الأردن وسوريا: أمن الحدود ومسؤولية الجوار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 23:53
ليست العلاقة الأردنية السورية مجرد جوار جغرافي؛ إنها امتداد إنساني واقتصادي واجتماعي. وقد تجسدت هذه الروابط في استضافة الأردن تاريخيًا لنحو 1.3 مليون سوري بين مقيم ولاجئ، مقدمة لهم الخدمات الصحية والتعليمية رغم محدودية الموارد وشح الدعم الدولي. وامتدت هذه المساندة إلى إرسال فرق الدفاع المدني الأردني للمساهمة في إطفاء الحرائق الكبرى، وتسيير قوافل إغاثية تجاوزت 186 شاحنة لمواجهة تداعيات الزلزال المدمر. إن استقرار سورية يمثل مصلحة أردنية إستراتيجية، مثلما يشكل الأردن سندًا لتعافيها. ومن هنا، يحتاج الأردن إلى دولة سورية قادرة على ضبط حدودها، وتحتاج سورية إلى شراكة أردنية فاعلة تدعم مسار التعافي وإعادة البناء والانفتاح العربي، بما يحول التضامن الإنساني إلى تعاون إستراتيجي مستدام يعزز الأمن والسلام.
لقد تحمل الأردن، خلال سنوات الأزمة السورية، أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة، وفتح مجتمعه أبواب الاستضافة والتكافل رغم محدودية الموارد وضغوط الخدمات وفرص العمل. ولم تكن هذه الاستجابة مجرد تدبير مؤقت لأزمة لجوء؛ بل عبرت عن إدراك عميق بأن الشعب السوري جزء من النسيج الإنساني للمنطقة، وأن التخلي عنه في لحظة محنته يناقض مسؤولية الجوار. غير أن التضامن، مهما اتسعت مساحته، لا يلغي حق الدولة في حماية مواطنيها، ولا يحول حدودها إلى مساحة مفتوحة لاستنزاف أمنها واستقرارها.
وتكمن خطورة الجنوب السوري في أن هشاشة السيطرة المؤسّسية قد تتيح تداخلًا بين جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومصالح محلية واقتصادات غير مشروعة. وهذه الأطراف لا تحتاج بالضرورة إلى عقيدة واحدة أو قيادة موحدة كي تتبادل المنافع؛ فقد يجمعها التمويل أو السلاح أو طرق العبور. لذلك، فإن الفصل الصارم بين الإرهاب والجريمة المنظمة قد يحجب طبيعة الخطر، عندما تتحول عوائد التهريب إلى مصدر تمويل للعنف، أو تصبح شبكات النقل والإخفاء بنية تستخدمها جماعات متعددة لأهداف مختلفة.
ومن الضروري أيضًا التمييز بين عجز السلطات السورية عن ضبط بعض المناطق وبين غياب الإرادة السياسية لديها. فالأول يستدعي دعمًا مؤسّسيًا وتعاونًا استخباريًا وبناء قدرات، بينما يتطلب الثاني معالجة سياسية صريحة وتحديدًا للمسؤوليات. وقد تتداخل الحالتان في مرحلة انتقالية تتعدد فيها مراكز النفوذ وتتفاوت فيها قدرة السلطة على تنفيذ قراراتها. والمثير للقلق والغضب هو أن بعض هذه الجماعات قد تعاونت مع إسرائيل في أنشطة تهدف إلى زعزعة استقرار الأردن.
وفي المقابل، لا يستطيع الأردن تعليق أمنه إلى أجل غير معلوم انتظارًا لاكتمال بناء المؤسّسات لدى جاره. فالدولة مسؤولة أمام مواطنيها عن الوقاية من الخطر، وليس فقط عن إدارة نتائجه بعد وقوعه. ومع ذلك، فإن فعالية أي تحرك أمني لا تُقاس بقوته المباشرة وحدها، بل بقدرته على تقليص التهديد ومنع تجدده، مع حماية المدنيين وتجنب توسيع دائرة التوتر. والضرورة الأمنية لا تعفي القرار من حساب آثاره السياسية والإنسانية؛ بل تجعل هذه الحسابات جزءًا من نجاحه واستدامته.
هنا تبرز أهمية الجمع بين الردع والتعاون ضمن سياسة واحدة متماسكة. فالردع يوضح أن الحدود الأردنية ليست مجالًا لاختبار قدرة الدولة على الاحتمال، والتعاون يفتح الطريق أمام معالجة مصادر الخطر قبل وصولها إلى الحدود. أما الاكتفاء بأحدهما، فيترك فجوة إستراتيجية، القوة وحدها قد تدفع الشبكات إلى تغيير مواقعها وأساليبها، بينما قد يصبح التنسيق غير المصحوب بالتنفيذ مجرد تبادل للرسائل، والمطلوب هو تحويل التفاهم السياسي إلى منظومة عمل تملك أدوات متابعة ومحاسبة واستجابة سريعة.
ويمكن بناء هذه المنظومة عبر قنوات اتصال أمنية دائمة، وتبادل منظم للمعلومات، وآليات واضحة للتحقق من البلاغات ومتابعة الأشخاص والشبكات المشتبه بها. كما ينبغي الاتفاق على إجراءات تمنع سوء الفهم عند وقوع حوادث حدودية، وعلى معايير لتقييم التقدم بعيدًا عن التصريحات العامة. فالثقة بين الدول لا تُبنى بالمجاملات وحدها، وإنما تتراكم عندما تلتزم المؤسّسات بما تتعهد به، وتظهر النتائج في انخفاض المخاطر وتحسن قدرة الطرفين على حماية السكان وضبط المعابر.
ولا تكتمل المعالجة من دون البعد الاقتصادي والاجتماعي. فالمناطق التي تضيق فيها فرص العيش تصبح أكثر عرضة لاستقطاب شبكات التهريب والجماعات المسلحة والجماعات المتطرفة. ومن ثم، فإن تنشيط التجارة المشروعة وتسهيل حركة البضائع وفق ضوابط واضحة، ودعم فرص العمل في المجتمعات الحدودية، يمكن أن يقلص الحوافز التي تغذي اقتصاد الجريمة. وهذه ليست بدائل عن الإجراءات الأمنية، لكنها شروط تساعد على تثبيت نتائجها. فالحدود المستقرة تحتاج إلى سكان يرون مصلحتهم في القانون والتبادل المشروع، لا في استمرار الفوضى.
ويتحمل الخطاب الإعلامي بدوره مسؤولية حماية العلاقة بين الشعبين من التحريض والتعميم. فمواجهة جماعة مسلحة لا تعني الخصومة مع السوريين، وانتقاد قصور أمني لا يستدعي إنكار معاناة سورية أو تعقيدات تعافيها. وبالمثل، فإن احترام السيادة ينبغي أن يقترن بمسؤولية منع استخدام الأراضي للإضرار بالجيران. وأي خلاف حول الإجراءات الأمنية يجب أن يُدار بالوقائع والقنوات المؤسّسية، لا بتحويل مخاوف الناس إلى وقود للتعبئة المتبادلة.
إن المصلحة الإستراتيجية الأردنية هي أن تصبح سورية شريكًا قادرًا على منع التهديد، وأن تتحول الحدود من مصدر قلق إلى مجال للتواصل والتنمية. ولهذا، فإن الرسالة الأجدى إلى دمشق تجمع الصراحة والاستعداد للمساندة، فأمن الأردن أولوية ثابتة، واستقرار سورية مصلحة مشتركة، والتضامن الحقيقي يكتمل حين يتحول إلى مسؤولية متبادلة وإجراءات ملموسة. فالجوار لا تختاره الدول، لكنها تختار كيف تديره؛ إما بتراكم الشكوك والأزمات، وإما ببناء شراكة تحمي الإنسان والحدود والمستقبل.
لقد تحمل الأردن، خلال سنوات الأزمة السورية، أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة، وفتح مجتمعه أبواب الاستضافة والتكافل رغم محدودية الموارد وضغوط الخدمات وفرص العمل. ولم تكن هذه الاستجابة مجرد تدبير مؤقت لأزمة لجوء؛ بل عبرت عن إدراك عميق بأن الشعب السوري جزء من النسيج الإنساني للمنطقة، وأن التخلي عنه في لحظة محنته يناقض مسؤولية الجوار. غير أن التضامن، مهما اتسعت مساحته، لا يلغي حق الدولة في حماية مواطنيها، ولا يحول حدودها إلى مساحة مفتوحة لاستنزاف أمنها واستقرارها.
وتكمن خطورة الجنوب السوري في أن هشاشة السيطرة المؤسّسية قد تتيح تداخلًا بين جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومصالح محلية واقتصادات غير مشروعة. وهذه الأطراف لا تحتاج بالضرورة إلى عقيدة واحدة أو قيادة موحدة كي تتبادل المنافع؛ فقد يجمعها التمويل أو السلاح أو طرق العبور. لذلك، فإن الفصل الصارم بين الإرهاب والجريمة المنظمة قد يحجب طبيعة الخطر، عندما تتحول عوائد التهريب إلى مصدر تمويل للعنف، أو تصبح شبكات النقل والإخفاء بنية تستخدمها جماعات متعددة لأهداف مختلفة.
ومن الضروري أيضًا التمييز بين عجز السلطات السورية عن ضبط بعض المناطق وبين غياب الإرادة السياسية لديها. فالأول يستدعي دعمًا مؤسّسيًا وتعاونًا استخباريًا وبناء قدرات، بينما يتطلب الثاني معالجة سياسية صريحة وتحديدًا للمسؤوليات. وقد تتداخل الحالتان في مرحلة انتقالية تتعدد فيها مراكز النفوذ وتتفاوت فيها قدرة السلطة على تنفيذ قراراتها. والمثير للقلق والغضب هو أن بعض هذه الجماعات قد تعاونت مع إسرائيل في أنشطة تهدف إلى زعزعة استقرار الأردن.
وفي المقابل، لا يستطيع الأردن تعليق أمنه إلى أجل غير معلوم انتظارًا لاكتمال بناء المؤسّسات لدى جاره. فالدولة مسؤولة أمام مواطنيها عن الوقاية من الخطر، وليس فقط عن إدارة نتائجه بعد وقوعه. ومع ذلك، فإن فعالية أي تحرك أمني لا تُقاس بقوته المباشرة وحدها، بل بقدرته على تقليص التهديد ومنع تجدده، مع حماية المدنيين وتجنب توسيع دائرة التوتر. والضرورة الأمنية لا تعفي القرار من حساب آثاره السياسية والإنسانية؛ بل تجعل هذه الحسابات جزءًا من نجاحه واستدامته.
هنا تبرز أهمية الجمع بين الردع والتعاون ضمن سياسة واحدة متماسكة. فالردع يوضح أن الحدود الأردنية ليست مجالًا لاختبار قدرة الدولة على الاحتمال، والتعاون يفتح الطريق أمام معالجة مصادر الخطر قبل وصولها إلى الحدود. أما الاكتفاء بأحدهما، فيترك فجوة إستراتيجية، القوة وحدها قد تدفع الشبكات إلى تغيير مواقعها وأساليبها، بينما قد يصبح التنسيق غير المصحوب بالتنفيذ مجرد تبادل للرسائل، والمطلوب هو تحويل التفاهم السياسي إلى منظومة عمل تملك أدوات متابعة ومحاسبة واستجابة سريعة.
ويمكن بناء هذه المنظومة عبر قنوات اتصال أمنية دائمة، وتبادل منظم للمعلومات، وآليات واضحة للتحقق من البلاغات ومتابعة الأشخاص والشبكات المشتبه بها. كما ينبغي الاتفاق على إجراءات تمنع سوء الفهم عند وقوع حوادث حدودية، وعلى معايير لتقييم التقدم بعيدًا عن التصريحات العامة. فالثقة بين الدول لا تُبنى بالمجاملات وحدها، وإنما تتراكم عندما تلتزم المؤسّسات بما تتعهد به، وتظهر النتائج في انخفاض المخاطر وتحسن قدرة الطرفين على حماية السكان وضبط المعابر.
ولا تكتمل المعالجة من دون البعد الاقتصادي والاجتماعي. فالمناطق التي تضيق فيها فرص العيش تصبح أكثر عرضة لاستقطاب شبكات التهريب والجماعات المسلحة والجماعات المتطرفة. ومن ثم، فإن تنشيط التجارة المشروعة وتسهيل حركة البضائع وفق ضوابط واضحة، ودعم فرص العمل في المجتمعات الحدودية، يمكن أن يقلص الحوافز التي تغذي اقتصاد الجريمة. وهذه ليست بدائل عن الإجراءات الأمنية، لكنها شروط تساعد على تثبيت نتائجها. فالحدود المستقرة تحتاج إلى سكان يرون مصلحتهم في القانون والتبادل المشروع، لا في استمرار الفوضى.
ويتحمل الخطاب الإعلامي بدوره مسؤولية حماية العلاقة بين الشعبين من التحريض والتعميم. فمواجهة جماعة مسلحة لا تعني الخصومة مع السوريين، وانتقاد قصور أمني لا يستدعي إنكار معاناة سورية أو تعقيدات تعافيها. وبالمثل، فإن احترام السيادة ينبغي أن يقترن بمسؤولية منع استخدام الأراضي للإضرار بالجيران. وأي خلاف حول الإجراءات الأمنية يجب أن يُدار بالوقائع والقنوات المؤسّسية، لا بتحويل مخاوف الناس إلى وقود للتعبئة المتبادلة.
إن المصلحة الإستراتيجية الأردنية هي أن تصبح سورية شريكًا قادرًا على منع التهديد، وأن تتحول الحدود من مصدر قلق إلى مجال للتواصل والتنمية. ولهذا، فإن الرسالة الأجدى إلى دمشق تجمع الصراحة والاستعداد للمساندة، فأمن الأردن أولوية ثابتة، واستقرار سورية مصلحة مشتركة، والتضامن الحقيقي يكتمل حين يتحول إلى مسؤولية متبادلة وإجراءات ملموسة. فالجوار لا تختاره الدول، لكنها تختار كيف تديره؛ إما بتراكم الشكوك والأزمات، وإما ببناء شراكة تحمي الإنسان والحدود والمستقبل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 23:53