الإرهاب لا دين له: حماية الأردن تبدأ بالعدل والتماسك

الدكتور أحمد محمد الخلايلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/06 الساعة 23:22
لا يمكن للأردنيين أن يتعاملوا مع استشهاد العريف جوادعلي خلف السلايطة، أثناء أدائه واجبه في عمّان اليوم، بوصفه خبراً أمنياً عابراً. فخلف هذا المصاب أسرة فقدت ابنها،ومؤسسة أمنية قدّمت أحد رجالها، ومجتمع ما زال يحاول استيعاب الألم الذي خلّفه العنف في الكرك قبل أيام. إن تتابع هذه الأحداث يفرض نقاشاً جاداً حول مواجهة التطرف، لكنه يفرض في الوقت نفسه الحذر من التسرّع في إطلاق الأحكام أو تحميل المجتمع ومؤسساته الدينية والتعليمية مسؤوليةجماعية عن جرائم يرتكبها أفراد.

إن إدانة الإرهاب لا تحتمل التردد أو الانتقائية. الاعتداء على رجل أمن يؤدي واجبه اعتداء على حق المجتمع في الأمان وسيادة القانون، مثلما أن استهداف المدنيين أو دور العبادة أو أي إنسان بسبب دينه أو هويته جريمة مرفوضة أخلاقياً ووطنياً. ونحن نقف مع الدولة الأردنية وشعبها وأجهزتها الأمنيةفي مواجهة الإرهاب بكل أشكاله، ونؤكد أن حماية المواطنين وصون حياتهم وكرامتهم مسؤولية وطنية جامعة لا تقبل المساومة.

لكن الوقوف الصلب في وجه الإرهاب لا يعني اختزال أسبابه في الإسلام، أو في المساجد، أو في المعلمين والمناهج، أو في كتب علماء التراث. فالإرهاب ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية وأمنية، ولا تُفهم بقرار انفعالي أو بتعميم يضع فئات واسعة من المجتمع موضع الاتهام. إن ربط الجريمة بالدين لمجرد أن مرتكبها يرفع شعارات دينية يمنح المتطرفين ما يريدونه: أن يظهروا ممثلين لدين كامل، وأن يدفعوا المجتمع إلى الانقسام والارتياب.

الإسلام، في أصوله ومقاصده، يقرر حرمة الدماء والاعتداء على الأبرياء، ويجعل العدل وصون النفس من القيم المركزية. ولا يجوز أن تُتخذ أفعال جماعات متطرفة أو أفراد منحرفين دليلاً على حقيقة دين يتبعه مئات الملايين، كما لا يجوز إعفاء أي خطاب تحريضي من المساءلة لمجرد أنه يتدثر بالدين. المعيار واضح: كل خطاب يبرر قتل الأبرياء أو يحرض على الكراهية والعنف يجب أن يُواجَه بالحجة والقانون، أياً كان مصدره أوصاحبه.

ومن هنا، فإن تحميل المناهج والمعلمين مسؤولية الإرهاب على نحو عام، تحتاج إلى مراجعة هادئة تستند إلى الأدلة والنتائج لا إلى ردود الفعل. فالمسجد مؤسسة عبادة وتكافل وتوجيه، والمدرسة مساحة لبناء المعرفة والمواطنة، والمعلم شريك في حماية الأجيال. وإذا ثبت وجود خطاب تحريضي أو مادة تعليمية تتعارض مع قيم المواطنة والتسامح، فإن المعالجة تكون مهنية محددة وشفافة، لا بعقوبات جماعية أو قرارات شاملة قدتضر بالثقة بين الدولة والمجتمع.

وينطبق الأمر نفسه على كتب العلماء، ومنهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهما. فهذه مؤلفات تراثية واسعة ومتنوعة، لايصح اختزالها في تفسير واحد أو اعتبارها سبباً مباشراً للإرهاب من دون بحث علمي موثق. المطلوب قراءة نقدية مسؤولة للسياقات والنصوص، والتمييز بين المعرفة الدينية والتوظيف المتطرف لها، وبين الخلاف الفكري والتحريض على العنف. فالمواجهة الفاعلة لا تكون بحظر النقاش أو شيطنة التراث، بل بتعزيز التعليم الديني الرصين، وتأهيل الوعاظ والمعلمين، وتقديم خطاب يرسخ حرمة الدماء وكرامة الإنسان.

أمنياً، تستدعي الحوادث الأخيرة مراجعة إجراءات حماية المواقع الحساسة، وتحسين تبادل المعلومات، ورصد مؤشرات العنف، وتقييم برامج إعادة التأهيل ومنع الانتكاس، مع الالتزام بالقانون وضمانات العدالة. وسياسياً، تحتاج الدولة إلى خطاب رسمي متوازن يطمئن المواطنين ويشرح ما ثبت من التحقيقات،ويفصل بين الوقائع والافتراضات. أما اجتماعياً، فإن أخطر ماقد تخلّفه هذه الجرائم هو اتساع الشك بين الأردنيين أو تحويل الاختلاف الديني والفكري إلى تصنيف واتهام. إن وحدةالمجتمع ليست تفصيلاً جانبياً

في الأمن؛ إنها أحد شروطه

الأساسية.

لقد شدد جلالة الملك في أكثر من مناسبة على أن المواطن الأردني وأمنه وكرامته في صدارة الأولويات، وأن قوة الأردن في تماسك أبنائه ووحدتهم. ويقتضي الوفاء لهذا المعنى حمايةكل مواطن، مسلماً كان أم مسيحياً، مدنياً أم رجل أمن، وصون حقه في الحياة والعبادة والتعبير ضمن القانون. كما يقتضي ان تكون الدولة قوية في مواجهة المجرم، عادلة في إجراءاتها، دقيقة في خطابها، وقريبة من مجتمعها.

إن الرد على الإرهاب لا يكون بالخوف ولا بالتعميم ولا بتبادل الاتهامات، بل بتحقيق مهني يكشف الحقائق، ومحاسبة عادلة للمسؤولين، وسياسات وقائية قائمة على المعرفة، وخطاب ديني وتربوي يعزز الرحمة والاعتدال والمواطنة. رحم الله الشهيد جوادالسلايطة، ومنح زميله الشفاء، وحفظ الأردن وأهله. موقفنا واضح: لا للإرهاب بكل أشكاله، ولا لاستهداف الأبرياء، ونعم لدولة القانون ووحدة المجتمع وكرامة الإنسان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/06 الساعة 23:22