الإرهاب بلا حدود

محمد البطوش
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/06 الساعة 18:36
لم يعد الإرهاب يرتبط بمكان دون آخر، ولا يختار ضحاياه على أساس منطقة أو مدينة أو دين أو انتماء؛ فالفكر المتطرف حين يتغلغل في العقول يتحول إلى خطر يهدد الجميع، ويصبح استهداف الإنسان وحقه في الحياة هدفاً لمن فقدوا إنسانيتهم، وتخلوا عن قيم الدين والوطن والأخلاق.

من الكرك إلى عمّان، تتجدد أمامنا حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الإرهاب لا يعرف حدوداً جغرافية، وأن مواجهة التطرف ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المنابر الدينية والمؤسسات الإعلامية والثقافية. فالحادثة التي شهدتها الكرك، وما تبعها من اعتداء إرهابي في العاصمة عمّان، وما حملته من ألم باستشهاد البطل العريف جواد السلايطة أثناء أدائه واجبه، تضعنا أمام ضرورة إعادة النظر بجدية في كيفية مواجهة الفكر الذي ينتج الكراهية والعنف ويستبيح دماء الأبرياء.

إن أخطر ما في التطرف ليس فقط الجريمة التي يرتكبها صاحبه، بل الفكرة التي تسبق الجريمة، والعقل الذي يبرر القتل، والخطاب الذي يصنع الكراهية ويحوّل الاختلاف إلى عداوة. فالإرهاب لا يبدأ بسلاح يُرفع، وإنما يبدأ بفكر منحرف يجد طريقه إلى عقول لم تتعلم احترام الإنسان وكرامته وحقه في الاختلاف.

لقد كان الأردن، وسيبقى، نموذجاً في التعايش والتسامح والوحدة الوطنية، ولم تكن العلاقة بين الأردنيين يوماً قائمة على اختلاف الدين أو المعتقد أو المنطقة، بل على المواطنة والانتماء والمصير المشترك. ومن هنا، فإن استهداف مواطنين في مكان عبادتهم، أو الاعتداء على رجل أمن يؤدي واجبه، هما اعتداءان على قيم الدولة والمجتمع، ومحاولة للمساس بالنسيج الوطني الذي شكّل على الدوام مصدر قوة الأردن ومنعته.

ولا يجوز أن نكتفي بإدانة الإرهاب بعد كل حادثة، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن؛ بل علينا أن نذهب إلى جذور المشكلة، وأن نواجه خطاب الكراهية والتحريض، وأن نحمي شبابنا من الأفكار المتطرفة، وأن نعزز ثقافة الاعتدال والانتماء الحقيقي، وأن نكون أكثر وعياً بخطورة المنصات التي تروّج للفكر الظلامي وتبرر العنف.

وفي المقابل، فإن قوة الدولة في مواجهة الإرهاب تقوم على سيادة القانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، وتعزيز قدرة مؤسساتنا الأمنية، والوقوف خلف رجال الأمن الذين يقدمون حياتهم في سبيل حماية الوطن والمواطنين.

إن استشهاد العريف جواد السلايطة ليس مجرد خبر عابر، بل تذكير بحجم التضحيات التي يقدمها نشامى الأجهزة الأمنية ليبقى الأردن آمناً، وسيبقى اسمه حاضراً في وجدان الأردنيين، كما ستبقى دماء كل ضحايا الإرهاب شاهداً على بشاعة هذا الفكر وخطورته.

الأردن أكبر من كل محاولات العبث بأمنه، وأقوى من كل أفكار التطرف والكراهية. من الكرك إلى عمّان، رسالتنا واحدة: لن نسمح للإرهاب أن يفرقنا، ولن نسمح للفكر المتطرف أن يجد له مكاناً بيننا. وحدتنا الوطنية خط أحمر، وأمن الأردن واستقراره مسؤولية الجميع.

حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، ورحم شهداء الوطن، وحمى نشامى أجهزتنا الأمنية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/06 الساعة 18:36