الأحزاب في الجامعات، الغائب الذي لا يحتمل الغياب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 13:38
ثمة سؤال يستحق أن تطرحه الأحزاب الأردنية على نفسها اليوم، بعيداً عن الحسابات التنظيمية والمواسم السياسية كيف يمكن بناء حياة حزبية فاعلة إذا بقيت الأحزاب بعيدة عن المساحات التي يتشكل فيها وعي الشباب، وتتبلور فيها أسئلتهم، وتتحدد من خلالها مواقفهم من الشأن العام؟
ليس المقصود هنا أن تتحول الجامعات إلى ساحات للتنافس الحزبي، ولا أن تصبح القاعات الدراسية امتداداً لمقارّ التنظيمات السياسية، بل أن تدرك الأحزاب أن علاقتها بالجامعات لم تعد مسألة هامشية يمكن تأجيلها، وإنما جزء من سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العمل الحزبي في الأردن، وقدرته على التواصل مع المجتمع، وتجديد أفكاره، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.
فالجامعة ليست مجرد مؤسسة للتعليم، بل مساحة لتكوين الشخصية، واختبار الأفكار، ومناقشة القضايا العامة، والتعرف إلى الاختلاف وفيها يلتقي الشباب بأسئلة الواقع وتحديات المستقبل، من فرص العمل والعدالة وتكافؤ الفرص، إلى المشاركة في صنع القرار وتحديد الأولويات الوطنية، ومن هنا فإن غياب الأحزاب عن هذا الفضاء أو اقتصار حضورها على مناسبات محدودة يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى قدرتها على بناء علاقة مستدامة مع جيل يمتلك أسئلته الخاصة، ويبحث عن إجابات تتجاوز الخطاب التقليدي.
المشكلة ليست أن الشباب بعيدون عن السياسة بالضرورة، بل أن السياسة الحزبية قد تكون بعيدة عن الطريقة التي يفكر بها الشباب، وعن اللغة التي يفهمونها، وعن القضايا التي ينتظرون منها مواقف واضحة تجاهها،وهنا تبدأ مسؤولية الأحزاب.
من انتظار الشباب إلى الذهاب إليهم
اعتادت بعض الممارسات الحزبية أن تنطلق من افتراض أن على الشاب الراغب في المشاركة أن يبحث عن الحزب، ويتعرف إلى برنامجه، ويطرق أبوابه، ثم يقرر الانضمام إليه لكن هذا التصور وإن كان يحمل جانباً من المنطق التنظيمي، لم يعد كافياً لبناء علاقة متينة مع جيل تتعدد أمامه مصادر المعرفة، وتتسع خياراته في التعبير والمشاركة.
المطلوب اليوم أن تنتقل الأحزاب من انتظار الشباب إلى الذهاب نحوهم، لا بهدف استقطابهم السريع، بل بهدف فهمهم والاستماع إليهم وفتح حوار حقيقي معهم.
وهذا الانتقال لا يعني مجرد تنظيم ندوة داخل جامعة أو المشاركة في فعالية طلابية، ثم اعتبار المهمة منجزة، فالحضور الحقيقي يُقاس بمدى استمرارية التواصل وبقدرة الحزب على الاستماع إلى الأسئلة الصعبة واحترام النقد، وتقديم إجابات واضحة، ومناقشة برامجه دون افتراض أن الشباب مطالبون بتقبّلها مسبقًا.
إن الحزب الذي يذهب إلى الجامعة وعقله مشغول بعدد المنتسبين المحتملين، يختلف عن الحزب الذي يذهب إليها وهو مستعد لمراجعة أفكاره وأدواته، الأول يبحث عن أعضاء جدد، أما الثاني فيبحث أيضاً عن فهم أعمق للمجتمع الذي يريد تمثيله، والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً تنظيمياً؛ بل هو فارق في فهم معنى العمل الحزبي نفسه.
الحواجز لا تُكسر بالشعارات
لا يكفي أن تعلن الأحزاب اهتمامها بالشباب حتى تصبح قريبة منهم فالمسافة بين الطرفين، حيثما وُجدت، لا تختصرها المسافة الجغرافية بين مقر الحزب والجامعة، بل تتصل بالثقة، وطبيعة الخطاب، ومدى جدية المشاركة المتاحة للشباب.
قد يسمع الطالب خطاباً سياسياً طويلاً، لكنه لا يجد إجابة عن سؤال يتعلق بمستقبله المهني وقد يُدعى إلى لقاء حزبي، لكنه لا يشعر بأن رأيه قادر على إحداث أي تغيير، وقد يُشجَّع على الانضمام، لكنه لا يرى أمامه مساراً واضحاً يتيح له الانتقال من العضوية الشكلية إلى المشاركة الفعلية في النقاش وصناعة القرار هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين علاقة تقوم على المجاملة وعلاقة تقوم على الاقتناع.
ولذلك، فإن كسر الحواجز يبدأ من الاعتراف بأن الشباب ليسوا جمهوراً ينبغي إقناعه بأي ثمن، ولا أرقاماً تضاف إلى السجلات التنظيمية، ولا واجهة تُستدعى لإظهار الحيوية والتجدد، إنهم مواطنون يمتلكون حق السؤال والاختيار والاختلاف، وشركاء يستطيعون الإضافة إلى الحياة الحزبية وتطويرها.
والأحزاب التي تريد بناء علاقة حقيقية معهم مطالبة بأن تفسح لهم المجال لطرح تصوراتهم، وأن تتعامل مع نقدهم باعتباره فرصة للمراجعة، لا تهديدًا لمكانة القائمين عليها، فليس مطلوباً من الطالب أن يأتي إلى الحزب وقد حسم موقفه منه، وإنما أن يجد مساحة آمنة ومحترمة تمكّنه من التعرف إليه ومناقشة أفكاره وتقييم مواقفه بحرية.
الجامعة ليست ساحة للاستقطاب
إن الدعوة إلى تعزيز حضور الأحزاب في الجامعات لا تعني نقل الخلافات السياسية إلى البيئة الأكاديمية، ولا تحويل الطلبة إلى أدوات في صراعات تنظيمية، ولا تجاوز الأنظمة والتعليمات التي تحكم العمل الجامعي، بل تعني بناء علاقة مسؤولة تقوم على الحوار والتثقيف السياسي واحترام استقلالية المؤسسات التعليمية وحرية الطلبة في الاختيار.
فالجامعة التي تتيح للطالب التعرف إلى الأفكار المختلفة، ومناقشتها، واختبار حججها، تمنحه فرصة لفهم السياسة بوصفها ممارسة تقوم على البرامج والمواقف والحوار، لا مجرد انتماءات مسبقة أو خصومات شخصية.
ومن هنا، يمكن أن يكون حضور الأحزاب من خلال لقاءات مفتوحة، وحوارات حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ونقاشات تتناول قضايا الشباب، وأنشطة للتثقيف المدني، تتيح للطلبة الاستماع إلى وجهات نظر متعددة دون ضغط أو إقصاء.
كما أن التنسيق مع إدارات الجامعات والالتزام بالتشريعات الناظمة للعمل الطلابي والحزبي يمثلان شرطًا أساسياً لإنجاح هذا التوجه، فالغاية ليست فرض السياسة على الجامعة، بل فتح المجال أمام نقاش مسؤول حول الشأن العام، يحفظ للجامعة رسالتها التعليمية، وللطالب حريته، وللحزب حقه في التعريف بأفكاره ضمن الأطر المشروعة.
بهذا المعنى، لا تكون الجامعة ساحة لتغليب حزب على آخر، بل مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يختار، وكيف يناقش، وكيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
الشباب شركاء في الحاضر لا وعود للمستقبل
من أكثر العبارات تداولاً في الخطاب العام أن الشباب هم قادة المستقبل، وهي عبارة صحيحة في دلالتها العامة، لكنها قد تتحول، من حيث لا نقصد، إلى وسيلة لتأجيل دورهم في الحاضر.
فإذا كان الشباب هم قادة المستقبل، فلماذا لا يكونون شركاء اليوم في صياغة البرامج، ومناقشة الأولويات، وتطوير أدوات العمل الحزبي؟
إن تجديد الحياة الحزبية لا يتحقق بإضافة أسماء شابة إلى الهيئات أو الصور، وإنما بمنح الشباب مساحة حقيقية للمساهمة في تحديد الأفكار وصناعة المواقف وتحمل المسؤولية. ولا يمكن مطالبة الأحزاب بتطوير خطابها تجاه الشباب إذا لم تكن مستعدة أيضًا إلى الإصغاء لما يقترحونه من تغييرات داخلها.
فالطالب الذي يدخل إلى تجربة حزبية ينبغي أن يجد فرصة للتعلم والمشاركة والتطور، لا أن يظل متلقيًا لقرارات صيغت بعيدًا عنه. كما ينبغي ألا يُختزل دور الشباب في الأنشطة الإعلامية أو الحضور البروتوكولي، بل أن يمتد إلى النقاش الجاد والمساهمة في العمل البرامجي والتنظيمي، وفق قواعد واضحة تضمن الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
والأهم أن تكون هذه المشاركة قائمة على الاقتناع الحر، بعيدًا عن الضغوط أو الوعود الشخصية أو استغلال احتياجات الطلبة. فالعلاقة الحزبية التي تبدأ بالضغط يصعب أن تنتج انتماءً قائمًا على القناعة، بينما العلاقة التي تبدأ بالحوار تتيح مساحة لنمو الثقة وتطورها.
اختبار الجدية يبدأ من الجامعة
إن توجه الأحزاب الأردنية نحو الجامعات ينبغي ألا يُفهم باعتباره حملة مؤقتة لتوسيع قواعدها، بل اختبارًا لمدى استعدادها لتجديد نفسها، ومراجعة أدواتها، والانفتاح على المجتمع.
فالجامعة تضع الحزب أمام أسئلة مباشرة: هل يستطيع شرح برنامجه بلغة واضحة؟ هل يمتلك تصورات قابلة للنقاش بشأن قضايا الشباب؟ هل يتقبل الأسئلة التي لا تناسب خطابه؟ هل يتيح للجيل الجديد المشاركة الفعلية؟ وهل يستطيع أن يحافظ على التواصل حتى بعد انتهاء الفعاليات؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بقدرة الحزب على الوصول إلى الطلبة فحسب، بل بقدرته على بناء علاقة تقوم على المصداقية والاستمرارية. وهي تذكّرنا بأن الثقة لا تُطلب من الشباب، وإنما تُبنى معهم، وأن الإقناع لا يتحقق بمجرد عرض الأفكار، بل بقدرة أصحابها على الدفاع عنها بالحجة، ومراجعتها عند الحاجة، وربطها بمواقف وممارسات ملموسة.
ولعل الأهم أن نجاح هذه العلاقة لا ينبغي أن يُقاس بمدى انضمام الطلبة إلى الأحزاب، وحده، بل أيضًا بمدى اتساع معرفتهم بالحياة السياسية، وقدرتهم على تقييم البرامج، وممارسة حقهم في الاختيار، والمشاركة في الشأن العام بوعي ومسؤولية. فحتى الطالب الذي يقرر، بعد الحوار، عدم الانضمام إلى أي حزب، يكون قد مارس حقه في الاختيار، وربما خرج بفهم أعمق للحياة السياسية.
حان وقت الجسور
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأحزاب الأردنية اليوم ليس ما إذا كانت الجامعات مهمة، بل كيف يمكن بناء علاقة متوازنة ومستدامة معها، تحترم طبيعتها الأكاديمية، وتستجيب لتطلعات الطلبة، وتمنح العمل الحزبي فرصة للانفتاح والتجدد.
فالأحزاب لا تستطيع أن تطالب الشباب بالمشاركة ثم تتركهم يبحثون وحدهم عن طريق الوصول إليها. كما لا تستطيع أن تتحدث باسم الأجيال الجديدة دون أن تمنحها فرصة للتعبير عن نفسها والمساهمة في صياغة ما يمس حاضرها ومستقبلها.
إن بناء الجسور مع الجامعات ليس مهمة علاقات عامة، ولا تفصيلًا تنظيميًا مؤجلًا، بل جزء من بناء علاقة أكثر نضجًا بين المجتمع والعمل الحزبي. وهي علاقة لا تُبنى بالخطب وحدها، وإنما بالحوار المستمر، والاحترام المتبادل، والبرامج الواضحة، والمشاركة الحقيقية.
