متقاعدو الضمان الاجتماعي خارج المعادلة؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/02 الساعة 15:00
ليس الاعتراض هنا على زيادة الثلاثين ديناراً، وليس موضع الخلاف أن يحصل الموظف أو المتقاعد المدني والعسكري على زيادة تساعده في مواجهة أعباء الحياة، فكل مواطن يستحق أن تمتد إليه يد الإنصاف، وكل خطوة تخفف من وطأة الظروف الاقتصادية تستحق التقدير.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد الإعلان عن الزيادة الإضافية الشهرية للفئات التي تقل رواتبها عن 600 دينار، هو: أين يقف متقاعدو الضمان الاجتماعي من هذه المعادلة؟ ولماذا غابوا عن قائمة المشمولين؟
البلاغ الحكومي رقم (17) لسنة 2026، المتعلق بإعداد موازنة عام 2027، نصّ على زيادة شهرية إضافية بقيمة 30 ديناراً لموظفي القطاع العام وأفراد الجهاز العسكري والمتقاعدين المدنيين والعسكريين ممن تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، لكنه لم يذكر متقاعدي الضمان الاجتماعي ضمن الفئات المشمولة.
وهنا لا نتحدث عن تفصيل إداري عابر، بل عن شريحة واسعة من المواطنين الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل، واقتُطعت من دخولهم اشتراكات شهرية، على أساس أن الضمان الاجتماعي مظلة أمان تحفظ لهم حياة كريمة عندما ينهون سنوات الخدمة.
هؤلاء لم يحصلوا على رواتبهم التقاعدية منحة أو مكرمة، ولم يقفوا يوماً على أبواب أحد طلباً لها. إنها حقوق تراكمت عبر سنوات من العمل والاشتراك والالتزام، وهي أموال دفعوها من أجورهم، وشارك أصحاب العمل في تمويلها، وأصبحت جزءاً من منظومة تأمينية يفترض أن توفر لهم الحماية والاستقرار، الذي هو واجب على الدولة.
ومن هنا، فإن المقارنة ليست بين متقاعد وآخر، ولا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة بين العاملين في مؤسسات الدولة والعاملين في القطاع الخاص. فجميعهم أبناء هذا الوطن، وجميعهم ساهموا في بنائه، ولا يجوز أن تصبح طبيعة الجهة التي عمل فيها الإنسان سبباً في اختلاف النظر إلى احتياجاته المعيشية.
قد يُقال إن متقاعدي الضمان الاجتماعي يخضعون لقانون مستقل، وإن لهم آلية خاصة في احتساب الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم. وهذا صحيح من الناحية القانونية والتنظيمية، لكنه لا ينهي النقاش ولا يجيب عن السؤال الأهم: هل تكفي هذه الزيادة، مهما بلغت، لمواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة؟
وهل الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم تعادل بالضرورة إجراءً استثنائياً يستهدف مساعدة أصحاب الدخول المحدودة؟
هناك فرق بين تطبيق معادلة الزيادة السنوية وبين اتخاذ قرار اجتماعي استثنائي يراعي ظروف المتقاعدين الذين لا تتجاوز رواتبهم حدوداً بالكاد تكفي متطلبات الحياة. فالأسعار لا تميز بين متقاعد وآخر، والإيجارات وفواتير الكهرباء والمياه والدواء والغذاء لا تسأل المواطن إن كان راتبه التقاعدي صادراً عن صندوق تقاعد مدني أم عن مؤسسة الضمان الاجتماعي.
والأكثر إيلاماً أن بعض هؤلاء المتقاعدين أنهوا سنوات خدمتهم وهم يعتقدون أن التقاعد سيكون بداية مرحلة من الاستقرار، فإذا بهم يواجهون واقعاً مختلفاً، تتآكل فيه القدرة الشرائية، وتتسع فيه الفجوة بين الدخل والاحتياجات، فيما لا يملكون في كثير من الأحيان فرصة حقيقية لتعويض ما فقدوه من دخل.
لا ينبغي أن تتوقف العدالة الاجتماعية عند حدود التصنيف المؤسسي، ولا أن تُقاس فقط بمن شملهم القرار ومن لم يشملهم، بل بقدرة السياسات العامة على الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة، أينما كانت مواقعها الوظيفية السابقة.
لسنا أمام مطالبة بامتياز إضافي، ولا دعوة لانتقاص حق أي فئة أخرى، بل أمام سؤال مشروع يحتاج إجابة حكومية واضحة: ما الذي يمنع دراسة شمول متقاعدي الضمان الاجتماعي بزيادة استثنائية مماثلة، أو بإجراء مالي عادل يراعي أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية، ويخفف عنهم أعباء المعيشة؟
إن توجيهات جلالة الملك المتعلقة بتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتعزيز الحماية الاجتماعية يجب أن تنعكس على السياسات والقرارات بما يضمن ألا تبقى فئة خارج دائرة الاهتمام لمجرد اختلاف مظلتها التقاعدية.
متقاعدو الضمان لا يطلبون إحساناً، ولا ينتظرون أن يُنظر إليهم من باب الشفقة. إنهم يطالبون بالإنصاف، وبأن تكون سنوات العمل والاشتراك والتعب التي قدموها للوطن حاضرة في حسابات من يضعون السياسات والقرارات.
فليس من العدالة أن نحتفي بتحسين دخل فئة من المتقاعدين، ثم نترك فئة أخرى تواجه الغلاء ذاته بإمكانات أقل، وكأن معاناتها أقل استحقاقاً للاهتمام.
