'جدارا' المدينة التي نظرت إلى العالم من فوق
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 23:09
مدينة الفلاسفة.. مدينة لم تمت.
: لماذا جدارا؟ ولماذا الآن؟
كل المدن التي تعرفها بُنيت لسبب واحد: ليسكنها الناس.
الناس كانوا يبحثون عن نبع ماء، أو سهل قمح، أو طريق تجارة، فيبنون بيتاً، ثم بيتين، ثم تصبح مدينة. كل المدن خُلقت من حاجة البطن.
إلا مدينة واحدة في هذا العالم، خُلقت من حاجة العقل والعين. اسمها جدارا.
جدارا لم يبنها فلاح يبحث عن ماء، ولم يبنها تاجر يبحث عن سوق. بناها فيلسوف يبحث عن أفق. قال: أريد مدينة أرى منها العالم كله.
فصعد إلى أعلى جبل في شمال الأردن، جبل معزول كأنه جزيرة في السماء، ارتفاعه 378 متراً فوق سطح البحر، يحيط به وادٍ عميق من ثلاث جهات كأنه خندق طبيعي لا يُعبر. ووقف هناك.
وعندما وقف، اكتشف المعجزة.
وضع قدمه في الأردن، فهو واقف على تراب الأردن.
رفع عينه اليمنى، فرأى فلسطين كلها أمامه.. رأى بحيرة طبريا تلمع كصحن فضة، ورأى جبال نابلس، ورأى سهل الحولة، ورأى جبل الشيخ يلبس عمامة الثلج الأبيض.
ثم رفع عينه اليسرى، فرأى سوريا.. رأى سهول حوران، وهضبة الجولان، وقرى درعا.
ثلاث دول من شرفة واحدة! وبحيرتان، ونهر اليرموك تحته يزحف كأفعى من ذهب.
من أجل هذه اللحظة بُنيت جدارا. لتكون شرفة العالم.
لذلك إذا سألتني: من لم يقف في مسرحها الغربي ساعة الغروب، عندما تصبح سماء طبريا حمراء، والهواء القادم من فلسطين يحمل رائحة الليمون والزيتون، والأعمدة السوداء يطول ظلها.. من لم يقف هناك، فهو لم يفهم حتى الآن معنى كلمة واحدة في قاموس اللغة اسمها "إطلالة".
وهنا يجب أن نصحح وهماً كبيراً:
جدارا ليست هي أم قيس التي تذهب إليها اليوم لتأكل وتشرب القهوة.
أم قيس التي تراها اليوم ببيوتها العثمانية الجميلة ومطاعمها المطلة، هي مجرد قرية صغيرة، عمرها 300 سنة، قرية فقيرة وجميلة، تسكن فوق ظهر مارد نائم.
أما المارد النائم تحتها، المدينة الحقيقية التي تمتد تحت كل بيت ومطعم وشارع، فاسمها جدارا. مدينة عمرها 2300 سنة، بأسواقها ومسرحيها وشوارعها وأقبيتها ونفقها الذي يمتد 170 كيلومتراً.
نحن نمشي فوق السطح، ونظن أننا زرنا المدينة. والحقيقة أن المدينة لم نلمسها بعد.
وهذا النص كتب لأفتح لكم الباب وننزل تحت الأرض، نمشي معاً عشرة فصول، حجراً حجراً، في المدينة التي نظرت إلى العالم من فوق.
الفصل الأول .
- كيف مات اسم جدارا وولد اسم أم قيس؟
الاسم هو أول هوية، وأول خيانة.
مدينتنا هذه لها اسمين، اسم مات، واسم عاش، وبينهما قصة سقوط وحكاية مجد.
الاسم الأول: جدارا Gadara
هذا هو الاسم الشرعي، الاسم المسجل في كتب اليونان والرومان، في خرائط بطليموس، وفي كتب التاريخ.
جدارا Gadara كلمة يونانية أصلها "غادار" وتعني لغوياً: الحصن، المحصنة، المنيعة، المدينة ذات الجدار العظيم.
واليونانيون، وهم أذكى من سمى المدن، لم يسموها هكذا صدفة. بل لأنهم عندما جاؤوا ليبنوها، وجدوا أن الطبيعة بنت جدارها قبلهم.
المدينة تقع على رأس جبل، وهذا الجبل محاط من الشمال بوادي اليرموك العميق جداً، ومن الجنوب بوادي العرب، ومن الغرب بوادٍ سحيق يفصله عن فلسطين. كأن الله بنى لها ثلاثة أسوار من الصخر قبل أن يبني الإنسان سوراً واحداً.
فهي حصن من صنع الطبيعة، ثم جاء الإنسان وأكمل الحصن بسور من حجر البازلت الأسود القاسي، سور طوله أكثر من 3 كيلومترات.
لذلك سموها Gadara - المحصنة. ومن يراها من بعيد يعرف أنها لا تُغزى بسهولة.
حتى العرب عندما جاؤوا، احترموا الاسم، وقالوا: هي جدارا، لأن أسوارها كالجدران التي لا تهد.
ظل هذا الاسم حياً أكثر من 2000 سنة، من عهد الإسكندر حتى عهد المماليك، والكل يقول: جدارا.
ثم جاء الاسم الثاني: أم قيس
فجأة، قبل حوالي 400 سنة فقط، في العهد العثماني المتأخر، اختفى اسم جدارا من ألسنة الناس، وظهر اسم غريب هو "أم قيس".
والناس في القرية حتى اليوم يتجادلون: من هي أم قيس؟
هناك روايتان يتناقلهما الأجداد، وكلتاهما تكشف شيئاً من روح المكان:
الرواية الأولى - رواية المرأة القوية:
يقولون كانت هناك امرأة بدوية، قوية، غنية، اسمها "قيس" أو أم لولد اسمه قيس، كانت تملك كل الجبل والسهول تحته، وكانت تحكم وتحل المشاكل، وكانت بيوتها منتشرة في كل مكان، فكان الرعاة يقولون: نحن ذاهبون إلى أراضي أم قيس، نحن نرعى في أراضي أم قيس.. حتى التصق الاسم بالمكان.
الرواية الثانية - وهي رواية العلماء - رواية اللغة:
وهي الأصح تاريخياً. الاسم الأصلي للقرية في اللغة الآرامية القديمة التي كان يتكلمها سكان هذه المنطقة قبل العربية، هو "مكيس - Mkis" ومعناه المكان المقدس، أو المكان المليء بالآثار والمعابد.
ومع مرور مئات السنين، وتحول الألسنة من الآرامية إلى العربية العامية، ثقلت كلمة "مكيس" على لسان الفلاحين، فقلبوها، صارت "أم كيس" ثم خففوها إلى "أم قيس". وهذا يحدث كثيراً في الأردن.
أياً كانت الرواية، النتيجة واحدة:
الاسم الكبير مات، والاسم الصغير عاش.
المدينة التي كانت تسمى "الحصن المنيع" أصبح اسمها اسم امرأة.
لكن.. وهذا هو سر جدارا الذي يجعلك تحبها.. رغم أن اسمها تغير في الأوراق وفي ألسنة الناس، إلا أن كبرياءها لم يتغير.
ما زالت واقفة فوق الجبل، منذ 2300 سنة، تنظر إلى كل الإمبراطوريات التي مرت من تحتها.. مر الإسكندر ومات، ومر الرومان وماتوا، ومر البيزنطيون وماتوا، ومر المسلمون والعثمانيون والإنجليز.. كلهم مروا وذهبوا.
وظلت هي واقفة وحدها، صامتة، سوداء بحجارة البازلت، تقول لكل من يصعد إليها جملة واحدة، بصوت لا يسمعه إلا من يحب التاريخ:
"أنتم تسمونني ما شئتم.. أنا جدارا.. حتى لو نسيتم اسمي، الجبل لم ينسني."
