ابراهيم القيسي يكتب: قدّيش بنقدر نتحمّل ؟!

الكاتب : ابراهيم عبدالمجيد القيسي

أتمنى أن لا تعترضوا على لفظ "قدّيش"؛ فهو بتقديري صحيح لغويا، ويعتبر "نحتا كركيا" في اللغة المحكية، وأستطيع القول بأنه اختصار لعبارة استفهامية "بقدر أي شيء؟"، فحين يقول الكركي بالعامية: يا بيّ قديش بحب الجيش !، التي يغنيها العبداللات كما هي تقريبا، فالكركي بهذه العبارة التعجبية إنما يقول أنا أحب الجيش لحدود يصعب الإلمام بها..نقطة، والنقطة حتى تكون موسيقية نقولها "ويلي ويلي يا بيّ قديش.

حديثي السابق قد يكون نوعيا في الكتابة الصحفية المطلوبة اليوم، لكنني لم أتحدث الا تسويقا للهجتي الكركية "الستاندرد"، التي لا يمكنني التخلص منها، وسرعان ما تقفز الى لساني رغم التحوّط من التحدث بها على مسامع من لا يعرفها، بل وعلى مرأى منه، فاللهجة الكركية زاخرة بل غارقة بلغة الجسد..صليتوا على النبي؟..اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

السؤال العنوان جدير بإجابة من كل مسؤول وصاحب قرار في مجال أو قطاع ما في الدولة، ومطلوبة الإجابة عليه أيضا من الصحافة التحليلية ومن المثقفين المفكرين، وبطبيعة الحال، كان يجب أن يكون حاضرا في ذهن الاستراتيجي أو المستشار الذي قدم رأي أو خطة لإدارة أزمتنا مع الجائحة "كورونا"..وقد سبق أن كتبنا في أكثر من مقالة بأن البلاد لديها فرصة واحدة لتجنب هذا البلاء والنجاح في هذه المواجهة، وهي أن نطبق قانون الدفاع بالتزام صارم لفترة محدودة، مع توقيف أو حتى تعطيل كل شيء، وهو خيار صعب لأنه يعتمد على التزام الجميع، فعدم التزام شخص واحد يعيدنا الى بداية المواجهة، وهي عودة لا تنسجم مع قدرتنا على الاحتمال والتعطيل، فخيارنا أساسا كان مبنيا على محدودية موارد الدولة والمواطن.

النتائج التي تحققت تعتبر كبيرة ولافتة للانتباه رغم الانتكاسة التي نجمت عن أخطاء متعلقة بالحركة على الحدود، وأنا شخصيا عبرت عن إعجابي بهذا الصمود الأردني الذي فعلته الدولة وإدارة الأزمة، فلم أكن أتخيل بأننا سنحتمل كل هذه الفترة، وبعد بل أثناء أيام الحظر الثلاثة الماضية، راقبت بحذر ردود أفعال الناس والمؤسسات وتعامل الجهات المسؤولة مع الأحداث، وأدركت بأن الجميع باتوا يضيقون بهذه الظروف، وأن الأيام القادمة ستتمخض عن جديد يقدم تسهيلات على الجميع، وهو تسهيل لا أقول بأنه متوافق مع الحالة الوبائية، بل يأتي من باب التسهيل على الناس والتخفيف عنهم، ومن الجدير بنا جميعا أن ندرك بأنها قفزة إلى الأمام باتجاه مواجهة من مسافة قريبة جدا مع الوباء، فالمطلوب في مثل هذه الحالة من القفز مزيد من التحوّط بالنسبة للقافز ولكل من يحتمل أن يكون من مخالطيه لو قدّر له أن يصاب بالفيروس الشرير.

يجب علينا جميعا أن نحمي أنفسنا حين نمارس حياتنا ونتفاعل مع الناس والأشياء، علينا بالالتزام بوسائل الوقاية، حتى درجة "الوسواس"، فقد أكون بطلا ولا أخشى شيئا على نفسي، لكنني يجب أن أخشاه على غيري، فما هو رأي أو ذنب عائلتي أن أنقل لهم فيروسا قد يبقيهم في المستشفيات لمدة تزيد عن نصف شهر وقد تمتد لأكثر من شهر؟!، حتى عملي ومصالحي ستتوقف جميعها بشكل رسمي لنفس المدة، وربما تجري هذه الإجراءات على كل حارتي أو عمارتي وكل من أتعامل معهم من أهلي وأصدقائي.. إنها مسؤولية كبيرة على عاتقي، لذلك يجب أن أكون على مقدار من المسؤولية والدقة بالتعامل في الأيام القادمة..هكذا يجب أن نفكر جميعا وبهذه الطريقة يجب علينا التفاعل والتعامل مع كل الكون خارج منازلنا.

الالتزام الصارم الذي بات على كاهل كل واحد فينا، هو من مقتضيات المرحلة الجديدة التي نحن بصددها، لأننا إن شئتم لم نعد نحتمل المزيد من التعطيل للحياة العامة، وبعبارة أخرى نحن أمام فرصة وحيدة متبقية لحماية أنفسنا من خطرين هذه المرة، وهما الخطر الذي ما زال مقيما وهو كورونا، والخطر الناجم عنه وهو خطورة استمرار التعطيل، فلا يمكننا احتمال المزيد منه فهذه قدراتنا وقدرات بلدنا، ولا مزيد نستنزفه.

الدستور


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية