حين لا تتحول التحذيرات إلى سياسات تتكرر الأسئلة بعد وقوع الأحداث!

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/05 الساعة 16:34
ليست المشكلة في أننا لا نعرف طبيعة التحديات التي تواجه أمننا الوطني، ولا في نقص التحذيرات بشأن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن التطرف العنيف والإرهاب، بل ربما تكمن المشكلة الحقيقية في الفجوة بين ما نعرفه وما نفعله، وبين ما نطرحه من أفكار وتوصيات وما يتحول منها إلى سياسات وبرامج وممارسات مؤسسية قابلة للتنفيذ والتقييم.

لقد تناولنا في أكثر من مناسبة قضايا الأمن الوطني الأردني، ومنعة الجبهة الداخلية، والتحولات في طبيعة التهديدات، وأهمية اعتماد منهج شمولي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وأكدنا أن هذه المواجهة لا يمكن أن تظل محصورة في البعد الأمني، مهما بلغت أهميته، ولا أن تقتصر على التعامل مع نتائج الأحداث بعد وقوعها، بل ينبغي أن تبدأ من فهم البيئة التي تسمح بنشوء التطرف، واستشراف مخاطره، ومعالجة أسبابه، وبناء منظومة وطنية متكاملة للوقاية والمواجهة.

ومع كل حادثة أمنية أو عمل إرهابي، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة:

- هل نمتلك استراتيجية وطنية شاملة للوقاية من التطرف العنيف؟

- وهل تتكامل أدوار المؤسسات المعنية؟

- وهل تتحول الدراسات والتوصيات إلى برامج عملية؟

- أم أننا نعيد اكتشاف أهمية هذه القضايا بعد كل حدث، ثم ينحسر الاهتمام بها مع تراجع الاهتمام الإعلامي؟

من الضروري التمييز بين عمليات مكافحة الإرهاب باعتبارها استجابة أمنية مباشرة، ومكافحة التطرف العنيف باعتبارها عملية وطنية وقائية طويلة الأمد.

فالأجهزة الأمنية تقوم بدور أساسي في حماية المجتمع، وملاحقة المتورطين، وإحباط المخططات، وإنفاذ القانون، وقد أثبتت التجارب أن كفاءة هذه الأجهزة واحترافيتها تمثلان ركناً لا غنى عنه في منظومة الأمن الوطني.

لكن نجاح الاستجابة الأمنية لا ينبغي أن يقودنا إلى الاعتقاد بأننا عالجنا جذور المشكلة، فالقبض على مرتكبي الجريمة يحقق العدالة ويمنع استمرار الخطر المباشر، لكنه لا يغني عن دراسة الظروف والأفكار والبيئات التي أسهمت في إنتاج التطرف، ولا عن فهم مسارات التحول من التبني الفكري المتشدد إلى السلوك العنيف.

إن الوقاية الحقيقية تتطلب عملاً مستمراً في مجالات التعليم والثقافة والإعلام والتوعية المجتمعية، إلى جانب المعالجة الأمنية والقانونية، وبما يحترم سيادة القانون والحقوق والحريات.

تُعد منعة الجبهة الداخلية أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني، لكنها لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى الوحدة والتماسك، وإنما تُبنى من خلال الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، والعدالة، وفاعلية المؤسسات، والقدرة على إدارة الاختلاف، وتعزيز الشعور بالمواطنة والمسؤولية المشتركة.

وفي المقابل، فإن خطاب الكراهية والتحريض والتضليل والاستقطاب يمكن أن يتحول إلى عوامل تضعف هذه المنعة، خصوصاً عندما تستغل الأطراف المتطرفة التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية لتوسيع تأثيرها.

ومن هنا، فإن حماية الجبهة الداخلية تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً، وإعلاماً مسؤولاً، ومؤسسات قادرة على التواصل مع المجتمع، والاستماع إلى مخاوفه، وتقديم المعلومات الموثوقة، والتعامل مع الاختلاف باعتباره جزءاً من الحياة العامة، لا تهديداً يجب إقصاؤه.

فالمجتمع المتماسك ليس المجتمع الذي يخلو من الاختلاف، بل الذي يمتلك من الثقة والوعي والمؤسسات ما يمكّنه من إدارة اختلافاته دون أن تتحول إلى انقسامات تهدد استقراره.

إن أحد أهم التحولات المطلوبة في التفكير الاستراتيجي هو الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استشراف المخاطر، وبناء السيناريوهات، والاستعداد المبكر لها.

ويتطلب ذلك تطوير منظومة وطنية متكاملة للرصد والتحليل وتبادل المعلومات، وربط المؤشرات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتحويل البيانات إلى تقديرات استراتيجية تساعد صانع القرار على فهم اتجاهات الأحداث واحتمالات تطورها.

كما يتطلب تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتطوير آليات الاستجابة الوطنية، وإجراء مراجعات دورية للخطط والسياسات، واختبار قدرة المؤسسات على التعامل مع سيناريوهات متعددة ومتزامنة.

فالاستعداد الاستراتيجي لا يعني التنبؤ الدقيق بما سيحدث، بل امتلاك القدرة المؤسسية على التعامل مع ما قد يحدث، وتقليل المفاجآت، وتجنب القرارات المرتجلة تحت ضغط الأزمات.

ولا يمكن إغفال البعد الإعلامي والاتصالي في مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف، فالتطرف لا ينتشر من خلال التنظيمات والأفعال وحدها، بل يستفيد أيضاً من خطاب تحريضي، وروايات مضللة، ومساحات رقمية قادرة على استقطاب الأفراد والتأثير في اتجاهاتهم.

ومن هنا، فإن الاتصال الاستراتيجي الفعال يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من المنظومة الوطنية لمكافحة التطرف، لا مجرد نشاط إعلامي مصاحب للأحداث.

وهذا يتطلب تطوير خطاب مؤسسي واضح ومتسق، وتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية، وبناء قدرات متخصصة في فهم البيئة الرقمية، ورصد أنماط التضليل وخطاب الكراهية، وتقديم محتوى معرفي وإعلامي قادر على مواجهة السرديات المتطرفة بالحجة والمعلومة والمصداقية.

ولا يكفي أن نرد على الشائعات بعد انتشارها، بل ينبغي أن نبني بيئة معلوماتية تتمتع بالثقة والشفافية، وتمنح الجمهور القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

ربما تكون إحدى أبرز الإشكاليات في هذا المجال هي تعدد المبادرات والجهود دون وجود مستوى كافٍ من التكامل والاستمرارية وقياس الأثر.

فمكافحة التطرف العنيف مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود مؤسسة واحدة، وتتطلب تحديداً واضحاً للأدوار والمسؤوليات بين المؤسسات الأمنية والتربوية والإعلامية والثقافية والدينية والاجتماعية، مع وجود آليات تنسيق وتقييم ومساءلة.

ولا ينبغي أن تظل الاستراتيجيات الوطنية وثائق تُعلن ثم تُترك دون متابعة، بل يجب أن تتحول إلى خطط تنفيذية تتضمن أهدافاً محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومسؤوليات مؤسسية واضحة، ومراجعات دورية لمدى التقدم والفاعلية.

كما ينبغي أن تستند هذه الجهود إلى دراسات علمية وتحليل اجتماعي وسلوكي، بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات العامة أو ردود الفعل التي تفرضها الأحداث.

إن ما نحتاج إليه اليوم ليس المزيد من التأكيد على أهمية مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، بل مراجعة جادة لكيفية تحويل هذه القناعة إلى عمل مؤسسي مستدام.

نحتاج إلى أن نسأل: أين تقف جهود الوقاية من التطرف العنيف؟ وما مدى التكامل بين المؤسسات المعنية؟ وهل لدينا منظومة فعالة لاستشراف المخاطر؟ وكيف نقيس أثر البرامج الإعلامية والتربوية والثقافية؟ وما الذي تحقق من التوصيات والدراسات التي طُرحت خلال السنوات الماضية؟

هذه ليست أسئلة للوم أو تسجيل المواقف، بل أسئلة ضرورية لأي مراجعة استراتيجية جادة، هدفها تطوير الأداء الوطني والاستفادة من الخبرات المتراكمة قبل أن تفرض الأحداث علينا إعادة طرحها.

إن الأمن الوطني لا يُبنى بردود الفعل وحدها، ومنعة الجبهة الداخلية لا تتحقق بالشعارات، ومكافحة التطرف لا يمكن أن تكون موسمية أو مرتبطة بوقوع الحوادث، فنحن لسنا بحاجة إلى إعادة اكتشاف أهمية هذه الأفكار بعد كل حادث، بل إلى تحويلها إلى سياسات وبرامج وممارسات مؤسسية قابلة للتنفيذ والتقييم.

فالمشكلة ليست في نقص التحذيرات، بل في الفجوة بين المعرفة والتخطيط والتنفيذ.

إن الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية وطنية ليس ما تتضمنه من أهداف وتوصيات، بل ما تحدثه من تغيير ملموس في الواقع، وما تمنحه للدولة والمجتمع من قدرة أكبر على الوقاية والصمود ومواجهة المستقبل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/05 الساعة 16:34