هيبةُ الدولة تبدأ من كرامة الإنسان

أ.د. نورس شطناوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 09:37
القانون لا يعرف اسما، ولا منصبا، ولا نفوذا. بهذه العبارة، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني كل صاحب مسؤولية أمام ميزان واحد. عبارة قصيرة، لكن المسافة التي تقطعها طويلة: من مقعد المسؤول إلى باب المواطن، ومن سلطة المنصب إلى واجب الخدمة. هنا تتجلى هيبة القيادة؛ حين تجعل قوة الدولة ضمانةً للناس، وتجعل المسؤولية أكبر من أصحابها.

في خطاب العرش، لدى افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، الاثنين الثاني من تشرين الثاني 2026، قدّم الملك رؤية تتصل مباشرة بحياة الإنسان: أمنه، وكرامته، وماؤه، وفرص أبنائه. وأقرأ قوة الخطاب في هذا الترابط؛ فالدولة التي تحمي حدودها تحتاج مؤسسات تحمي الحقوق، والتنمية التي تُعلن على المنابر ينبغي أن تجد طريقها إلى البيوت.

بدأ جلالته من جرح الكرك، مؤكداً مواجهة الإرهاب، ومستذكراً الشهداء، ومقدّراً تضحيات الجيش والأجهزة الأمنية، مع تجديد ثقته بوعي المواطنين وتماسكهم. وفي تقديم هذا الجرح على بقية الملفات معنى إنساني عميق: أن تبقى حياة الناس في مقدمة مسؤوليات الدولة، وأن يعرف أهل الفقد أن مصابهم حاضر في أعلى مستويات القرار. فالوفاء للشهداء مسؤولية تستمر في حماية الأحياء وصون أمنهم.

وهنا تظهر صفة القائد الذي يجمع الحزم والبصيرة. يواجه الخطر، ويدرك أن تماسك المجتمع جزء من مواجهته. فالإرهاب يستهدف الثقة بين الناس بقدر ما يستهدف أرواحهم، ويطمح إلى تحويل الحزن إلى انقسام. والقيادة الواعية تحمي المجتمع من الجريمة ومن آثارها التي يريد مرتكبوها أن تبقى بعدهم.

وفي القضية الفلسطينية، جدّد الملك ثبات النهج الهاشمي والعربي، وربط استقرار المنطقة بحق الفلسطينيين في أرضهم، محذراً من استمرار المأساة في غزة والاعتداءات في الضفة والقدس والأطماع التوسعية الإسرائيلية. تلك قوة الموقف حين تسنده ذاكرة ومسؤولية؛ فمرور الوقت لا يحوّل الظلم إلى حق، ولا يمنح الأمر الواقع عدالة يفتقدها. والسلام الذي يستحق اسمه يحتاج أساساً يستطيع الناس الوثوق به.

ثم اتجه الخطاب إلى مجلس الأمة، محدداً مسؤوليته في الرقابة وحماية المصلحة العامة، ومؤكداً قيمة الاختلاف المسؤول وأهمية السلوك البرلماني. وهذه رسالة تستحق أن تُقرأ خارج القبة أيضاً. الناس تراقب طريقة إدارة الخلاف، ودقة السؤال، وجدية المتابعة. والنائب الذي يلاحق مشكلة حتى تُحل يمنح العمل السياسي قيمة يلمسها المواطن؛ أما السؤال الذي ينتهي بانتهاء التصوير، فيترك المشكلة مكانها.

وفي التنمية، دعا جلالته إلى تسريع المشاريع الكبرى وربط التحديث بتحسن المعيشة والتعليم والعلاج والفرص. هنا يصبح القياس واضحاً: ماذا تغير في حياة الناس؟ كم اقتربت الخدمة؟ وكم فرصة أصبحت ممكنة؟ فالمشروع يكتسب معناه عندما يعمل، والخطة تكتسب صدقيتها عندما تُنفّذ. وكل تأخير له كلفة لا تظهر كاملة في التقارير؛ يدفعها من ينتظر وظيفة، أو خدمة، أو فرصة لبداية أفضل.

وعندما قال الملك: المياه، المياه، المياه! ، وأكد أولوية الأمن المائي والتخطيط الاستباقي، وضع ملفاً وجودياً في صدارة العمل الحكومي. ثلاث كلمات تحمل استعجالاً مفهوماً. فالماء يدخل في كل تفاصيل الحياة: البيت، والمزرعة، والمصنع، وصحة الإنسان. وحمايته تحتاج إلى إنجاز المشاريع، وصيانة الشبكات، وحسن الإدارة؛ لأن حقوق الأجيال المقبلة تبدأ بالقرارات التي تُتخذ اليوم.

وعاد الخطاب إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع: رفض إساءة استخدام الوظيفة العامة، والتأكيد على حق التعبير وأدب الاختلاف. وفي الجمع بينهما معنى مهم؛ فالمؤسسة القوية تتحمل السؤال، والمسؤول الواثق يجيب، والمواطن صاحب الحق ينبغي أن يجد طريقاً واضحاً إلى حقه. كل معاملة تُنجز بعدالة تضيف إلى الثقة، وكل استثناء غير مستحق يقتطع منها.

هذه، في تقديري، أبرز ملامح القيادة في خطاب عبدالله الثاني: شجاعة مواجهة الخطر، وثبات المبدأ، ودقة ترتيب الأولويات، والقدرة على وصل شؤون الدولة الكبرى بتفاصيل الحياة اليومية. فالهيبة تتجسد حين يشعر الإنسان بالأمان، ويصل إلى الخدمة بكرامة، ويطمئن إلى أن القانون يحميه مهما كان اسم من يقف في الجهة الأخرى.

وقد وضع الملك أمام المؤسسات مسؤوليات واضحة. ويبقى الامتحان في التنفيذ: تحت القبة، وداخل الوزارة، وعند شباك الخدمة. فأصدق استجابة لخطاب العرش أن يجد المواطن أثره حين يغادر منزله في صباح اليوم التالي؛ في عدالةٍ تنصفه، وخدمةٍ تحترمه، ومسؤولٍ يعرف لماذا يجلس في مكانه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 09:37