نحو سياسة تشريعية جنائية للردع والوقاية من جرائم الإرهاب والتطرف

الدكتور نوفان العجارمة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/07 الساعة 23:31
تُعد جرائم الإرهاب والتطرف من أخطر الجرائم التي تهدد أمن الدول واستقرار المجتمعات، لما تنطوي عليه من اعتداء على حياة الأفراد وسلامتهم، واستهداف لمؤسسات الدولة ومقومات الأمن الوطني والسلم المجتمعي. وقد ازدادت خطورة هذه الجرائم نتيجة تطور وسائل ارتكابها، واتساع نطاق استخدام الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر الأفكار المتطرفة، والتحريض على العنف، والتجنيد، وتمويل الأنشطة الإرهابية. وفي مواجهة هذه التحديات، اعتمدت الدولة الأردنية منظومة تشريعية ومؤسساتية لمكافحة الإرهاب، في مقدمتها قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته، وقانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، وقانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم (9) لسنة 2004.

إلا أن التطورات المتسارعة في طبيعة الجرائم الإرهابية وأساليب ارتكابها تفرض ضرورة إعادة تقييم السياسة الجنائية وتطويرها، بحيث لا تقتصر على تجريم الأفعال الإرهابية وتشديد العقوبات، بل تمتد إلى الوقاية من التطرف، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض في الفضاء الإلكتروني، ومراجعة سياسات الإصلاح والتأهيل والإفراج قبل انقضاء كامل مدة العقوبة، بما يحقق حماية المجتمع ويحافظ على سيادة القانون والحقوق والحريات.

وهذا يتطلب معالجة المسائل التالية ومراجعتها:

أولاً: مراجعة التشريعات الجنائية وتحديثها وتشديد العقوبات:

تقتضي مواجهة الإرهاب والتطرف مراجعة التشريعات الجنائية الأردنية بصورة مستمرة، لضمان مواكبتها للتطورات التي تشهدها هذه الجرائم، وسد الثغرات القانونية التي قد تُستغل للإفلات من المسؤولية الجنائية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تقييم أحكام قانون منع الإرهاب وقانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية، والعمل على تطوير النصوص المتعلقة بالتجنيد والتحريض والتمويل والمشاركة في الأنشطة الإرهابية، والجرائم المرتكبة باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة.

كما تبرز ضرورة تشديد العقوبات على الجرائم الإرهابية، ولا سيما تلك التي تستهدف حياة الأشخاص وسلامتهم والمنشآت الحيوية ومؤسسات الدولة، وينبغي أن يراعي التشديد العقابي جسامة الفعل والنتائج المترتبة عليه والظروف المشددة المرتبطة بارتكابه، مع ضمان التناسب بين الجريمة والعقوبة واحترام مبدأ الشرعية الجنائية.

ثانياً: محاربة التطرف والإرهاب في الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي:

أصبح الفضاء الإلكتروني من أبرز المجالات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لنشر أفكارها، واستقطاب الشباب، والترويج للعنف والكراهية، والتحريض على الأعمال الإرهابية، الأمر الذي يفرض تطوير السياسة الجنائية الأردنية لمواجهة هذه الظاهرة من خلال تعزيز الرقابة القانونية والتقنية على المحتوى الذي يتضمن تحريضاً فعلياً على ارتكاب الجرائم الإرهابية أو أعمال العنف.

ويتطلب ذلك تعزيز قدرات الجهات المختصة في رصد الأنشطة الإجرامية الإلكترونية، وتطوير وسائل جمع الأدلة الرقمية وحفظها، والتعاون مع منصات التواصل الاجتماعي لإزالة المحتوى غير المشروع وفق إجراءات قانونية واضحة، إلى جانب ملاحقة المسؤولين عن التجنيد والتحريض والتمويل عبر الوسائل الإلكترونية. كما ينبغي ألا تقتصر المواجهة على الإجراءات الأمنية والعقابية، بل يجب أن تشمل برامج وطنية للتوعية الرقمية، ونشر الفكر المعتدل، وإنتاج محتوى توعوي يواجه الأفكار المتطرفة، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني في تحصين الشباب من الاستقطاب الفكري.

ثالثاً: تطوير الإطار التشريعي لتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف

تقتضي مواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف تقييم النصوص التشريعية القائمة، ودراسة مدى كفايتها ووضوحها وقدرتها على استيعاب الصور المستحدثة لهذه الأفعال، والنظر في تطويرها أو إعداد قانون متكامل لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف والتطرف.

وينبغي أن يتضمن هذا الإطار تعريفاً قانونياً دقيقاً لخطاب الكراهية، وتحديداً للأفعال التي تنطوي على تحريض متعمد على التمييز أو العداء أو العنف ضد الأشخاص أو الجماعات، بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو العرق أو غيرها من الخصائص المحمية قانوناً.

كما ينبغي أن يشمل تجريم التحريض على الإرهاب، والتجنيد لصالح التنظيمات الإرهابية، والترويج المتعمد للعنف الإرهابي بقصد التشجيع عليه أو المساهمة في ارتكابه، مع تشديد العقوبات عندما يؤدي الفعل إلى ارتكاب اعتداءات خطيرة.

ومن الضروري أن يتضمن الإطار التشريعي أحكاماً واضحة بشأن مسؤولية مستخدمي المنصات الرقمية والقائمين عليها، وآليات التعامل مع المحتوى غير المشروع، وحفظ الأدلة الرقمية، وإجراءات الإزالة والاعتراض والرقابة القضائية.

وفي المقابل، يجب أن يضمن التشريع عدم تجريم النقد السياسي أو الاختلاف الفكري أو التعبير السلمي عن الآراء، ما لم يتضمن الفعل تحريضاً جنائياً مستوفياً لعناصر التجريم، وذلك حمايةً لحرية التعبير ومنعاً للتوسع غير المبرر في استعمال النصوص الجزائية.

رابعاً: مراجعة سياسات الإصلاح والتأهيل داخل مراكز الإصلاح والتأهيل

تقتضي السياسة الجنائية الحديثة تطوير دور مراكز الإصلاح والتأهيل، بحيث لا يقتصر على تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، وإنما يمتد إلى إصلاح المحكوم عليهم وتأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. وتتأكد أهمية ذلك بالنسبة للمحكوم عليهم في الجرائم الإرهابية، من خلال اعتماد برامج متخصصة للتأهيل الفكري والنفسي والاجتماعي، وتقييم مدى استجابتهم لهذه البرامج، وتطوير آليات تصنيف النزلاء والفصل بينهم وفق طبيعة الجرائم ودرجة الخطورة، بما يحد من انتقال الأفكار المتطرفة واستقطاب نزلاء جدد.

كما ينبغي تطوير برامج المناصحة والتوعية ومواجهة الفكر المتطرف داخل المؤسسات العقابية، وتأهيل العاملين فيها للتعامل مع هذه الفئة من المحكوم عليهم، واعتماد تقييم دوري لمدى تحقق أهداف الإصلاح والتأهيل. ولا يكفي في هذا المجال الاستناد إلى انتظام النزيل في الحياة اليومية داخل المركز أو خلو سجله من المخالفات الانضباطية؛ إذ ينبغي أن يشمل التقييم مدى تخليه عن الأفكار التي تبرر العنف، واستعداده للاندماج في المجتمع واحترام القانون، بما يسهم في الحد من احتمالات العود إلى الجريمة.

خامساً: مراجعة أحكام الإفراج قبل انقضاء كامل مدة العقوبة في الجرائم الإرهابية

تُعد مراجعة أحكام الإفراج قبل انقضاء كامل مدة العقوبة من المسائل المهمة التي ينبغي أن تحظى باهتمام المشرّع الأردني، خصوصاً بالنسبة للمحكوم عليهم في الجرائم التي تشكل خطراً جسيماً على أمن المجتمع، وفي مقدمتها الجرائم الإرهابية.

وتتأكد أهمية هذه المراجعة في ضوء ما نُشر عن سبق إدانة أحد المتهمين في الاعتداء الإرهابي على كنيسة بلدة حمود، وكذلك منفذ الاعتداء الأخير الذي أودى بحياة رجل الامن الشهيد جواد السلايطة، في قضايا إرهابية، ثم خروجهما من مراكز الإصلاح والتأهيل قبل وقوع الاعتداءين. وتثير هذه الوقائع تساؤلات جدية بشأن كفاية برامج التأهيل وآليات تقييم الخطورة قبل الإفراج، ومدى فاعلية المتابعة اللاحقة له.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة مراجعة المادة (34) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل، التي تنظم، في إطار المعاملة التشجيعية للنزلاء، إمكانية الإفراج عن المحكوم عليه بعد قضائه ثلاثة أرباع مدة محكوميته. فالأهداف الإصلاحية التي يقوم عليها هذا التنظيم تستوجب، عند تطبيقه على المحكوم عليهم في الجرائم الإرهابية، مراعاة خصوصية هذه الجرائم وخطورة النتائج المترتبة على احتمال العود إليها.

ومن هنا، ينبغي ألا يرتبط قرار الإفراج بمجرد قضاء جزء من مدة العقوبة وحسن السلوك داخل المؤسسة العقابية، وإنما يجب أن يستند إلى تقييم فردي شامل لطبيعة الجريمة، ودور المحكوم عليه فيها، ومدى استجابته لبرامج التأهيل، ومؤشرات احتمال العودة إلى العنف أو النشاط الإرهابي. كما ينبغي دراسة إمكانية استثناء الجرائم الإرهابية الجسيمة من الإفراج المبكر، أو إخضاعها لشروط وضمانات أكثر تشدداً، من خلال تعديل تشريعي صريح يراعي مبدأ التناسب والضمانات القضائية، ويستند إلى تقييم متخصص تشارك فيه الجهات ذات الاختصاص الأمني والنفسي والاجتماعي والإصلاحي.

ولا يقتصر الأمر على مرحلة اتخاذ قرار الإفراج، بل يجب أن يمتد إلى وضع برامج متابعة وتأهيل بعده، وإخضاع المفرج عنهم، عند الاقتضاء ووفق القانون، للتدابير التأهيلية والرقابية المناسبة، مع توفير الدعم الاجتماعي والمهني الذي يعزز فرص اندماجهم ويحد من احتمالات استقطابهم مجدداً.

حاصل القول:

المطلوب هو تبني استراتيجية جنائية وطنية شاملة تقوم على تحديث التشريعات، وتشديد العقوبات على الجرائم الإرهابية الجسيمة، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف وفق ضوابط دقيقة، وتعزيز الوقاية الفكرية والرقمية، ومراجعة سياسات الإصلاح والتأهيل وأحكام الإفراج قبل انقضاء كامل مدة العقوبة.

فالرهان الحقيقي أمام الدولة الأردنية لا يتمثل فقط في معاقبة مرتكبي الجرائم الإرهابية، وإنما في منع نشوء البيئة الفكرية والاجتماعية والرقمية التي تغذي التطرف والعنف، وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، والحد من فرص إعادة إنتاجه، بما يضمن حماية أمن المملكة واستقرارها، وصيانة حقوق مواطنيها، وترسيخ سيادة القانون والمؤسسات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/07 الساعة 23:31