: لماذا جدارا؟ ولماذا الآن؟
كل المدن التي تعرفها بُنيت لسبب واحد: ليسكنها الناس.
الناس كانوا يبحثون عن نبع ماء، أو سهل قمح، أو طريق تجارة، فيبنون بيتاً، ثم بيتين، ثم تصبح مدينة. كل المدن خُلقت من حاجة البطن.
إلا مدينة واحدة في هذا العالم، خُلقت من حاجة العقل والعين. اسمها جدارا.
جدارا لم يبنها فلاح يبحث عن ماء، ولم يبنها تاجر يبحث عن سوق. بناها فيلسوف يبحث عن أفق. قال: أريد مدينة أرى منها العالم كله.
فصعد إلى أعلى جبل في شمال الأردن، جبل معزول كأنه جزيرة في السماء، ارتفاعه 378 متراً فوق سطح البحر، يحيط به وادٍ عميق من ثلاث جهات كأنه خندق طبيعي لا يُعبر. ووقف هناك.
وعندما وقف، اكتشف المعجزة.
وضع قدمه في الأردن، فهو واقف على تراب الأردن.
رفع عينه اليمنى، فرأى فلسطين كلها أمامه.. رأى بحيرة طبريا تلمع كصحن فضة، ورأى جبال نابلس، ورأى سهل الحولة، ورأى جبل الشيخ يلبس عمامة الثلج الأبيض.
ثم رفع عينه اليسرى، فرأى سوريا.. رأى سهول حوران، وهضبة الجولان، وقرى درعا.
ثلاث دول من شرفة واحدة! وبحيرتان، ونهر اليرموك تحته يزحف كأفعى من ذهب.
من أجل هذه اللحظة بُنيت جدارا. لتكون شرفة العالم.
لذلك إذا سألتني: من لم يقف في مسرحها الغربي ساعة الغروب، عندما تصبح سماء طبريا حمراء، والهواء القادم من فلسطين يحمل رائحة الليمون والزيتون، والأعمدة السوداء يطول ظلها.. من لم يقف هناك، فهو لم يفهم حتى الآن معنى كلمة واحدة في قاموس اللغة اسمها "إطلالة".
وهنا يجب أن نصحح وهماً كبيراً:
جدارا ليست هي أم قيس التي تذهب إليها اليوم لتأكل وتشرب القهوة.
أم قيس التي تراها اليوم ببيوتها العثمانية الجميلة ومطاعمها المطلة، هي مجرد قرية صغيرة، عمرها 300 سنة، قرية فقيرة وجميلة، تسكن فوق ظهر مارد نائم.
أما المارد النائم تحتها، المدينة الحقيقية التي تمتد تحت كل بيت ومطعم وشارع، فاسمها جدارا. مدينة عمرها 2300 سنة، بأسواقها ومسرحيها وشوارعها وأقبيتها ونفقها الذي يمتد 170 كيلومتراً.
نحن نمشي فوق السطح، ونظن أننا زرنا المدينة. والحقيقة أن المدينة لم نلمسها بعد.
وهذا النص كتب لأفتح لكم الباب وننزل تحت الأرض، نمشي معاً عشرة فصول، حجراً حجراً، في المدينة التي نظرت إلى العالم من فوق.
الفصل الأول .
- كيف مات اسم جدارا وولد اسم أم قيس؟
الاسم هو أول هوية، وأول خيانة.
مدينتنا هذه لها اسمين، اسم مات، واسم عاش، وبينهما قصة سقوط وحكاية مجد.
الاسم الأول: جدارا Gadara
هذا هو الاسم الشرعي، الاسم المسجل في كتب اليونان والرومان، في خرائط بطليموس، وفي كتب التاريخ.
جدارا Gadara كلمة يونانية أصلها "غادار" وتعني لغوياً: الحصن، المحصنة، المنيعة، المدينة ذات الجدار العظيم.
