هذه الشعارات توبيخًا للآباء.

ويفسّر الروائيّ الممشوق غالب هلسا الامتهان الذكوريّ للمرأة العربيّة قائلًا:" كل ما في الأمر؛ أنّني حاولت أن أتحدّث عن المرأة، فهي في المفهوم السّائد ملكية، وأيّ حريّة لها تعني انتزاع ملكيتها من الرجل، وفي المشرق العربي حيث تسود فكرة المدن التجارية؛ تسود فكرة ملكية المرأة. إنّها شيء مقدّس، فالمرأة مملوك لواحد فقط".

وأجاب هلسا على سؤال حول قضية المساواة بين المرأة والرجل عبر الحقوق القانونية للمرأة (مطالبات تعديل قانون العقوبات وغيره من القوانين) تحدّث مجيبًا:" هذه الرؤية شديدة السّذاجة لأنّها تعتقد أنّها تنجح في إلغاء سبعة آلاف عام من عبودية المرأة لمجرّد وجود تشريعات معينة أو إعطاء حقوق محدودة".

إِنَّ الذي يجب أن نعتصره من هذه الوقائع؛ أنَّ الجرائم التي تتعرّض لها المرأة في الأردن ليست سلوكًا اعتباطيًا-عفويًا كي نغالبها بأساليب اعتباطية- ديماغوجية؛ لأنّها استكمال لسرديات تاريخيّة-دينية، وكبح هذا الاندفاع التاريخي-الديني ليس عبر منظّمات NGO’s تتكدّس أموالها بُعيد كلّ جريمة، أو عبر تحويرات تشريعية-قانونية تستكين أفئدة الإناث لها، لكنّها سرعان ما تتلاشى بعد جريمة أخرى.

السؤال الاستنتاجي:

لماذا المرأة هي العنصر الأساسي؟ لأنَّ المرأة أكثر خصوبةً من الرجل، فالرجل يضع النظريات، ويصدر الأوامر حتى تتحوّل إلى قرارات. لكن بعيدًا عن هذه النظريات؛ فالمرأة هي التي تصنع الفن. كما أنّ المرأة تمرّ بتجارب جميلة جدًا، وهي الحمل والولادة، ولايمكن لأيّ رجل أن يدرك هذه المشاعر.




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية