المتثائب الاردني وفوز الديمقراطيين في الكابيتول هيل

نضال الثبيتات العمرو
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/04 الساعة 13:48
الرقم الذي يُقلق صانعي القرار في عمّان ليس عدد المقاعد التي انقلبت في الكونغرس ليلة الثلاثاء، بل ذلك السطر الهادئ المختبئ في البند 224 من مشروع قانون المخصصات الخارجية، حيث تتحوّل المساعدات الأمريكية من شيك مفتوح إلى عقد مشروط بسطور صغيرة لا يقرأها أحد في التلفزيونات العربية؛ فعندما يستيقظ الأردني العادي على خبر فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس، يتثاءب ويقلب الصفحة، وهذا حقه؛ فالعلاقة بين كرسي رئيس مجلس النواب الأمريكي ورغيف الخبز في مخبز بقرى العمرو شمال الكرك تبدو خيطاً رفيعاً يكاد ينقطع لكنه لا ينقطع أبداً.



نعم الأردن يتلقى من واشنطن ما يزيد على مليار ونصف المليار دولار سنويا، وهذا ليس سراً ولا خبراً؛ لكنه الرقم الذي تُمسك به واشنطن كحبل يتدلى من سقف غرفة العمليات الأردنية، وفي كل انتخابات نصفية يتغير الشخص الذي يمسك بالطرف الآخر من الحبل، عندما كان الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس والبيت الأبيض معاً، كانت اللعبة بسيطة إلى حد ممل؛ الأردن يحارب الإرهاب، يحرس حدوده، يستضيف اللاجئين، وفي المقابل ترفض الاردن أي سياسات او خطط امريكية او اقليمية تجاه تصفية القضية الفلسطينية على حسابها، ورغم ذلك كانت تتدفق الدولارات بسلاسة بيروقراطية هادئة؛ فالجميع يحتاجون الاردن في المنطقة والعالم.



لكن الديمقراطيين عندما يدخلون الكونغرس بقوة، يجلبون معهم ثقافة مختلفة تماماً؛ لجان العلاقات الخارجية والمخصصات تتحول فجأة إلى مسارح استجواب؛ نواب من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي — وهم اليوم أكثر عدداً وجرأة من أي وقت مضى — لا يرون الأردن حليفاً استراتيجياً فحسب، بل يرونه أيضاً ملفاً حقوقياً يجب فتحه، سيبدأون بطرح أسئلة لم يكن أحد يجرؤ على طرحها قبل عامين؛ لماذا يُعتقل ناشطون يغردون ضد النظام والجيش والوحدة الوطنية الاردنية؟ لماذا تتعاملون مع مراكز وجمعيات سيداو لديكم بتحفظ؟ هل شروط اتفاقية التجارة الحرة تُحترم فعلاً على أرض الواقع أم أنها حبر على ورق – لتمرير سياساتهم الخاصة - ؟، وقطعا لا يخلو الأمر من محاولات تمرير فكرة من هنا أو هناك حول القضية الفلسطينية.



وهنا تكمن المفارقة القاسية التي يعيشها الدبلوماسي الأردني في واشنطن؛ فهو لم يعد يتعامل مع كتلة واحدة متماسكة في الجانب الأمريكي، بل مع كيانين يتصارعان بشراسة؛ البيت الأبيض الذي يريد من الأردن أن يبقى جندياً مطيعاً في الحلف الإقليمي، والكونغرس الديمقراطي الذي يريد أن يتحول الأردن إلى نموذج إصلاحي يُعرض في تقارير وزارة الخارجية، و بين هاتين المطرقة والسندان، يجد الأردن نفسه مضطراً لتقديم تنازلات محدودة – لا تمس في مسلماته السيادية - في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه.



