كما كان أبي... فارتجف الحنين في قلوب الأردنيين

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/04 الساعة 15:19
"كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي".

قالها جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش، في الثاني من تشرين الثاني 2026، وهو يؤكد ثبات الأردن على عروبته ودفاعه عن قضايا أمته. عبارة قصيرة، لكن من يصغي إليها بقلبه يسمع وراءها وقع سنوات طويلة، ويرى أبًا غاب، وابنًا حمل الأمانة، وحفيدًا يتطلع إليه الرجاء.

لم أسمع فيها تسلسلًا للأسماء، بل سمعت صوت الوفاء. تخيّلت الحسين بن طلال، الذي رحل عن الدنيا قبل سبعة وعشرين عامًا، حاضرًا في وجدان ابنه، لا بوصفه صورة في الذاكرة، بل بوصفه عهدًا يُستحضر عند الحديث عن المبادئ التي لا تتبدل.

ومن هذه الكلمات، عادت بي الذاكرة إلى شتاء عام 1999؛ إلى يومٍ بدا فيه الأردن كله بيتًا فقد أباه. كانت الوجوه واجمة، والدموع غالبة، والناس يتبادلون النظرات كأن أحدًا لا يريد أن يصدّق أن الحسين قد رحل. لم يكن الحزن يحتاج إلى خطاب؛ كان يُقرأ في صمت الرجال، وفي عيون الأمهات، وفي الأيدي المرتفعة بالدعاء.

وفي قلب تلك الفجيعة، وقف عبدالله أمام مسؤوليتين لا يعرف ثقل اجتماعهما إلا من ذاق الفقد: أن يودّع أباه، وأن يحمل بعده أمانة وطن. كم يحتاج الابن في لحظة كهذه إلى كلمة من أبيه، إلى يدٍ على كتفه، إلى نظرة تطمئنه! لكن عليه أن يمضي، وأن يجعل مما تعلّمه من أبيه زادًا للطريق.

وعندها جاءت كلمات الشاعر الراحل حبيب الزيودي في "هلا يا عين أبونا"، أقرب إلى عناقٍ أردني منها إلى أغنية استقبال. تأملوا النداء: لم يقل "هلا بالملك"، بل "هلا يا عين أبونا". أيُّ حنانٍ في هذه الإضافة! كأن الأردنيين، وهم يفتحون قلوبهم لعبدالله، كانوا يحتفظون للحسين بمكانه فيها. لم يريدوا أن يطفئ استقبال الابن حزنهم على الأب، ولا أن يحجب الحزن رجاءهم في الغد.

ولم تكن الخوابي المملوءة قمحًا، والصبح، وواسط البيت المفتوح للضيفان صورًا طارئة في تلك الحكاية؛ بل كانت صورةً للأردن كما يعرفه أهله: خبزًا يُقاسم، وبابًا يُشرع، وكرامةً تُصان. هناك، في تفاصيل الحياة البسيطة، صارت محبة الهاشميين جزءًا من لغة البيت.

ثم مضت الأعوام. كبر أطفال تلك الأيام، ورحل آباء كانوا يرددون تلك الكلمات، وبقيت في البيوت حكايات لا تحتاج إلى صور كي تعود حيّة. وربما يسمعها اليوم رجلٌ، فيتذكر صوت أبيه الذي كان يغنيها، فيختلط الحنين إلى اللحن بالحنين إلى من رحل.

ولهذا لم تبلغ عبارة الملك مسامعي وحدها، بل نفذت إلى أعماق وجداني، بما حملته من معنى يتجاوز حدود السياسة إلى رحابة الأبوة والوفاء. رأيت فيها ابنًا لا يزال يتذكر أباه، وأبًا ينظر إلى ابنه ويرجو له الثبات على ما حمله من عهد.

فالملك لم يستحضر والده وابنه في مجلس عائلي، بل أمام الأمة، وهو يتحدث عن موقف الأردن. وهنا تكمن جلالة المعنى: أن يصبح الوفاء للأب مسؤولية تجاه الوطن، وأن يكون الحديث عن الابن حديثًا عما ينبغي أن يبقى من القيم.

وهذا موضع الفخر في المشهد الهاشمي: أن يمتد اسم الحسين عبر الأجيال، ويبقى المعنى مقرونًا بالاسم؛ فالعرش مسؤولية قبل أن يكون مكانة، والميراث الحقيقي ما يستقر في الضمائر. وحين يجتمع الجد والأب والحفيد في عبارة واحدة، يحضر معها تاريخٌ من المواقف والآمال، وتصبح الذكرى دافعًا إلى الوفاء بالواجب.

ما أثمن هذا الإرث: أن يبقى الأب قدوةً لابنه بعد رحيله، حتى يقف الابن بعد عشرات السنين قائلًا: "ما زلت على العهد"، ثم يُورِّث أبناءه شرف الموقف وشجاعة حمل المسؤولية.

وبين كلمات الشاعر عام 1999 وعبارة الملك عام 2026، يمتد خيطٌ من الوفاء، يصل دمعة الوداع بعهد البقاء. يومها استقبل الأردنيون عبدالله وفي عيونهم دمعة على الحسين؛ واليوم يستحضر عبدالله أباه، ويمدّ عهده إلى ابنه الحسين. ثلاثة أجيال، ووطن واحد.

وليس الوجع أن يغيب الأحبة وحدهم، بل أن تأتي لحظات نحتاج فيها إلى أصواتهم فلا نجد إلا أثرهم فينا.

وكأن الأردن، بين العبارتين، يروي حكاية وفاءٍ لا تنتهي؛ يمضي الآباء وتبقى وصاياهم، ويكبر الأبناء وتبقى عهودهم، وتتوارث الأجيال ما هو أبقى من الأسماء والمناصب: شرف الموقف وصدق الانتماء.

وحين نستعيد نداء الأردنيين عام 1999: "هلا يا عين أبونا"، ونسمع الملك بعد سبعة وعشرين عامًا يقول: "كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي"، ندرك أن أسمى الوفاء للأب ألا تبقى ذكراه حنينًا في القلب، بل أن تغدو مبادئه نهجًا يُصان، ومواقفه إرثًا تتوارثه الأجيال، وأمانته عهدًا لا ينقطع.

رحم الله الحسين بن طلال، وأطال الله عمر جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام عليه الصحة والعافية، وحفظ سمو ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليبقى الأردن عزيزًا بأهله، راسخًا بمبادئه، موصولًا بذاكرته وأمله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/04 الساعة 15:19