فالكرامة في التقاعد ليست امتيازاً تمنحه جهة وتحجبه أخرى، بل هي جوهر الحماية الاجتماعية التي وُجدت هذه الأنظمة من أجلها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد الإعلان عن الزيادة الإضافية الشهرية للفئات التي تقل رواتبها عن 600 دينار، هو: أين يقف متقاعدو الضمان الاجتماعي من هذه المعادلة؟ ولماذا غابوا عن قائمة المشمولين؟
البلاغ الحكومي رقم (17) لسنة 2026، المتعلق بإعداد موازنة عام 2027، نصّ على زيادة شهرية إضافية بقيمة 30 ديناراً لموظفي القطاع العام وأفراد الجهاز العسكري والمتقاعدين المدنيين والعسكريين ممن تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، لكنه لم يذكر متقاعدي الضمان الاجتماعي ضمن الفئات المشمولة.
وهنا لا نتحدث عن تفصيل إداري عابر، بل عن شريحة واسعة من المواطنين الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل، واقتُطعت من دخولهم اشتراكات شهرية، على أساس أن الضمان الاجتماعي مظلة أمان تحفظ لهم حياة كريمة عندما ينهون سنوات الخدمة.
هؤلاء لم يحصلوا على رواتبهم التقاعدية منحة أو مكرمة، ولم يقفوا يوماً على أبواب أحد طلباً لها. إنها حقوق تراكمت عبر سنوات من العمل والاشتراك والالتزام، وهي أموال دفعوها من أجورهم، وشارك أصحاب العمل في تمويلها، وأصبحت جزءاً من منظومة تأمينية يفترض أن توفر لهم الحماية والاستقرار، الذي هو واجب على الدولة.
ومن هنا، فإن المقارنة ليست بين متقاعد وآخر، ولا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة بين العاملين في مؤسسات الدولة والعاملين في القطاع الخاص. فجميعهم أبناء هذا الوطن، وجميعهم ساهموا في بنائه، ولا يجوز أن تصبح طبيعة الجهة التي عمل فيها الإنسان سبباً في اختلاف النظر إلى احتياجاته المعيشية.
قد يُقال إن متقاعدي الضمان الاجتماعي يخضعون لقانون مستقل، وإن لهم آلية خاصة في احتساب الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم. وهذا صحيح من الناحية القانونية والتنظيمية، لكنه لا ينهي النقاش ولا يجيب عن السؤال الأهم: هل تكفي هذه الزيادة، مهما بلغت، لمواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة؟
وهل الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم تعادل بالضرورة إجراءً استثنائياً يستهدف مساعدة أصحاب الدخول المحدودة؟
هناك فرق بين تطبيق معادلة الزيادة السنوية وبين اتخاذ قرار اجتماعي استثنائي يراعي ظروف المتقاعدين الذين لا تتجاوز رواتبهم حدوداً بالكاد تكفي متطلبات الحياة. فالأسعار لا تميز بين متقاعد وآخر، والإيجارات وفواتير الكهرباء والمياه والدواء والغذاء لا تسأل المواطن إن كان راتبه التقاعدي صادراً عن صندوق تقاعد مدني أم عن مؤسسة الضمان الاجتماعي.
والأكثر إيلاماً أن بعض هؤلاء المتقاعدين أنهوا سنوات خدمتهم وهم يعتقدون أن التقاعد سيكون بداية مرحلة من الاستقرار، فإذا بهم يواجهون واقعاً مختلفاً، تتآكل فيه القدرة الشرائية، وتتسع فيه الفجوة بين الدخل والاحتياجات، فيما لا يملكون في كثير من الأحيان فرصة حقيقية لتعويض ما فقدوه من دخل.
لا ينبغي أن تتوقف العدالة الاجتماعية عند حدود التصنيف المؤسسي، ولا أن تُقاس فقط بمن شملهم القرار ومن لم يشملهم، بل بقدرة السياسات العامة على الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة، أينما كانت مواقعها الوظيفية السابقة.
لسنا أمام مطالبة بامتياز إضافي، ولا دعوة لانتقاص حق أي فئة أخرى، بل أمام سؤال مشروع يحتاج إجابة حكومية واضحة: ما الذي يمنع دراسة شمول متقاعدي الضمان الاجتماعي بزيادة استثنائية مماثلة، أو بإجراء مالي عادل يراعي أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية، ويخفف عنهم أعباء المعيشة؟
إن توجيهات جلالة الملك المتعلقة بتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتعزيز الحماية الاجتماعية يجب أن تنعكس على السياسات والقرارات بما يضمن ألا تبقى فئة خارج دائرة الاهتمام لمجرد اختلاف مظلتها التقاعدية.
متقاعدو الضمان لا يطلبون إحساناً، ولا ينتظرون أن يُنظر إليهم من باب الشفقة. إنهم يطالبون بالإنصاف، وبأن تكون سنوات العمل والاشتراك والتعب التي قدموها للوطن حاضرة في حسابات من يضعون السياسات والقرارات.
فليس من العدالة أن نحتفي بتحسين دخل فئة من المتقاعدين، ثم نترك فئة أخرى تواجه الغلاء ذاته بإمكانات أقل، وكأن معاناتها أقل استحقاقاً للاهتمام.
فالكرامة في التقاعد ليست امتيازاً تمنحه جهة وتحجبه أخرى، بل هي جوهر الحماية الاجتماعية التي وُجدت هذه الأنظمة من أجلها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/02 الساعة 15:00