هكذا تتواصل أمريكا مع غواصاتها الخفية عبر خمسة أميال معلقة في السماء

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 15:11
مدار الساعة -في مشهد جوي يبدو للوهلة الأولى غريباً، تحلّق طائرة عسكرية أمريكية في دوائر ضيقة، بينما يمتد خلفها سلك طويل يصل طوله إلى أكثر من خمسة أميال، لكن هذا المشهد ليس استعراضاً جوياً أو مناورة عسكرية تقليدية، بل جزء من واحدة من أكثر مهام الاتصالات العسكرية حساسية، إذ تتيح للولايات المتحدة التواصل مع غواصاتها الحاملة للصواريخ الباليستية، حتى عندما تكون مختبئة في أعماق المحيطات.

وتنفذ هذه المهمة طائرة "E-6B Mercury" التابعة للبحرية الأمريكية، المعروفة بدورها في منظومة القيادة والسيطرة النووية، والتي تستخدم تقنية اتصالات تعتمد على الترددات المنخفضة جداً (VLF)، بما يسمح بإيصال رسائل استراتيجية إلى الغواصات الموجودة تحت الماء، حيث تعجز وسائل الاتصال اللاسلكي التقليدية عن الوصول إليها بكفاءة.

سلك بطول خمسة أميال لاختراق أعماق المحيط

تكمن أهمية السلك الذي تسحبه الطائرة في طبيعة البيئة البحرية، فمياه البحر المالحة تمتص موجات الراديو بسرعة، ما يجعل التواصل مع الغواصات المغمورة تحدياً تقنياً كبيراً، خصوصاً أن الغواصات النووية تحتاج إلى الحفاظ على وجودها تحت الماء لأطول فترة ممكنة، تجنباً لانكشاف موقعها.

وللتغلب على هذه المشكلة، تعتمد طائرة E-6B على إشارات الترددات المنخفضة جداً، التي تتميز بقدرتها على اختراق المياه لمسافة محدودة، تتيح للغواصات استقبال الرسائل عندما تكون على عمق ضحل نسبياً.

غير أن بث هذه الإشارات يتطلب هوائياً ضخماً، وهو ما يصعب توفيره على متن الطائرات بالطرق التقليدية، لذلك طورت البحرية الأمريكية نظاماً يعتمد على سلك طويل قابل للتمديد خلف الطائرة، يصل طوله إلى نحو 28 ألف قدم، أي أكثر قليلاً من خمسة أميال، إلى جانب هوائي آخر أقصر يبلغ طوله نحو 5 آلاف قدم.

ويعمل الهوائيان معاً كنظام ثنائي القطب، بما يساعد على تحقيق كفاءة الإرسال المطلوبة.

لماذا تحلّق الطائرة في دوائر ضيقة؟

لا يقتصر الأمر على مدّ السلك خلف الطائرة، بل يتطلب الأمر أيضاً وضعه في الاتجاه المناسب لضمان كفاءة البث.

فإذا امتد الهوائي بصورة أفقية خلف الطائرة، تصبح قدرته على الإشعاع اللاسلكي أقل كفاءة، ولهذا تنفذ E-6B مناورة جوية خاصة، تتمثل في التحليق ضمن دوائر ضيقة وحادة، بسرعة منخفضة تقترب من الحد الذي يفقد عنده جناح الطائرة قدرته على توليد قوة الرفع الكافية لمواصلة الطيران بصورة طبيعية والتي تعرف باسم "الانهيار الهوائي".

وبعد نشر السلك، تساعد مظلة سحب صغيرة مثبتة في نهايته على استقراره، فيما تؤدي حركة الطائرة الدائرية إلى جعل السلك يتدلى أسفلها بصورة شبه عمودية.

وتنفذ الطائرة هذه المناورة عادة على ارتفاع يتجاوز 20 ألف قدم، ويمكنها الاستمرار في الدوران لساعات أثناء إرسال الرسائل، وفقاً لما أورده موقع "The War Zone" المتخصص في الشؤون العسكرية.

وبذلك تتحول المناورة الجوية غير المألوفة إلى جزء أساسي من منظومة اتصالات استراتيجية، صُممت لضمان استمرار الاتصال بين القيادة العسكرية الأمريكية وغواصاتها النووية.

رسائل قصيرة.. لكنها بالغة الأهمية

ورغم قدرة هذه التقنية على الوصول إلى الغواصات تحت الماء، فإنها تعاني محدودية كبيرة في سرعة نقل البيانات، إذ إن معدل الإرسال عبر الترددات المنخفضة جداً بطيء للغاية.

لذلك لا تُستخدم هذه المنظومة في المحادثات أو نقل كميات كبيرة من المعلومات، بل تقتصر مهمتها على إرسال رسائل قصيرة وحاسمة، وفي مقدمتها رسائل الأوامر والإجراءات الطارئة التي قد تتضمن توجيهات استراتيجية تتعلق بالقوات النووية.

وتكتسب هذه القدرة أهمية استثنائية في منظومة الردع النووي الأمريكية، إذ تتيح إيصال الأوامر إلى الغواصات حتى عندما تكون بعيدة عن قواعدها ومختبئة في أعماق البحار.

رحلة بدأت عام 1962.. والعودة مجدداً إلى طائرات هيركوليز

لم تبدأ قصة برنامج TACAMO مع طائرة E-6B، بل تعود إلى عام 1962، عندما أطلقت البحرية الأمريكية البرنامج باستخدام نسخ معدلة من طائرات "C-130 Hercules"، وتحديداً الطرازين EC-130G وEC-130Q.

وكانت الفكرة في البداية إنشاء نظام اتصالات مؤقت إلى حين تطوير شبكة أرضية تعتمد على الترددات المنخفضة للغاية، لكن المخاوف المتعلقة بقدرة النظام الأرضي على الصمود أمام التهديدات الاستراتيجية دفعت البحرية إلى الإبقاء على الحل الجوي وتحويله إلى منظومة دائمة.

وفي أواخر ثمانينات القرن الماضي، اتجهت البحرية إلى طائرة E-6A المشتقة من بوينغ 707 لتحل محل طائرات هيركوليز، قبل تطويرها لاحقاً إلى النسخة E-6B Mercury.

ولم تقتصر مهام النسخة المطورة على الاتصالات مع الغواصات، بل تولت أيضاً دور مركز القيادة الجوية، مع قدرتها على البقاء في الجو لمدة تصل إلى 72 ساعة، بفضل إمكانية التزود بالوقود جواً.

واليوم، تستعد البحرية الأمريكية للعودة مرة أخرى إلى عائلة C-130 من خلال الطائرة الجديدة E-130J Phoenix II، التي تمثل الجيل التالي من طائرات برنامج TACAMO.

تقنية قديمة في فكرتها.. حاسمة في مهمتها

تكشف قصة السلك الذي تسحبه طائرة E-6B عن جانب غير مألوف من التكنولوجيا العسكرية، فبينما تتجه الاتصالات الحديثة نحو الأقمار الصناعية والشبكات الرقمية فائقة السرعة، لا تزال القوات الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على تقنية تقوم على سلك طويل وإشارات بطيئة، لكنها تؤدي وظيفة لا غنى عنها.

ففي عالم الغواصات النووية، لا تكمن الأولوية دائماً في سرعة نقل البيانات أو حجمها، بل في القدرة على إيصال رسالة بالغة الأهمية إلى غواصة مختبئة تحت سطح المحيط، في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إلى الاتصال أكثر حساسية من أي وقت مضى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 15:11