واليونانيون، وهم أذكى من سمى المدن، لم يسموها هكذا صدفة. بل لأنهم عندما جاؤوا ليبنوها، وجدوا أن الطبيعة بنت جدارها قبلهم.
المدينة تقع على رأس جبل، وهذا الجبل محاط من الشمال بوادي اليرموك العميق جداً، ومن الجنوب بوادي العرب، ومن الغرب بوادٍ سحيق يفصله عن فلسطين. كأن الله بنى لها ثلاثة أسوار من الصخر قبل أن يبني الإنسان سوراً واحداً.
فهي حصن من صنع الطبيعة، ثم جاء الإنسان وأكمل الحصن بسور من حجر البازلت الأسود القاسي، سور طوله أكثر من 3 كيلومترات.
لذلك سموها Gadara - المحصنة. ومن يراها من بعيد يعرف أنها لا تُغزى بسهولة.
حتى العرب عندما جاؤوا، احترموا الاسم، وقالوا: هي جدارا، لأن أسوارها كالجدران التي لا تهد.
ظل هذا الاسم حياً أكثر من 2000 سنة، من عهد الإسكندر حتى عهد المماليك، والكل يقول: جدارا.
ثم جاء الاسم الثاني: أم قيس
فجأة، قبل حوالي 400 سنة فقط، في العهد العثماني المتأخر، اختفى اسم جدارا من ألسنة الناس، وظهر اسم غريب هو "أم قيس".
والناس في القرية حتى اليوم يتجادلون: من هي أم قيس؟
هناك روايتان يتناقلهما الأجداد، وكلتاهما تكشف شيئاً من روح المكان:
الرواية الأولى - رواية المرأة القوية:
يقولون كانت هناك امرأة بدوية، قوية، غنية، اسمها "قيس" أو أم لولد اسمه قيس، كانت تملك كل الجبل والسهول تحته، وكانت تحكم وتحل المشاكل، وكانت بيوتها منتشرة في كل مكان، فكان الرعاة يقولون: نحن ذاهبون إلى أراضي أم قيس، نحن نرعى في أراضي أم قيس.. حتى التصق الاسم بالمكان.
الرواية الثانية - وهي رواية العلماء - رواية اللغة:
وهي الأصح تاريخياً. الاسم الأصلي للقرية في اللغة الآرامية القديمة التي كان يتكلمها سكان هذه المنطقة قبل العربية، هو "مكيس - Mkis" ومعناه المكان المقدس، أو المكان المليء بالآثار والمعابد.
ومع مرور مئات السنين، وتحول الألسنة من الآرامية إلى العربية العامية، ثقلت كلمة "مكيس" على لسان الفلاحين، فقلبوها، صارت "أم كيس" ثم خففوها إلى "أم قيس". وهذا يحدث كثيراً في الأردن.
أياً كانت الرواية، النتيجة واحدة:
الاسم الكبير مات، والاسم الصغير عاش.
المدينة التي كانت تسمى "الحصن المنيع" أصبح اسمها اسم امرأة.
لكن.. وهذا هو سر جدارا الذي يجعلك تحبها.. رغم أن اسمها تغير في الأوراق وفي ألسنة الناس، إلا أن كبرياءها لم يتغير.
ما زالت واقفة فوق الجبل، منذ 2300 سنة، تنظر إلى كل الإمبراطوريات التي مرت من تحتها.. مر الإسكندر ومات، ومر الرومان وماتوا، ومر البيزنطيون وماتوا، ومر المسلمون والعثمانيون والإنجليز.. كلهم مروا وذهبوا.
وظلت هي واقفة وحدها، صامتة، سوداء بحجارة البازلت، تقول لكل من يصعد إليها جملة واحدة، بصوت لا يسمعه إلا من يحب التاريخ:
"أنتم تسمونني ما شئتم.. أنا جدارا.. حتى لو نسيتم اسمي، الجبل لم ينسني."
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 23:09