فالأحزاب التي تريد أن تكون جزءًا من مستقبل الأردن، عليها أن تكون حاضرة في المساحات التي يصنع فيها الشباب أسئلتهم عن ذلك المستقبل.
ولعل البداية الأكثر أهمية ليست أن تدخل الأحزاب إلى الجامعات فحسب، بل أن تدخلها بعقلية مختلفة؛ عقلية ترى في الطالب شريكًا لا هدفًا للاستقطاب، وفي الاختلاف فرصة لا تهديدًا، وفي الحوار وسيلة لبناء الثقة لا مجرد مناسبة لإلقاء الخطابات.
فالمستقبل الحزبي لا يُبنى بانتظار أن يأتي الشباب إلى الأحزاب، بل بالاستعداد للذهاب إليهم، والاستماع إلى أصواتهم، وفتح الأبواب أمامهم. وعندما تصبح هذه العلاقة ممارسة مستمرة لا شعارًا موسميًا، يمكن للجسور أن تبدأ بالامتداد بين الجامعة والحزب، وبين الشباب والحياة العامة، وبين الطموح إلى المشاركة وإمكانية ممارستها فعلًا.
ليس المقصود هنا أن تتحول الجامعات إلى ساحات للتنافس الحزبي، ولا أن تصبح القاعات الدراسية امتداداً لمقارّ التنظيمات السياسية، بل أن تدرك الأحزاب أن علاقتها بالجامعات لم تعد مسألة هامشية يمكن تأجيلها، وإنما جزء من سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العمل الحزبي في الأردن، وقدرته على التواصل مع المجتمع، وتجديد أفكاره، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.
فالجامعة ليست مجرد مؤسسة للتعليم، بل مساحة لتكوين الشخصية، واختبار الأفكار، ومناقشة القضايا العامة، والتعرف إلى الاختلاف وفيها يلتقي الشباب بأسئلة الواقع وتحديات المستقبل، من فرص العمل والعدالة وتكافؤ الفرص، إلى المشاركة في صنع القرار وتحديد الأولويات الوطنية، ومن هنا فإن غياب الأحزاب عن هذا الفضاء أو اقتصار حضورها على مناسبات محدودة يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى قدرتها على بناء علاقة مستدامة مع جيل يمتلك أسئلته الخاصة، ويبحث عن إجابات تتجاوز الخطاب التقليدي.
المشكلة ليست أن الشباب بعيدون عن السياسة بالضرورة، بل أن السياسة الحزبية قد تكون بعيدة عن الطريقة التي يفكر بها الشباب، وعن اللغة التي يفهمونها، وعن القضايا التي ينتظرون منها مواقف واضحة تجاهها،وهنا تبدأ مسؤولية الأحزاب.
من انتظار الشباب إلى الذهاب إليهم
اعتادت بعض الممارسات الحزبية أن تنطلق من افتراض أن على الشاب الراغب في المشاركة أن يبحث عن الحزب، ويتعرف إلى برنامجه، ويطرق أبوابه، ثم يقرر الانضمام إليه لكن هذا التصور وإن كان يحمل جانباً من المنطق التنظيمي، لم يعد كافياً لبناء علاقة متينة مع جيل تتعدد أمامه مصادر المعرفة، وتتسع خياراته في التعبير والمشاركة.
المطلوب اليوم أن تنتقل الأحزاب من انتظار الشباب إلى الذهاب نحوهم، لا بهدف استقطابهم السريع، بل بهدف فهمهم والاستماع إليهم وفتح حوار حقيقي معهم.
وهذا الانتقال لا يعني مجرد تنظيم ندوة داخل جامعة أو المشاركة في فعالية طلابية، ثم اعتبار المهمة منجزة، فالحضور الحقيقي يُقاس بمدى استمرارية التواصل وبقدرة الحزب على الاستماع إلى الأسئلة الصعبة واحترام النقد، وتقديم إجابات واضحة، ومناقشة برامجه دون افتراض أن الشباب مطالبون بتقبّلها مسبقًا.
