سقف الدولة وميزان الرأي العام الأردني

نضال الثبيتات العمرو
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/02 الساعة 14:45
حين يرتفع السقف العالي للخطاب الملكي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة، لا يقرأ السياسيون الكلمات بوصفها شعارات بروتوكولية، بل بوصفها إحداثيات معركة تُخاض على جبهتين لا ترحمان؛ جبهة إقليمية تشتعل على الحدود وتستهدف الوجود والهوية، وجبهة داخلية تئن تحت وطأة البيروقراطية المتعفنة وشح الموارد؛ إن الخطاب الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية ليس مجرد توصيف للحال، بل هو إعلان صريح بأن الدولة الأردنية تقف على مفترق طرق حاسم لا مكان فيه للرمادية.



في المشهد الأمني والقومي، كان الخطاب قاطعاً كالسيف؛ الإشارة إلى شهداء الكرك ورفض الإرهابيين (الخوارج) ليست مجرد استذكار، بل هي رسالة ردع استباقية لكل من يوسوس له ظنه بأن الاضطرابات الإقليمية قد تكون ثغرة في جدار المنعة الأردنية؛ فهذا الحزم الأمني ينسحب ذاته على الموقف القومي من القضية الفلسطينية؛ فرفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية وفضح الكارثة الإنسانية في غزة والضفة والقدس ينطلقان من عقيدة راسخة بأن الأمن الوطني الأردني وتصفية القضية الفلسطينية خطان لا يلتقيان؛ الملك هنا يصارع الإقليم بالنيابة عن التاريخ، مؤكداً أن الأردني لم ولن يتراجع عن مبدئه، وأن أوهام الطغيان وزمن المحو لا تقوى على زحزحة الموقف الثابت فالملك يعلن بوضوح أن التاريخ أعمق من كل محاولات التزوير، وأن وعي الإنسان الأردني والعربي أصلب من أن يُهزم بسياسات المحو والنسيان القصري.



لكن نقطة الاشتباك الأعمق، والتي تمثل العقدة الحقيقية التي ناقشتها قاعاتنا بصوت عالٍ، تكمن في المسافة الفاصلة بين بلاغة الخطاب ومرارة الواقع المعاش؛ فالخطاب لم يوزع الوعود، بل وضع الإصبع على الوجع حين اعتبر أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه، وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام الحكومة ومجلس الأمة؛ فالناس لا تقرأ القوانين فحسب، بل تقرأ سلوك الخطاب وأثره في المعيشة، والصحة، والتعليم.



الصرخة الملكية الواضحة في ملف المياه (المياه، المياه، المياه!) تعكس هلعاً مشروعاً على أمن الأجيال القادمة، وتؤكد أن ظمأ المواطن خط أحمر لا يقبل المساومة أو المهادنة، وإلى جانب قطاع المياه، جاء إعلان الحرب على إسقاطات الوظيفة العامة والمحسوبية ليضرب في عمق الخلل الإداري؛ فالمنصب ليس تشريفا يرفّع صاحبه عن خدمة الناس، والقانون لا يعرف اسماً ولا نفوذاً حين تتعلق هيبة الدولة وسيادتها بكرامة المواطن وحقوقه.



إن مقياس النجاح اليوم لم يعد قياساً نظرياً؛ فالشارع الأردني بوعيه وحكمته التي طالما راهن عليها الملك في أشد المحن، يترقب التحول الفعلي من رفعة النصوص إلى صلابة التنفيذ؛ فالجبهة الداخلية لا تمنعها الخطب الحماسية وحدها، بل العدالة الناجزة، وفرص العمل الحقيقية، والتنمية التي يلمس أثرها الإنسان في تفاصيل يومه؛ الأردن الذي كان دائماً عصياً على كل عاصفة، يملك من رصيد الوعي والرجال ما يجعله قادراً على العبور، شريطة أن تدرك أدوات التنفيذ أن لغة التهاون قد انتهت بلا رجعة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/02 الساعة 14:45