أنت لا تخاف من المجهول... بل تخاف من أول ضربة فرشاة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 11:20
ثمة لحظة في حياة كل إنسان يقف فيها أمام شيء لم يبدأه بعد، لا لأنه عاجز عن الوصول إليه، ولا لأنه يجهل الطريق إليه، بل لأنه يدرك في قرارة نفسه أن الخطوة الأولى ستغير كل شيء. إنها اللحظة التي يصبح فيها الحلم قريبا بما يكفي ليخيف صاحبه، ويصبح التردد أكثر إغراء من المحاولة. عندها لا يكون السؤال: ماذا لو فشلت؟ بل ماذا لو بدأت واكتشفت أنني لست كما تخيلت نفسي؟
تخيل رساما يقف أمام لوحة بيضاء، يمسك فرشاته ويتأمل المساحة الممتدة أمامه. لا أحد يحاسبه، ولا أحد ينتظر منه إنجازا، ومع ذلك يشعر بثقل اللحظة. فاللوحة لا تطلب منه أن يكون عظيما، لكنها تمنحه فرصة أن يثبت لنفسه ما يستطيع أن يكونه. وفي تلك المساحة البيضاء تختبئ حكايات كثيرة، وألوان لم تولد بعد، وأفكار تنتظر أن تتحول من مجرد احتمال إلى حقيقة.
تلك اللوحة ليست مجرد قطعة قماش، إنها مشروع تؤجله، وكتاب لم تكتب صفحته الأولى، وقرار تعرف أنه ضروري، وحياة جديدة وعدت نفسك أن تبدأها ذات يوم. كثيرا ما نقنع أنفسنا بأننا ننتظر الوقت المناسب، أو الفكرة المكتملة، أو الظروف التي تمنحنا ضمانات النجاح. لكن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها أن بعض التأجيل ليس حكمة، بل خوف يرتدي ثوب الحكمة، وبعض التريث ليس تخطيطا، بل محاولة مهذبة للهروب من مواجهة الذات.
إننا لا نخاف دائما مما لا نعرفه، بل قد نخاف مما سنعرفه عندما نبدأ. فاللوحة البيضاء تمنحنا رفاهية تخيل أنفسنا رسامين عظماء، والمشروع الذي لم نطلقه يظل في أذهاننا مشروعا استثنائيا، والكتاب الذي لم نكتبه يظل قابلا لأن يكون تحفة أدبية. ما دام الشيء لم يدخل عالم الواقع، فإنه لا يتعرض للاختبار، ولا تكشف التجربة حدوده، ولا تضعه النتائج أمام حقيقة قدراتنا.
وهنا تكمن المفارقة الإنسانية العميقة، فنحن أحيانا لا نتعلق بالحلم لأنه تحقق، بل لأنه ما زال احتمالا مفتوحا على كل شيء. نحب الصورة التي رسمناها لأنفسنا في الخيال، ونخشى أن تأتي التجربة بصورة مختلفة. ولذلك نؤجل البداية، لا لأننا لا نملك القدرة على المحاولة، بل لأننا لا نريد أن نخسر الصورة المثالية التي صنعناها عن أنفسنا. وقد عبّر الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجور عن القلق بوصفه دوار الحرية، في إشارة إلى أن تعدد الإمكانات واتساع الخيارات قد يضعان الإنسان أمام قلق الاختيار ومسؤوليته. فالحرية ليست أن تظل قادرا على اختيار كل الطرق، وإنما أن تختار طريقا وتتحمل مسؤولية السير فيه. وما إن تضع أول لون على اللوحة حتى تتخلى عن ألوان أخرى، وما إن تختار طريقا حتى تترك خلفك طرقا لم تسلكها. وهذا ليس نقصا في الحياة، بل طبيعتها التي لا تمنحنا فرصة أن نعيش كل الاحتمالات في وقت واحد.
وفي عالم المشاريع والعمل، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا. فالفكرة التي تبقى حبيسة الذهن لا تصنع نجاحا، مهما بلغت عظمتها في الخيال. والفرصة التي لا نجرؤ على اقتناصها تتحول مع الوقت إلى حكاية نرويها لأنفسنا عن شيء كان من الممكن أن يحدث. أما البداية، مهما كانت متواضعة، فهي التي تضع الفكرة أمام امتحان الواقع، حيث نتعلم ونصحح ونغير اتجاهاتنا ونكتشف أن الطريق لا يشترط أن يكون واضحا بكامله حتى نخطو فيه.
وليس المطلوب أن نبدأ بإتقان، ولا أن نمتلك إجابات عن جميع الأسئلة، فالحياة لا تمنح شهادات ضمان قبل التجربة. كم من فكرة عظيمة بدأت بصورة مرتبكة، وكم من مشروع نضج بعد محاولات لم تكن مثالية، وكم من إنسان اكتشف قدراته الحقيقية بعدما تجرأ على فعل ما كان يخشاه. إن الخطأ الذي نتعلم منه ليس هزيمة، بل جزء من المعرفة التي لا يمكن الحصول عليها من مقاعد الانتظار.
وأقول أنا: «ليست أخطر خسارات الإنسان أن يرسم لوحة لا تعجبه، بل أن يقضي عمره يحرس بياضها، خوفا من أن تكشف له أول ضربة فرشاة حقيقة ما يستطيع أن يكونه».
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن الزمن لا ينتظر المترددين، ولا يمنح الأحلام عمرا إضافيا لمجرد أننا نحبها. الأيام تمضي سواء بدأنا أم لم نبدأ، والفرص تتغير، والظروف لا تبقى على حالها. وقد نكتشف بعد سنوات أن ما كنا نسميه انتظارا للحظة المناسبة لم يكن سوى خوف من لحظة المواجهة. عندها لن يؤلمنا أننا حاولنا ولم نصل بقدر ما سيؤلمنا أننا امتلكنا فرصة المحاولة ولم نمنح أنفسنا حقها.
تأمل حياتك جيدا، كم لوحة بيضاء تركتها خلفك؟ وكم فكرة أقنعت نفسك بأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت؟ وكم مرة كنت قريبا من اتخاذ قرار، ثم عدت إلى نقطة البداية لأنك خشيت أن تكون النتائج أقل من أحلامك؟ ربما لم تكن بحاجة إلى مزيد من التفكير، بقدر حاجتك إلى شجاعة تمنح تفكيرك فرصة أن يتحول إلى فعل.
فالحياة ليست معرضا للوحات التي تخيلنا رسمها، بل هي المساحة التي نترك عليها آثار وجودنا. ولا يشترط أن تكون كل خطوطنا مستقيمة، أو أن تكون ألواننا متناسقة منذ البداية، فبعض الجمال يولد من المحاولة، وبعض الحكمة لا تأتي إلا بعد الخطأ، وبعض الانتصارات تبدأ بخطوة لم يكن صاحبها واثقا من نهايتها.
وفي نهاية المطاف، لن يسألك الزمن عن عدد الأفكار التي امتلكتها، ولا عن روعة الأحلام التي احتفظت بها في خيالك، بل سيتركك أمام سؤال واحد: ماذا فعلت بكل ما كان ممكنا أن تكونه؟
فلا تنتظر أن تصبح رساما عظيما كي تلمس لوحتك، ولا تنتظر أن تختفي مخاوفك كي تبدأ. أمسك فرشاتك، وارسم، حتى لو ارتجفت يدك، وحتى لو لم يكن اللون الأول في مكانه الصحيح. فهناك فرق شاسع بين لوحة شوهتها المحاولة، ولوحة تركها الخوف بيضاء حتى غطاها غبار العمر.
فالمأساة ليست أن ترسم لوحة لا تشبه أحلامك، بل أن ترحل وأنت تحمل في داخلك لوحة لم تجرؤ يوما على رسمها.
تخيل رساما يقف أمام لوحة بيضاء، يمسك فرشاته ويتأمل المساحة الممتدة أمامه. لا أحد يحاسبه، ولا أحد ينتظر منه إنجازا، ومع ذلك يشعر بثقل اللحظة. فاللوحة لا تطلب منه أن يكون عظيما، لكنها تمنحه فرصة أن يثبت لنفسه ما يستطيع أن يكونه. وفي تلك المساحة البيضاء تختبئ حكايات كثيرة، وألوان لم تولد بعد، وأفكار تنتظر أن تتحول من مجرد احتمال إلى حقيقة.
تلك اللوحة ليست مجرد قطعة قماش، إنها مشروع تؤجله، وكتاب لم تكتب صفحته الأولى، وقرار تعرف أنه ضروري، وحياة جديدة وعدت نفسك أن تبدأها ذات يوم. كثيرا ما نقنع أنفسنا بأننا ننتظر الوقت المناسب، أو الفكرة المكتملة، أو الظروف التي تمنحنا ضمانات النجاح. لكن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها أن بعض التأجيل ليس حكمة، بل خوف يرتدي ثوب الحكمة، وبعض التريث ليس تخطيطا، بل محاولة مهذبة للهروب من مواجهة الذات.
إننا لا نخاف دائما مما لا نعرفه، بل قد نخاف مما سنعرفه عندما نبدأ. فاللوحة البيضاء تمنحنا رفاهية تخيل أنفسنا رسامين عظماء، والمشروع الذي لم نطلقه يظل في أذهاننا مشروعا استثنائيا، والكتاب الذي لم نكتبه يظل قابلا لأن يكون تحفة أدبية. ما دام الشيء لم يدخل عالم الواقع، فإنه لا يتعرض للاختبار، ولا تكشف التجربة حدوده، ولا تضعه النتائج أمام حقيقة قدراتنا.
وهنا تكمن المفارقة الإنسانية العميقة، فنحن أحيانا لا نتعلق بالحلم لأنه تحقق، بل لأنه ما زال احتمالا مفتوحا على كل شيء. نحب الصورة التي رسمناها لأنفسنا في الخيال، ونخشى أن تأتي التجربة بصورة مختلفة. ولذلك نؤجل البداية، لا لأننا لا نملك القدرة على المحاولة، بل لأننا لا نريد أن نخسر الصورة المثالية التي صنعناها عن أنفسنا. وقد عبّر الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجور عن القلق بوصفه دوار الحرية، في إشارة إلى أن تعدد الإمكانات واتساع الخيارات قد يضعان الإنسان أمام قلق الاختيار ومسؤوليته. فالحرية ليست أن تظل قادرا على اختيار كل الطرق، وإنما أن تختار طريقا وتتحمل مسؤولية السير فيه. وما إن تضع أول لون على اللوحة حتى تتخلى عن ألوان أخرى، وما إن تختار طريقا حتى تترك خلفك طرقا لم تسلكها. وهذا ليس نقصا في الحياة، بل طبيعتها التي لا تمنحنا فرصة أن نعيش كل الاحتمالات في وقت واحد.
وفي عالم المشاريع والعمل، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا. فالفكرة التي تبقى حبيسة الذهن لا تصنع نجاحا، مهما بلغت عظمتها في الخيال. والفرصة التي لا نجرؤ على اقتناصها تتحول مع الوقت إلى حكاية نرويها لأنفسنا عن شيء كان من الممكن أن يحدث. أما البداية، مهما كانت متواضعة، فهي التي تضع الفكرة أمام امتحان الواقع، حيث نتعلم ونصحح ونغير اتجاهاتنا ونكتشف أن الطريق لا يشترط أن يكون واضحا بكامله حتى نخطو فيه.
وليس المطلوب أن نبدأ بإتقان، ولا أن نمتلك إجابات عن جميع الأسئلة، فالحياة لا تمنح شهادات ضمان قبل التجربة. كم من فكرة عظيمة بدأت بصورة مرتبكة، وكم من مشروع نضج بعد محاولات لم تكن مثالية، وكم من إنسان اكتشف قدراته الحقيقية بعدما تجرأ على فعل ما كان يخشاه. إن الخطأ الذي نتعلم منه ليس هزيمة، بل جزء من المعرفة التي لا يمكن الحصول عليها من مقاعد الانتظار.
وأقول أنا: «ليست أخطر خسارات الإنسان أن يرسم لوحة لا تعجبه، بل أن يقضي عمره يحرس بياضها، خوفا من أن تكشف له أول ضربة فرشاة حقيقة ما يستطيع أن يكونه».
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن الزمن لا ينتظر المترددين، ولا يمنح الأحلام عمرا إضافيا لمجرد أننا نحبها. الأيام تمضي سواء بدأنا أم لم نبدأ، والفرص تتغير، والظروف لا تبقى على حالها. وقد نكتشف بعد سنوات أن ما كنا نسميه انتظارا للحظة المناسبة لم يكن سوى خوف من لحظة المواجهة. عندها لن يؤلمنا أننا حاولنا ولم نصل بقدر ما سيؤلمنا أننا امتلكنا فرصة المحاولة ولم نمنح أنفسنا حقها.
تأمل حياتك جيدا، كم لوحة بيضاء تركتها خلفك؟ وكم فكرة أقنعت نفسك بأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت؟ وكم مرة كنت قريبا من اتخاذ قرار، ثم عدت إلى نقطة البداية لأنك خشيت أن تكون النتائج أقل من أحلامك؟ ربما لم تكن بحاجة إلى مزيد من التفكير، بقدر حاجتك إلى شجاعة تمنح تفكيرك فرصة أن يتحول إلى فعل.
فالحياة ليست معرضا للوحات التي تخيلنا رسمها، بل هي المساحة التي نترك عليها آثار وجودنا. ولا يشترط أن تكون كل خطوطنا مستقيمة، أو أن تكون ألواننا متناسقة منذ البداية، فبعض الجمال يولد من المحاولة، وبعض الحكمة لا تأتي إلا بعد الخطأ، وبعض الانتصارات تبدأ بخطوة لم يكن صاحبها واثقا من نهايتها.
وفي نهاية المطاف، لن يسألك الزمن عن عدد الأفكار التي امتلكتها، ولا عن روعة الأحلام التي احتفظت بها في خيالك، بل سيتركك أمام سؤال واحد: ماذا فعلت بكل ما كان ممكنا أن تكونه؟
فلا تنتظر أن تصبح رساما عظيما كي تلمس لوحتك، ولا تنتظر أن تختفي مخاوفك كي تبدأ. أمسك فرشاتك، وارسم، حتى لو ارتجفت يدك، وحتى لو لم يكن اللون الأول في مكانه الصحيح. فهناك فرق شاسع بين لوحة شوهتها المحاولة، ولوحة تركها الخوف بيضاء حتى غطاها غبار العمر.
فالمأساة ليست أن ترسم لوحة لا تشبه أحلامك، بل أن ترحل وأنت تحمل في داخلك لوحة لم تجرؤ يوما على رسمها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 11:20