قوة القضاء الأردني وتحديات الإرهاب المتحوّل

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/09 الساعة 00:17
لا تعاني الدولة الأردنية من ضعف في منظومتها القضائية أو من فراغ تشريعي في مواجهة الإرهاب. فالأردن يمتلك بنية قانونية راسخة، ومؤسسات قضائية تتمتع بخبرة متراكمة، وتشريعات جنائية وأمنية قادرة على التعامل مع طيف واسع من الجرائم الخطيرة. غير أن قوة التشريع لا تعني اكتماله إلى الأبد، لذلك يقوم المشرّع الأردني بمراجعة الأدوات القانونية كلما تغيّرت طبيعة الجريمة وأساليب ارتكابها.

وأقول ذلك من واقع تجربتي الشخصية كمحامٍ أردني عمل في عدد من الدول العربية والأجنبية، وتعامل مع أنظمة قضائية وتشريعية مختلفة. فقد لمست في القضاء الأردني مستوى رفيعاً من التأهيل القانوني، والقدرة على تحليل الوقائع وتفسير النصوص، والتعامل مع النزاعات المعقدة. ولدينا قُضاة أردنيون يمتلكون كفاءة مهنية تضاهي مستويات متقدمة إقليمياً ودولياً. وهذا ليس من باب المجاملة الوطنية، وإنما تقييم مهني نابع من المقارنة والممارسة العملية. ومن الظلم اختزال مؤسساتنا القضائية في بعض الانتقادات أو التعامل مع المطالبة بالتطوير وكأنها إقرار بوجود ضعف مؤسسي.

التحدي القانوني الحقيقي يبدأ عندما تتغير الجريمة بينما تبقى بعض المفاهيم التقليدية المستخدمة في تحليلها على حالها. فالإرهاب لم يعد بالضرورة نشاطاً تقوده جماعة ذات هيكل تنظيمي واضح، تتوزع فيها المسؤوليات بين القيادة والتمويل والتجنيد والتنفيذ. وقد يرتكب الفرد جريمة إرهابية مدفوعاً بقناعة أيديولوجية متطرفة، دون أن يكون عضواً في تنظيم معروف أو يتلقى تعليمات مباشرة من جهة خارجية.

وهنا تظهر ضرورة التمييز بين الانتماء التنظيمي والدافع الأيديولوجي والمسؤولية الجنائية. فغياب الارتباط بتنظيم إرهابي لا ينفي بالضرورة الطبيعة الإرهابية للفعل، كما أن تبنّي أفكار متطرفة لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة. والمسافة القانونية بين الأمرين بالغة الأهمية، لأنها تمس تعريف الجريمة، وأركانها، والقصد الجرمي، وقواعد الإثبات، وحدود التجريم المشروع.

وقد عالج قانون منع الإرهاب الأردني رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته صوراً متعددة من النشاط الإرهابي، ولا يحصر التجريم في مجرد العضوية بتنظيم إرهابي. فالمادة (2) من القانون تتحدث صراحة عن "مشروع إجرامي فردي أو جماعي"، وهي نقطة تشريعية جوهرية تؤكد أن المشرّع الأردني استوعب بالفعل إمكانية وقوع الإرهاب خارج البناء التنظيمي التقليدي. ولذلك فإن التحدي لا ينحصر في إضافة وصف قانوني جديد لكل ظاهرة، وإنما في اختبار مدى كفاية الأحكام القائمة في التعامل مع الأفعال التحضيرية والتحريض المقصود والارتباط بين السلوك المادي والغاية الإرهابية، دون التوسع في تجريم الأفكار المجردة.

ومن الناحية القانونية، فإن المراجعة المطلوبة لا تستهدف استحداث تجريم لأفعال سبق أن تناولها المشرّع الأردني، وإنما إجراء تقييم متخصص لمدى كفاية النصوص القائمة وفعاليتها في مواجهة التحولات الحديثة في النشاط الإرهابي، خصوصاً الجرائم المرتبطة بالتطرف الأيديولوجي الفردي، بعيداً عن الهياكل التنظيمية التقليدية. وينبغي أن تشمل هذه المراجعة أحكام المادتين (2) و(3) من قانون منع الإرهاب، وقواعد الاشتراك والتحريض والمؤامرة الواردة في المادة (7)، إلى جانب القواعد العامة في قانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، بهدف تحديد أي صعوبات تشريعية أو إثباتية حقيقية تستدعي المعالجة، مع المحافظة على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وضمانات المحاكمة العادلة.

والأهم أن هذه المراجعة يجب ألا تقتصر على النصوص العقابية، بل تمتد إلى وسائل الإثبات وإجراءات التحقيق والتعامل مع الأدلة الرقمية، خصوصاً عندما تكون الجريمة نتيجة مسار طويل من التأثر الفكري والتطرف الفردي دون وجود اتصالات تنظيمية واضحة. فالتحدي هنا يتعلق بقدرة القانون على إثبات المسؤولية الجنائية عن أفعال محددة، دون الخلط بين القناعة الفكرية، مهما بلغت خطورتها، وبين السلوك الذي تتوافر فيه أركان الجريمة وفقاً للقانون.

كما ينبغي التمييز بين تشديد العقوبة وتحسين فعالية التجريم والإثبات. فالعقوبات المشددة لا تحقق بالضرورة ردعاً إضافياً إذا كانت الصعوبة الأساسية تتعلق بإثبات الأركان القانونية للجريمة أو تحديد المسؤولية الفردية. والتشريع الجيد هو الذي يمنح سلطات التحقيق والمحاكمة أدوات واضحة ودقيقة، ويضمن في الوقت نفسه عدم تجاوز الحدود الدستورية للحقوق والحريات.

وهنا تبرز قيمة القضاء الأردني واستقلاله. فالمادة (97) من الدستور الأردني تؤكد استقلال القضاة وعدم خضوعهم في قضائهم لغير القانون، بينما تقرر المادة (101/1) أن المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها، وتؤكد المادة (101/4) أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي. وهذه ضمانات دستورية لا يجوز أن تتراجع تحت ضغط الغضب الشعبي، مهما بلغت بشاعة الجريمة.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة المجرم، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة وإصدار حكم عادل وفق القانون، دون تأثير من الشارع أو الإعلام أو أي جهة أخرى. ومن واجبنا أن نثق بقضائنا، وأن نترك للنيابة العامة والمحاكم ممارسة اختصاصاتها بعيداً عن المطالبات المسبقة بأحكام أو عقوبات محددة.

الأردن ليس بحاجة إلى إعادة بناء منظومته القانونية من الصفر، بل إلى تطوير مدروس يستند إلى ما يمتلكه من خبرة تشريعية وقضائية ومؤسسية. ومواجهة الإرهاب المتحوّل تتطلب تشريعاً يستوعب تغير الجريمة، وقضاءً مستقلاً يطبق النصوص بدقة، ومؤسسات أمنية تعمل ضمن صلاحياتها القانونية.

إن الدفاع عن قوة القضاء الأردني والمطالبة بتحديث التشريعات ليسا موقفين متناقضين. بل إن الثقة الحقيقية بمؤسسات الدولة تعني الإيمان بقدرتها على التطور. وفي الأردن، لدينا الأساس المؤسسي والقضائي الذي يسمح لنا بتحقيق الأمرين معاً: حماية أمن الدولة، وصون دولة القانون.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/09 الساعة 00:17