سماحة الشيخ نوح نعم الوالد والقائد

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

سماحة الشيخ نوح القضاة رحمه الله تعالى هو شيخنا ووالدنا الروحي، وكم كان يقول للمفتين:"أنتم مثل أبنائي"، و"أنا مثل والدكم".. نعم، لقد كان والداً وقائداً، ونعم الوالد والقائد.

لقد تكلم كثير من المحبين عن سيدي سماحة الشيخ الوالد نوح القضاة رحمه الله تعالى، ولكن جانباً مهماً من شخصيته لم أر من تحدث عنه بشكل جلي ألا وهو جانب القيادة.

إن معنى القيادة أن تؤثر في الناس بحيث يلتزمون برسالتك وأهدافك؛ أي:أن تقودهم إلى الهدف لتحقق الغاية المطلوبة.

ولا يخفى أن سماحة الشيخ رحمه الله تعالى كان قائداً فذّاً حيث حل وارتحل، وفي أي قطر نزل، فسار بكل من يعرفه إلى تحقيق رضا الله سبحانه، والالتزام بشرعه الشريف، فقد كان هذا همه طوال حياته العامرة بالطاعة.

ولا ريب أن للقائد صفات جعلته أهلاً لقيادة الناس، وما أصعب قيادة البشر! فهي مهمة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ومهمة العلماء العاملين.

ومن هذه الصفات:

أولاً:الصدق:وهي صفة أخلاقية يكون كلام صاحبها وحاله مطابقًا للواقع. فلا يعرف الكذب أو الغش أو الخداع أو التدليس، بل هو صريح وناصح وواضح، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)التوبة/119.

وهكذا كان شيخنا الوالد رحمه الله تعالى صادقاً في أقواله وأفعاله، لا يفتي إلا بما يرضي وجه الله تعالى، رضي من رضي وسخط من سخط، حتى كتب مقالاً عنوانه:(المفتي من أفتاك بما ينجيك لا بما يرضيك).

وأذكر أن حرصه على الصدق والدقة كان كبيراً جداً، ففي جلسة معه صرح لي أنه يود أن يبتعث بعضَ المفتين على حساب بعض الجامعات، فسألته: لم لا تخبر أبناءك المفتين بسعيك هذا؟ فقال:لا؛ فأنا لست متأكداً بعد من نجاح هذا الأمر، فإن أخبرتهم ولم أتمكن من ذلك سيقولون بأنني لست صادقاً معهم، وبعدها لن يصدقوا مني شيئاً، وسيقولون: هذه كتلك... نعمت القيادة، ونعم القائد.

ثانياً: الأمانة: وهي صفة أخلاقية تمكن صاحبها من إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإعطاء كل ذي حق حقه، وكما قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)النساء/58.

ولا يخفى أن شيخنا الوالد رحمه الله تعالى كان حريصاً كل الحرص على المال العام، ففي سابقة فريدة قل نظيرها أعاد من ميزانية الدائرة إلى الخزينة العامة ما يقارب المليون ومئتي ألف دينار خلال عامين... نعمت القيادة، ونعم القائد.

ثالثاً: الصبر: وهي صفة أخلاقية تمكن صاحبها من التحكم في ذاته وملذاته.

ولقد كان شيخنا الوالد رحمه الله تعالى مثالاً يُحتذى في الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المصيبة، والصبر على الناس، قال تعالى:(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)الزمر/10.

ولقد كان يضايقه بعض الناس بأسئلتهم وتصرفاتهم وأسلوب معاملتهم، فأتعجب من صبره، فينظر إليّ، ويقرأ ما في عينيّ ويقول:"صبرٌ جميل والله المستعان" ويضيف: المسؤول أب للجميع، وعلى الأب أن يصبر على أبنائه... فنعمت القيادة، ونعم القائد.

رابعاً:التواضع:وهي صفة أخلاقية تمكن صاحبها من تقدير الآخرين واحترامهم.

إن كل من خالط سماحة الشيخ الوالد رحمه الله تعالى يعلم أنه مدرسة في التواضع، وعلى الرغم من علمه ومكانته إلا أنه كان يقدر الجميع ويحترم الجميع، فقد كان يقف لمصافحة كل من دخل عليه على الرغم من كبر السن وصعوبة الحركة.

وكان رحمه الله تعالى يتقبل من أبنائه المفتين ملاحظاتهم ويناقشها، بل ويتخلى عن رأيه إن كان الرأي الآخر أقرب للحق، ولم تكن سلطته مانعة له من قبول الحق والإقرار به، ودائماً كان يردد بتواضع عند مناقشة المفتين: "نحن إخوان... وأنا مثل والدكم". بل إذا رأى إجابة غير صحيحة أو ناقصة كتب عليها: "لطفاً للتباحث". ويناقش صاحبها دون أن يُشعره بخطئه، بل يناقشه مناقشة الند للند، وهيهات.

وكان إذا تكلم بالهاتف وسألته: من معي؟ يجيبك:نوح. وإذا أرسل رسالة قصيرة ختمها باسمه المجرد:نوح... فنعمت القيادة، ونعم القائد.

خامساً:الاحترام:وهي صفة أخلاقية يتم خلالها إشعار الناس بأنهم مهمون.

إن الاحترام من أول الصفات التي تلحظها في تعاملك مع سماحة الشيخ الوالد رحمه الله تعالى، وقد كان دائماً يُشعر من أمامه أنه هو أهم إنسان في حياته، وأنه يعول عليه، وأنه أهل لثقته.

وكان يعبر عن ذلك بأساليب متنوعة كالتكليف ببعض المهام، أو الاستشارة، أو الدردشة.

ويكون حصاد هذه المعاملة أن تتعزز ثقة الإنسان بنفسه، ويستشعر تقديره لذاته، ويرغب في مزيد من البذل والعطاء، ودوام العمل مع هذا القائد الفذ... فنعمت القيادة، ونعم القائد.

رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جنته. الافتاء


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية