من عمّان.. مبادرة عربية تؤسس لمرحلة جديدة في أبحاث وتكنولوجيا صناعة الأسمدة

مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/08 الساعة 09:33
مدار الساعة - كتب: محرر الشؤون الاقتصادية - لم يعد مستقبل صناعة الأسمدة يُقاس بحجم الإنتاج ووفرة الموارد الطبيعية فحسب، بل أصبح مرهونا بمدى القدرة على امتلاك المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتوظيف البحث العلمي والابتكار في مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع على المستوى العالمي. فتعزيز التنافسية والاستجابة لمتطلبات المستقبل يستدعيان الانتقال من الاعتماد على الإمكانات الإنتاجية وحدها إلى الاستثمار في البحث والتطوير بوصفهما ركيزتين أساسيتين لاستدامة الصناعة وتقدمها.

وفي هذا السياق، برز المؤتمر الفني الدولي الثامن والثلاثون للاتحاد العربي للأسمدة، الذي استضافته المملكة الأردنية الهاشمية برعاية شركة مناجم الفوسفات الأردنية، محطة مهمة في مسار التعاون الصناعي العربي، متجاوزا دوره بوصفه منصة لتبادل الخبرات ومناقشة المستجدات الفنية والتكنولوجية، إلى فضاء لطرح مبادرة تستهدف بناء منظومة عربية مشتركة للبحث والتطوير، وسط مشاركة واسعة من الخبراء والمتخصصين وممثلي الشركات والمؤسسات من أكثر من 30 دولة عربية وأجنبية.

وجاءت المبادرة التي أطلقها رئيس مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات الأردنية، الدكتور محمد الذنيبات، والداعية إلى تأسيس مركز عربي مشترك لأبحاث وتكنولوجيا صناعة الأسمدة، لتطرح تصورا عمليا لتطوير التعاون العربي في هذا القطاع الحيوي، من خلال حشد الخبرات العلمية والفنية، وتكامل الإمكانات البحثية والتكنولوجية، وتوجيه الجهود نحو معالجة التحديات الفعلية التي تواجه الصناعة، وتطوير تقنياتها ورفع كفاءتها وتعزيز قدرتها التنافسية.

ولم تتوقف أهمية هذه المبادرة عند حدود طرحها خلال أعمال المؤتمر، بل تعززت بتصدر الدعوة إلى العمل على تأسيس المركز قائمة توصياته، في خطوة تعكس إدراكا متناميا لأهمية الانتقال بالتعاون العربي من تبادل المعرفة والخبرات إلى إنتاجها وتطوير تطبيقاتها، وتمنح المبادرة بعدا مؤسسيا يفتح المجال أمام متابعتها وترجمتها إلى مشروع عربي مشترك.

وقد عكست الموضوعات التي تناولتها جلسات المؤتمر حجم الفرص المتاحة أمام البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في صناعة الأسمدة، ولا سيما في مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وتطوير إنتاج حامض الفوسفوريك عالي النقاوة، والاستفادة من تقنيات الطحالب والكتلة الحيوية، وغيرها من المسارات التي تتيح للصناعة آفاقًا أوسع للابتكار، وتحسين العمليات الإنتاجية، وتطوير منتجات وتقنيات أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات العالمية.

غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المبادرة تظل مرتبطة بمدى النجاح في تحويلها إلى واقع عملي، عبر وضع تصور واضح لأهداف المركز وأولوياته البحثية، وبناء شراكات مؤسسية فاعلة بين الشركات والجامعات ومراكز البحث المتخصصة، وتوفير الموارد البشرية والفنية والمالية التي تكفل استدامة عمله، بما يضمن ألا تبقى مخرجات البحث العلمي حبيسة الدراسات والتوصيات، بل تتحول إلى حلول وتطبيقات تكنولوجية تحقق قيمة مضافة للصناعة العربية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل ما تمتلكه الدول العربية من موارد طبيعية وقدرات إنتاجية وخبرات صناعية، يمكن أن تشكل، إذا ما تكاملت مع منظومة بحثية مشتركة، قاعدة متينة لتطوير صناعة الأسمدة، وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية، والارتقاء بدورها من الاستفادة من التكنولوجيا إلى المشاركة الفاعلة في تطويرها وإنتاج المعرفة المرتبطة بها.

وهكذا، فإن الرسالة التي انطلقت من عمّان تتجاوز الدعوة إلى تأسيس مركز عربي للأبحاث والتكنولوجيا، لتؤكد الحاجة إلى إرساء مرحلة جديدة من التعاون الصناعي العربي، قوامها تكامل القدرات وتوحيد الجهود والاستثمار المنظم في المعرفة والابتكار.

فالمستقبل الذي تتطلع إليه صناعة الأسمدة العربية لن تصنعه وفرة الموارد أو اتساع الطاقات الإنتاجية وحدهما، وإنما تصنعه أيضا العقول القادرة على الابتكار، والمؤسسات المؤهلة لتطوير التكنولوجيا، والإرادة المشتركة لتحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية وتنافسية، تعزز مكانة الصناعة العربية وتوسع إسهامها في دعم الأمن الغذائي إقليميا وعالميا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/08 الساعة 09:33