الخلايا النائمة في الأردن.. التهديد والتحول التنظيمي

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 22:33
لا أعتقد أن الخطر الإرهابي في الأردن يمكن قياسه فقط بعدد العمليات التي أُحبطت أو بعدد المتطرفين الذين أُلقي القبض عليهم. فهذه الأرقام تكشف جانباً من النشاط الذي أصبح معروفاً للأجهزة الأمنية، لكنها لا تكشف بالضرورة حجم النشاط الذي لم يُكتشف ولا طبيعة التحولات التي حدثت على البنية البشرية للتطرف. لذلك لا يمكن الجزم بوجود خلايا نائمة محددة أو تقدير أعدادها بغياب بيانات دقيقة. لكن يمكن تحليل الظروف التي تسمح ببقائها أو إعادة تشكيلها.

المسألة الأولى تتعلق بالتغير في طبيعة التنظيم. فالنموذج التقليدي للخلية الإرهابية يقوم على قيادة واتصال وتمويل وتكليف. أما التجارب الحديثة فقد أظهرت إمكانية ظهور مجموعات صغيرة تتبنى أهداف التنظيمات المتطرفة دون أن تكون مرتبطة بها إدارياً. وهذا يفرض تمييزاً أساسياً بين الخلايا الموجهة من الخارج، والشبكات المحلية المستقلة والأفراد الذين يتحركون بدوافع أيديولوجية دون ارتباط تنظيمي. فهذه ليست تسميات مختلفة للخطر نفسه وإنما أنماط تهديد تتفاوت في قدرتها على الاستمرار والتنسيق وإعادة التشكل.

المسألة الثانية هي الإرث البشري للتنظيمات التي نشطت في سوريا والعراق. فخسارة داعش لسيطرته الإقليمية لم تُنهِ تلقائياً الروابط التي نشأت بين أتباعه ومؤيديه. بعض هذه الروابط قد يكون انقطع نهائياً وبعضها قد يستمر على المستوى الاجتماعي أو الفكري دون نشاط إجرامي. لذلكزفإن أهمية هذا التمييز هي أن العلاقة السابقة بتنظيم متطرف لا تثبت وجود نشاط حالي لكنها قد تستدعي تقييماً فردياً قائماً على الأدلة عند ظهور مؤشرات جديدة.

المسألة الثالثة تتصل بالفارق بين التطرف والجاهزية للعنف. فقد يحمل شخص أفكاراً تكفيرية لسنوات دون أن ينتقل إلى الفعل بينما يتطور استعداد شخص آخر للعنف خلال فترة أقصر. لذلك فإن قياس الخطر على أساس الخطاب المتشدد وحده ينتج تقديرات مضللة. الأكثر دلالة هو ظهور سلوكيات مرتبطة بتهديد محدد مثل التهديد الجدي أو محاولة الحصول على وسائل لتنفيذ اعتداء أو الانخراط في ترتيبات إجرامية مثبتة. أما التدين أو الغضب السياسي أو التعبير السلمي عن المواقف فلا تشكل بذاتها مؤشرات على خطر الإرهاب.

المسألة الرابعة هي العلاقة بين الإرهاب والاستقطاب المجتمعي. فالاعتداء على موقع ديني في الأردن لا يمثل جريمة قتل فقط بل قد يحمل أثراً سياسياً واجتماعياً يتجاوز الواقعة نفسها. وهذا لا يثبت أن كل اعتداء من هذا النوع جزء من مخطط منظم لإثارة الفتنة لكنه يجعل دراسة دوافع اختيار الضحايا والأهداف أمراً ضرورياً. فالتأثير المجتمعي قد يكون مقصوداً من الجناة وقد يكون نتيجة تستغلها لاحقاً جهات متطرفة أخرى.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بعد جريمة كنيسة حمود في الكرك. فالمطلوب من الدولة الأردنية تحليل ما تثبته التحقيقات بشأن مسارات التطرف السابقة للجريمة والعلاقات بين المنفذين الارهابيين وأي عوامل ساعدت على الانتقال إلى العنف. كما ينبغي مقارنة النتائج بما كشفته قضايا إرهابية سابقة دون افتراض وجود ارتباطات تنظيمية لم تثبتها الأدلة.

المسألة الخامسة تتعلق بكيفية تقييم الأداء الوقائي. فارتفاع عدد القضايا المكتشفة قد يعكس زيادة النشاط الإرهابي وقد يعكس تحسناً في قدرة الأجهزة على الكشف عنه. وانخفاضها قد يعني تراجع التهديد أو تغير طبيعته أو صعوبة رصده. لذلك لا يصح استخدام عدد القضايا وحده مؤشراً للحكم على الاتجاه العام. التقييم الأكثر دقة يتطلب الجمع بين طبيعة المخططات ومستوى تطورها ودرجة ارتباط المتورطين بشبكات أوسع ونتائج التدخلات الوقائية.

لذلك ومن وجهة نظري فإن الأولوية العملية للأردن تتمثل في بناء مراجعة مؤسسية مستمرة للقضايا المكتشفة تميّز بين أنماط التهديد وتحدد أوجه القصور التي تكشفها الوقائع المثبتة وتتابع فعالية برامج إعادة التأهيل ومنع العودة إلى العنف. ويجب أن تترافق هذه المراجعة مع رقابة قانونية واضحة تضمن أن تكون التدخلات متناسبة مع الخطر الفعلي.

النتيجة الأساسية أن الخلايا النائمة لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة لمجرد احتمال وجودها ولا استبعادها بسبب غياب عمليات معلنة. فالخطورة الأمنية الحقيقية اليوم هي الفجوة بين ما معرفه التهديد الحقيقي وما تستطيع الدولة والأجهزة المعنية إثباته بشأن تطوره.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 22:33