ملف القدس مقتل الصفقة

الكاتب : د. محمد المومني

قبل ان تتكشف التفاصيل التي يكمن الشيطان بها، تجلت ضبابية ممزوجة بالتفاؤل من إعلان صفقة ترامب. سرعان ما تبددت أجواء التفاؤل عندما تكشفت الحيثيات والخرائط، فظهر جليا انه حتى أكثر العرب والمسلمين اعتدالا ورغبة بالسلام لا يمكن لهم قبول المطروح بالصفقة خاصة ما جاء من تحديد لعواصم إسرائيل وفلسطين، حيث أعطيت القدس بالكامل لإسرائيل وأعطيت دولة فلسطين قرى شرق القدس لتقيم عاصمتها عليها. المعنيون بهذه الصفقة وعن تقصد واضح تجاهلوا حقيقة القدس التي هي حكما وتاريخا البلدة القديمة المكونة من ثلاثة أحياء مسيحي وإسلامي ويهودي، وهذا الحال منذ العهدة العمرية قبل أربعة عشر قرنا من الزمان. منذ ذاك الوقت حافظت المدينة المقدسة على توازن ديني بضمانة العهدة العمرية وما تلاها من دول باستثناء فترة الحروب الصليبية التي كانت حروباً على السيادة على القدس ظلت في فترتها حالة التوازن الديني قائمة وان كانت هشة. إنهارت مفاوضات العام 2000 بسبب ملف القدس بعد أن كنا على بعد شعرة من اتفاق تاريخي ينهي النزاع، فقد تم الاتفاق على تقسيم القدس لشرقية تحت السيادة الفلسطينية وغربية تحت السيادة الإسرائيلية، وتم التوافق أيضا على أن السيادة لفلسطين على الحي المسيحي والإسلامي فيما السيادة لإسرائيل على الحي اليهودي، اما الحرم القدسي الشريف (144 دونما) فقد كان العرض الإسرائيلي ان ما على الأرض وفوقها تحت السيادة الفلسطينية وما تحت الأرض للسيادة الإسرائيلية وهنا بالتحديد إنهارت المفاوضات كاملة لاستحالة قبول أي فلسطيني أو عربي ام مسلم بذلك

فريق ترامب الذي أعد الصفقة لا يبدو عابئا لأي من ذلك فقد أعطى كامل قدس البلدة القديمة لتكون عاصمة لإسرائيل و قرى شرق القدس لتقوم عاصمة فلسطين عليها. لا يمكن للفلسطينيين ومن خلفهم (وليس بجنبهم أو أمامهم) العرب أن يقبلوا بهكذا طرح لا الآن ولا بعد أربعة أعوام، والبراغماتية السياسية ستملي عليهم المضي بلا حل واستمرار النزاع بتكلفته العالية على إسرائيل والفلسطينيين والاقليم بدلا من الدخول في تسوية ظالمة منحازة. الانحياز في ملف القدس أجهز على باقي عناصر الصفقة التي قد تكون جيدة مثل الاقرار بحل الدولتين والنمو والازدهار وعدم اقتلاع أحد من أرضه وشكل من اشكال حق العودة الذي يحتاج الى مزيد من النقاش. كل هذا تلاشى عندما تبدى الانحياز غير المسبوق بتاريخ الصراع بالتعامل مع ملف القدس

انقسام حاد بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الصفقة وعلى نتنياهو أن يقلق من ذلك، وأصوات وازنة اعتبرتها مبتورة بغياب الفلسطينيين وبلا حظوظ للحياة. ربما حظي ترامب بساعة من الوهج السياسي بحضور رفيع في البيت الأبيض ومراقبة العالم أجمع، والارجح سوف يستخدم صفقته كأحد إنجازاته في حملته الانتخابية، ولكن لن يذكره التاريخ كرئيس للسلام لأن ما قدمه لن يحقق السلام والتسوية. ترامب معني بتوجيه فريقه للبدء فورا برصد ردود الفعل الوازنة على صفقته والاشتباك مع الجهات المعنية للبدء بالتحضير للنسخة المحدثة أو صفقة 2 تكون أكثر إنصافا وتوازنا.(الغد)


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية