الجامعة الأردنية.. ستة عقود من صناعة الإنسان وبناء الدولة وذاكرة الأجيال

أ.د. تحسين منصور
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/30 الساعة 23:34
ثمة أماكن لا تختصرها الجغرافيا، ولا تحدد قيمتها جدرانها ومبانيها، لأنها تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الناس ووجدانهم. والجامعة الأردنية واحدة من تلك الأمكنة التي تجاوزت حدود المؤسسة التعليمية لتصبح حكاية وطن، وذاكرة أجيال، ورافداً أساسياً من روافد بناء الدولة الأردنية الحديثة.
وحين وقعت عيناي على الصورة التي نشرتها الجامعة الأردنية، وتحتها عبارة «قِبابها تروي فصولاً من ذاكرة المكان»، استوقفتني العبارة طويلاً. فهذه القباب والمباني والممرات والساحات ليست مجرد تفاصيل معمارية، بل شواهد على مسيرة وطنية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، عبرتها أجيال من الطلبة والأساتذة والباحثين، وحملت معها إلى المجتمع ومؤسسات الدولة ما تعلمته من علم ومعرفة وخبرة وقيم.
منذ تأسيسها عام 1962، لم تكن الجامعة الأردنية مجرد استجابة لحاجة المجتمع إلى التعليم العالي، بل كانت مشروعاً وطنياً استراتيجياً، عبّر عن إيمان مبكر بأن بناء الدولة لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من قاعات العلم ومدرجات المعرفة ومختبرات البحث العلمي.
لقد أدرك الأردن، في مرحلة مبكرة من مسيرته الحديثة، أن الدولة التي تريد أن تنهض وتبني مؤسساتها وتواكب تحولات العصر تحتاج إلى كوادر مؤهلة، وعقول قادرة على التفكير والإبداع والإدارة، وقيادات تمتلك المعرفة والرؤية. ومن هنا جاءت الجامعة الأردنية لتؤدي دوراً تجاوز التدريس والتأهيل الأكاديمي إلى الإسهام المباشر في تشكيل النخب الوطنية التي شاركت في إدارة مؤسسات الدولة وقيادة قطاعاتها المختلفة.
ولعل أحد أبرز أوجه هذا الدور يتمثل في خريجي الجامعة الذين وصلوا إلى مواقع متقدمة في الحياة العامة، وتولوا مسؤوليات وزارية وقيادية ودبلوماسية وأكاديمية واقتصادية. فقد خرجت الجامعة شخصيات تولت رئاسة الحكومات، وحقائب وزارية، ومواقع متقدمة في الإدارة العامة ومؤسسات الدولة، فضلاً عن حضور خريجيها في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإقليمية والدولية.
وليس الأمر مجرد ألقاب أو مواقع وظيفية، بل هو تعبير عن قدرة المؤسسة الجامعية على رفد المجتمع بكفاءات تتعدد تخصصاتها وتتباين خبراتها، لكنها تلتقي عند حقيقة أن المعرفة كانت نقطة انطلاق في مساراتها المهنية والوطنية.
لقد أسهمت الجامعة الأردنية في تكوين جيل من القيادات والخبراء في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد والعلوم الإنسانية والإعلام والسياسة والإدارة، وكان لخريجيها حضور ملموس في تشكيل الحياة المؤسسية الأردنية، وفي نقل الخبرة الأردنية إلى المحيط العربي والدولي. وهذا ما يجعل الحديث عن الجامعة حديثاً عن جزء من تاريخ الدولة وتطور مؤسساتها، وليس عن مؤسسة أكاديمية بمعناها الضيق.
الجامعة الأردنية في مرآة التصنيفات العالمية


ولأن الجامعات لا تعيش على أمجاد تاريخها وحده، فإن من المهم النظر إلى ما تحققه اليوم من حضور أكاديمي وبحثي على المستويين الإقليمي والدولي.
وحقّقتِ الجامعة الأردنيّة إنجازًا أكاديميًّا بإحرازها المركز الأول على مستوى المملكة الأردنيّة الهاشميّة والرّابع على مستوى الوطن العربي، والمركز (270) عالميًّا ضمن تَصنيف UNIRANKS العالمي 2027، كما نالت تَصنيف "الجامعة العالميّة النّخبويّة – خمس نجوم (Global Elite University – Five Stars)"، وهو أعلى مستوى من الاعتراف المؤسّسيّ الذي يمنحه التّصنيف للجامعات التي تُحقّق أداءً متوازنًا ومتميّزًا عبر مختلف محاور التّقييم..
وهذه النتائج ليست مجرد أرقام تضاف إلى سجل الجامعة، بل تعكس جملة من المؤشرات المرتبطة بالسمعة الأكاديمية، والبحث العلمي، والسمعة لدى أصحاب العمل، والتعاون البحثي الدولي، والتأثير المعرفي.
ومع ذلك، فإن التصنيفات، على أهميتها، ليست غاية الجامعة ولا المقياس الوحيد لنجاحها؛ فالقيمة الأعمق لأي جامعة تكمن في نوعية الإنسان الذي تخرجه، وفي قدرتها على إنتاج المعرفة، وتقديم حلول لمشكلات المجتمع، والإسهام في بناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
من اليرموك إلى الأردنية… تجربة تتسع لحب الجامعات
ولعل ما يمنحني مساحة مختلفة في النظر إلى الجامعة الأردنية أن تجربتي الأكاديمية سبقتها ثلاثة عقود قضيتها في كلية الاعلام بجامعة اليرموك، قبل أن أنضم إلى أسرتها الأكاديمية قبل ثلاث سنوات أستاذاً في قسم الإعلام الرقمي.
وقد علمتني هذه الرحلة أن الجامعات الوطنية ليست مؤسسات متنافسة على الأمجاد بقدر ما هي روافد متكاملة في مشروع بناء الأردن. فاليرموك بما قدمته من إسهامات أكاديمية وثقافية وإعلامية، والأردنية بما تمثله من تاريخ ريادي وحضور وطني ودولي، وغيرهما من الجامعات الأردنية، تشكل جميعها منظومة معرفية أسهمت في بناء الإنسان الأردني وإعداد الكفاءات التي تحتاجها الدولة والمجتمع.
إن الاعتزاز بالجامعة الأردنية لا ينتقص من قيمة اليرموك، والوفاء لليرموك لا يحجب ما تستحقه الأردنية من تقدير. فالمؤسسات الأكاديمية الكبرى تتكامل رسالتها، ويقاس نجاحها بما تضيفه مجتمعة إلى الوطن.


ذاكرة المكان ومسؤولية المستقبل


وحين نتأمل اليوم قباب الجامعة الأردنية وساحاتها وأشجارها، فإننا لا نستعيد الماضي من باب الحنين وحده، بل نستحضر مسؤولية الحفاظ على إرث علمي ووطني كبير، وتطويره بما يليق بأجيال المستقبل.
فكم من طالب دخل بوابتها حاملاً حلماً صغيراً، ثم غادرها إلى موقع مسؤولية كبيرة! وكم من أستاذ ترك أثراً في عقل طالب، دون أن يعلم أن ذلك الطالب سيصبح يوماً صاحب قرار أو قائداً لمؤسسة أو باحثاً يضيف إلى المعرفة الإنسانية! وكم من حكاية بدأت في أحد مدرجاتها، ثم امتدت آثارها إلى المجتمع والوطن والعالم!
إن عظمة الجامعة لا تكمن فقط في عدد خريجيها، ولا في مواقع بعضهم، ولا في ترتيبها العالمي، على أهمية كل ذلك، بل في قدرتها على صناعة الفرص، وتوسيع آفاق التفكير، وإعداد الإنسان ليكون شريكاً في بناء وطنه.
ستبقى الجامعة الأردنية أكثر من مؤسسة تعليمية؛ ستبقى ذاكرة وطن، ومصنعاً للعقول، وفضاءً للأحلام، وشاهداً على رحلة الأردن في بناء دولته ومؤسساته.
أما قبابها التي تستوقفنا اليوم، فليست وحدها التي تروي فصول الحكاية؛ إنما يرويها أيضاً آلاف الخريجين الذين حملوا اسمها إلى مواقع العمل والعطاء، والأساتذة الذين تركوا بصماتهم في عقول أجيالها، والطلبة الذين ما زالوا يرسمون في مدرجاتها فصولاً جديدة من المستقبل.
فالجامعات العظيمة لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، بل بما تستطيع أن تصنعه من مستقبل. والجامعة الأردنية، بتاريخها وريادتها ومكانتها، أمامها دائماً فصول جديدة تستحق أن تُكتب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/30 الساعة 23:34