لكن المشهد الأكثر دراماتيكية سيظهر في ملف القدس والوصاية الهاشمية؛ الديمقراطيون في الكونغرس، ورغم ولائهم التقليدي لإسرائيل، ينقسمون اليوم انقساماً حاداً حول سياسات اليمين الإسرائيلي؛ الجناح التقدمي يدفع بقوة نحو حل الدولتين ووقف الاستيطان، وهذا يبدو للوهلة الأولى خبراً ساراً للأردن، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير؛ عندما يضغط الكونغرس الديمقراطي على إسرائيل، فإنه يدفعها نحو مزيد من التطرف الداخلي - وتابعنا ذلك خلال حرب الإبادة في غزة ، وحالياً في القدس والضفة الغربية، مما يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة؛ والأردن بوصفه حارس البوابة الغربية للمسجد الأقصى، سيجد نفسه في عين العاصفة مرة أخرى، مطالباً من واشنطن بأن يفعل أكثر مما يستطيع، ومطالباً من الشارع الأردني بأن يقول أكثر مما يسمح به التوازن الدقيق لعلاقاته الدولية.



أما ملف اللاجئين — وهو الجرح المفتوح الذي ينزف منذ أكثر من عقد — فسيشهد تحولاً مثيراً للاهتمام؛ الديمقراطيون يميلون إلى زيادة التمويل الإنساني للاجئين السوريين والفلسطينيين، وهذا خبر جيد لوكالة الأونروا و لخزينة الدولة الأردنية المثقلة بالأعباء – رغم قرار الإدارة الديمقراطية للبيت الأبيض إبان ادارة جون بايدن عام 2024 بتجميد تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ، وتحول فيما بعد إلى وقف نهائي بسبب موقف الكونجرس في ذلك الوقت.



على المستوى العسكري، وهو الشريان الأعمق في العلاقة الأردنية الأمريكية، لن يتغير شيء جذري؛ الضباط الأردنيون سيستمرون في التدريب مع نظرائهم الأمريكيين، وهذا الجزء من العلاقة محصن تقريباً ضد التقلبات الحزبية لأن البنتاغون لا ينتظر نتائج الانتخابات النصفية ليقرر من هو حليفه في أخطر حي في العالم؛ لكن حتى في هذا المجال المحصن، ستبدأ لجان الكونغرس الديمقراطي بطرح أسئلة غير مريحة عن مبيعات الأسلحة وعن التوازن العسكري الإقليمي وعن الدور الأردني في أي ترتيبات أمنية مستقبلية قد تُفرض على المنطقة من فوق رؤوس أهلها.



ما يجب أن يقلق الأردني العادي ليس من يسيطر على الكونغرس، بل أن بلاده أصبحت رهينة لدورة انتخابية لا يملك أي تأثير عليها؛ كل عامين يُعاد فتح ملف الأردن في واشنطن، ويُعاد تقييمه، ويُعاد تسعيره، وفي كل مرة يزداد الثمن المطلوب، وتضيق المساحة المتاحة للمناورة؛ الأمر الذي يدفعني للسؤال؛ متى سيتم تفعيل توجيهات الملك عبدالله الثاني بالاعتماد على الذات فعلياً، وليس مجرد إعادة نشرها اعلامياً من خلال شعبويات حكومية هنا او هناك ولا شيء يقدم على الارض؟؟



على كليّة حال، ليلة الثلاثاء في واشنطن كانت مجرد فصل آخر في هذه القصة الطويلة؛ الأضواء انطفأت في الكونغرس، والصحفيون عادوا إلى بيوتهم، والنواب الجدد بدأوا يتحسسون طريقهم إلى مكاتبهم؛ لكن في عمّان، في تلك الغرف المغلقة حيث تُتخذ القرارات الحقيقية، بدأ العمل للتو، لأن الرقم في البند 224 لن يكتب نفسه، والشروط الصغيرة المطبوعة بخط دقيق لن تختفي من تلقاء ذاتها، والأردن، كعادته، سيبتسم في الصور الرسمية، ويوقّع الاتفاقيات بابتسامة دبلوماسية متقنة، ثم يعود دافع الضرائب ليحسب في الليل كم كلفه هذا الابتسام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/04 الساعة 13:48