أسوار واشنطن العميقة تكبح جلباب الإخوان المستجد في الكونجرس

نضال الثبيتات العمرو
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/08 الساعة 13:39
يقف عبد الرحمن السيد اليوم، حاملاً لقب السيناتور عبدول في أروقة الكابيتول هيل، أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بقدراته السياسية داخل ولاية ميشيغان، وإنما بجذور الهويّحة والولاء الممتدة عبر البحار؛ هذه المسيرة التي تشبه في قشرتها الخارجية قصة تمرّد الأبناء على عباءة الآباء بحثاً عن الاستقلالية، سرعان ما اصطدمت بوقائع الجغرافيا السياسية الدولية؛ فالمعركة التي يخوضها المهاجر ذو الأصول المصرية لم تعد معركة فكاك شخصي من كاريزما والده الأكاديمي، بل تحولت إلى مواجهة علنية مع إرث أيديولوجي ثقيل لاحق عائلته منذ لحظة خروجها من الإسكندرية أواخر السبعينيات، وسط مناخ مشحون برفض معاهدة السلام والتحريض ضد الدولة.

محاولات السيناتور الجديد للعب دور محوري في إعادة صياغة بوصلة الحزب الديمقراطي تجاه الشرق الأوسط، وبخاصة رغبته المعلنة في تقويض الدعم العسكري والمالي الموجه للقاهرة، وضعت كامل مشروعه السياسي تحت مجهر الشك الإقليمي والدولي؛ فالاندفاع العنيف لمهاجمة المؤسسات السياسية في وطنه الأم لم يُفسّر في العواصم العربية كأجندة حقوقية تقدمية، بل جاء بمثابة سقوط مبكر للقناع الذي حاولت حملته الانتخابية ارتداءه، وهذا النمط من السلوك التشريعي أعاد إلى الأذهان شبهات الارتباط الفكري والسياسي بتنظيم الإخوان المسلمين، كأداة معادية تستهدف استقرار الدول العربية الكبرى وتصفية حسابات تاريخية موروثة ترفض البراغماتية السياسية وتبني أسس الدولة الوطنية المستقرة.

إزاء هذا المشهد المأزوم، أُجزم بأن مصر والدول العربية المحورية ستتعامل مع تحركات السيناتور عبد الرحمن السيد بمنطق التجاهل الدبلوماسي الرسمي الممزوج باليقظة الأمنية والإعلامية، دون الاكتراث كثيراً بمسألة سقوط قناعه الأيديولوجي من عدمه؛ فالقرار الإقليمي يستند إلى قراءة المصالح الاستراتيجية العليا وليس السجالات الحزبية داخل واشنطن؛ فبالنسبة للقاهرة والعواصم الخليجية الحليفة، فإن مجرد خروج التصريحات السياسية من سيناتور أمريكي تستهدف تقويض ركائز الاستقرار الإقليمي أو تجميد المساعدات يضعه تلقائياً في خانة واحدة مع القوى المناهضة للدولة الوطنية سواء أثبتت الأيام ارتباطه الفكري بتنظيم الإخوان أو ظل متمسكاً بغطائه التقدمي الليبرالي، فإن النتيجة السياسية لتشريعاته واحدة؛ وهي محاولة الضغط على الدول العربية، وبالتالي يتم تصنيفه إعلامياً وسياسياً كخصم أيديولوجي دون انتظار أي إسقاط للأقنعة؛ فالإدارات السياسية العربية تدرك أن صناعة القرار في الولايات المتحدة هي نتاج توازنات مؤسسية معقدة تشارك فيها وزارة الدفاع والبيت الأبيض والمخابرات المركزية، وليست رهناً بمواقف فردية لسيناتور مبتدئ في مجلس الشيوخ، وطالما أن المصالح الاستراتيجية الكبرى والروابط العسكرية مع البنتاغون راسخة ومستقرة، فلن تمنح الدول العربية عبدول حجماً سياسياً أكبر من حجمه الفعلي، وسيكون التعامل مع أي مشروع قانون يطرحه عبر قنوات الدبلوماسية الرسمية وجماعات الضغط الوازنة داخل واشنطن لإجهاضه في مهده، فلن يكون هناك أي اهتمام عربي بشخص عبد الرحمن السيد؛ فالمعادلة الإقليمية حُسمت منذ زمن طويل؛ من يهاجم استقرار المنطقة يُعزل إعلامياً وسياسياً ويُصنف كـامتداد لمشروع هدم الدولة، بينما تظل قنوات الاتصال الحقيقية مفتوحة فقط مع مراكز القوة الحقيقية في واشنطن التي تحترم لغة المصالح الاستراتيجية.

كما أن حسابات الحقل الأيديولوجي نادراً ما تتوافق مع بيدر الدولة العميقة في واشنطن؛ فالأجهزة السيادية الأمريكية، من البنتاغون إلى وكالات الاستخبارات ومؤسسات الخارجية، لا تدار بالشعارات العاطفية أو الأجندات الحزبية الضيّقة للوافدين الجدد؛ فهذه المؤسسات تمتلك جدراناً مُصمتة وآليات صارمة مصممة خصيصاً لحماية الشّراكات الاستراتيجية التقليدية في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط؛ فالشراكة العسكرية والأمنية مع الجيش المصري، على وجه التحديد، تمثل ركيزة راسخة للأمن القومي الأمريكي وحرية الملاحة الدولية، وهي ملفات بالغة الحساسية لا تترك لعفوية الهوى السياسي لسيناتور محكوم بخلفية جدلية.

قادم الايام سنشهد تحرّك آليات التحكم داخل الكونجرس بذكاء صامت لتحجيم مثل هذه الأصوات وتطويق تأثيرها مُسبقاً قبل وصوله إلى دوائر القرار الخارجي الحساسة، وسيُحرم أصحاب التوجهات الأيديولوجية الحادة من العضوية الفاعلة في اللجان السيادية كالعلاقات الخارجية أو القوات المسلحة، ويتم توجيه طاقاتهم نحو قضايا البيئة والرعاية الصحية المحلية لتجنب الصدام مع الدبلوماسية الرسمية للدولة، وفي نهاية المطاف، سيجد عبدول نفسه حبيساً داخل أسوار السياسة المحلية في ميشيغان، بينما تظل الخطوط العريضة لملفات الشرق الأوسط تُصاغ بأيدي الجنرالات والدبلوماسيين التقليديين الذين يعرفون جيداً كيف يحمون تحالفات أمريكا الدولية بعيداً عن صراعات الجلابيب العابرة للقارات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/08 الساعة 13:39