كيف تؤثر السمنة في آليات الدفاع الطبيعية للجسم ضد سرطان الثدي؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 15:14
مدار الساعة -لا تقتصر علاقة السمنة بسرطان الثدي على تهيئة بيئة قد تساعد الأورام على النمو، بل قد تمتد أيضاً إلى إضعاف إحدى آليات الدفاع الطبيعية التي يستخدمها الجسم للتخلص من الخلايا السرطانية. فقد كشف باحثون عن دور لجزيء دهني تنتجه الخلايا الدهنية في أنسجة الثدي، ويسهم في تحفيز موت الخلايا السرطانية، إلا أن إنتاجه يتراجع مع السمنة، ما قد يحدّ من قدرة الجسم على مقاومة المرض.

وتوصل إلى هذه النتائج فريق بحثي من معهد هانتسمان للسرطان بجامعة يوتا الأميركية، بقيادة كيرين هيلغندورف، الباحثة في المعهد والأستاذة المساعدة في الكيمياء الحيوية بالجامعة، وبمشاركة ميغان كيرتن، الباحثة في مرحلة الدكتوراه في علم الأحياء الجزيئي. ونُشرت الدراسة في مجلة «ساينس» العلمية في 10 سبتمبر 2026.

خلايا شحمية

تشكّل الخلايا الدهنية، المعروفة باسم «الخلايا الشحمية»، جزءاً كبيراً من نسيج الثدي، ولا يقتصر دورها على تخزين الطاقة، إذ يمكنها التأثير في البيئة المحيطة بالخلايا السرطانية، بما قد ينعكس على نمو الأورام وتطورها.

ومن خلال دراسة نماذج قبل سريرية، شملت عينات من أنسجة الثدي، رصد الباحثون اختلافاً بين الخلايا الدهنية لدى الأشخاص ذوي الوزن الصحي ونظيراتها لدى المصابين بالسمنة، تمثّل في مستويات إنتاج جزيء دهني يُعرف باسم 9S-HODE .

الوزن الصحي

وأظهرت النتائج أن الخلايا الدهنية في الأنسجة لدى ذوي الوزن الصحي تنتج كميات أكبر بكثير من هذا الجزيء مقارنة بالخلايا الدهنية لدى المصابين بالسمنة.

ويؤدي الجزيء دوراً في تحفيز عملية تُعرف باسم «الموت الخلوي الحديدي»، وهي آلية لموت الخلايا تعتمد على الحديد وتتضمن تلف الدهون الموجودة داخلها.

وتُعد هذه العملية إحدى الآليات البيولوجية التي تساعد الجسم على التخلص من بعض الخلايا التالفة أو غير الطبيعية، وقد تسهم في الحد من بقاء خلايا يمكن أن تتحول إلى خلايا سرطانية.

وأوضحت ميغان كيرتن أن ارتفاع مستويات هذا الجزيء في الأنسجة لدى ذوي الوزن الصحي يجعل الخلايا السرطانية أكثر عرضة للموت، مشيرة إلى أن الجسم قد يستفيد، في هذه الظروف، من آلية حماية طبيعية تتراجع فاعليتها مع السمنة.

تأثير وقائي

وللتحقق مما إذا كان من الممكن استعادة هذا التأثير الوقائي، اختبر الباحثون زيادة مستويات جزيء «9S-HODE» في الخلايا الدهنية لدى نماذج من الفئران المصابة بالسمنة.

وأظهرت التجارب قبل السريرية أن تعزيز مستويات الجزيء ارتبط بتراجع نمو أورام سرطان الثدي، ما يدعم فرضية أن انخفاض إنتاجه مع السمنة قد يسهم في إضعاف إحدى آليات الجسم الطبيعية للحد من نمو الخلايا السرطانية.

وترى كيرين هيلغندورف أن أهمية الاكتشاف تكمن في تقديم زاوية جديدة لفهم العلاقة بين السمنة والسرطان؛ فبدلاً من التركيز حصراً على كيفية إسهام السمنة في تعزيز نمو المرض، تشير النتائج إلى أنها قد تؤدي أيضاً إلى فقدان عناصر بيولوجية توفر حماية طبيعية للجسم.

ويفتح هذا الفهم المجال أمام دراسة دور الخلايا الدهنية بصورة أعمق، ليس باعتبارها جزءاً من البيئة المحيطة بالورم فحسب، بل بوصفها أيضاً مصدراً لجزيئات قد تؤثر في قدرة الخلايا السرطانية على البقاء والنمو.

أساليب علاجية

تثير النتائج احتمال تطوير أساليب علاجية تستهدف استعادة التأثير الوقائي للجزيء أو تعزيز نشاطه داخل أنسجة الثدي. وبما أن «9S-HODE» موجود بصورة طبيعية في الجسم، فإن فهم أسباب تراجع مستوياته مع السمنة قد يساعد الباحثين مستقبلاً على تحديد طرق للاستفادة منه في الحد من نمو الأورام.

لكن هذا الاحتمال لا يزال في مراحله البحثية المبكرة، إذ إن النتائج المستخلصة من النماذج الحيوانية لا تثبت أن تعزيز الجزيء سيحقق التأثير نفسه لدى البشر، كما أن تحويله إلى علاج آمن وفعّال يتطلب دراسات إضافية لتحديد آلية عمله الدقيقة، والجرعات المناسبة، ومدى جدواه السريرية.

ويؤكد الباحثون كذلك أن السمنة ليست العامل الوحيد المرتبط بسرطان الثدي، وأن المرض قد ينشأ لأسباب متعددة لا ترتبط بها بالضرورة. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الآلية الوقائية التي رصدتها الدراسة في الخلايا الدهنية للثدي تعمل بالطريقة نفسها في أنسجة أخرى من الجسم.

وتمنح الدراسة العلماء مساراً جديداً لاستكشاف كيفية تسخير الآليات الطبيعية داخل الجسم لمواجهة السرطان، مع بقاء الحاجة إلى أبحاث إضافية لتحديد مدى إمكانية تحويل هذا الاكتشاف إلى تطبيقات علاجية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 15:14