إن الحزب الذي يذهب إلى الجامعة وعقله مشغول بعدد المنتسبين المحتملين، يختلف عن الحزب الذي يذهب إليها وهو مستعد لمراجعة أفكاره وأدواته، الأول يبحث عن أعضاء جدد، أما الثاني فيبحث أيضاً عن فهم أعمق للمجتمع الذي يريد تمثيله، والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً تنظيمياً؛ بل هو فارق في فهم معنى العمل الحزبي نفسه.
الحواجز لا تُكسر بالشعارات
لا يكفي أن تعلن الأحزاب اهتمامها بالشباب حتى تصبح قريبة منهم فالمسافة بين الطرفين، حيثما وُجدت، لا تختصرها المسافة الجغرافية بين مقر الحزب والجامعة، بل تتصل بالثقة، وطبيعة الخطاب، ومدى جدية المشاركة المتاحة للشباب.
قد يسمع الطالب خطاباً سياسياً طويلاً، لكنه لا يجد إجابة عن سؤال يتعلق بمستقبله المهني وقد يُدعى إلى لقاء حزبي، لكنه لا يشعر بأن رأيه قادر على إحداث أي تغيير، وقد يُشجَّع على الانضمام، لكنه لا يرى أمامه مساراً واضحاً يتيح له الانتقال من العضوية الشكلية إلى المشاركة الفعلية في النقاش وصناعة القرار هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين علاقة تقوم على المجاملة وعلاقة تقوم على الاقتناع.
ولذلك، فإن كسر الحواجز يبدأ من الاعتراف بأن الشباب ليسوا جمهوراً ينبغي إقناعه بأي ثمن، ولا أرقاماً تضاف إلى السجلات التنظيمية، ولا واجهة تُستدعى لإظهار الحيوية والتجدد، إنهم مواطنون يمتلكون حق السؤال والاختيار والاختلاف، وشركاء يستطيعون الإضافة إلى الحياة الحزبية وتطويرها.
والأحزاب التي تريد بناء علاقة حقيقية معهم مطالبة بأن تفسح لهم المجال لطرح تصوراتهم، وأن تتعامل مع نقدهم باعتباره فرصة للمراجعة، لا تهديدًا لمكانة القائمين عليها، فليس مطلوباً من الطالب أن يأتي إلى الحزب وقد حسم موقفه منه، وإنما أن يجد مساحة آمنة ومحترمة تمكّنه من التعرف إليه ومناقشة أفكاره وتقييم مواقفه بحرية.
الجامعة ليست ساحة للاستقطاب
إن الدعوة إلى تعزيز حضور الأحزاب في الجامعات لا تعني نقل الخلافات السياسية إلى البيئة الأكاديمية، ولا تحويل الطلبة إلى أدوات في صراعات تنظيمية، ولا تجاوز الأنظمة والتعليمات التي تحكم العمل الجامعي، بل تعني بناء علاقة مسؤولة تقوم على الحوار والتثقيف السياسي واحترام استقلالية المؤسسات التعليمية وحرية الطلبة في الاختيار.
فالجامعة التي تتيح للطالب التعرف إلى الأفكار المختلفة، ومناقشتها، واختبار حججها، تمنحه فرصة لفهم السياسة بوصفها ممارسة تقوم على البرامج والمواقف والحوار، لا مجرد انتماءات مسبقة أو خصومات شخصية.
ومن هنا، يمكن أن يكون حضور الأحزاب من خلال لقاءات مفتوحة، وحوارات حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ونقاشات تتناول قضايا الشباب، وأنشطة للتثقيف المدني، تتيح للطلبة الاستماع إلى وجهات نظر متعددة دون ضغط أو إقصاء.
كما أن التنسيق مع إدارات الجامعات والالتزام بالتشريعات الناظمة للعمل الطلابي والحزبي يمثلان شرطًا أساسياً لإنجاح هذا التوجه، فالغاية ليست فرض السياسة على الجامعة، بل فتح المجال أمام نقاش مسؤول حول الشأن العام، يحفظ للجامعة رسالتها التعليمية، وللطالب حريته، وللحزب حقه في التعريف بأفكاره ضمن الأطر المشروعة.
بهذا المعنى، لا تكون الجامعة ساحة لتغليب حزب على آخر، بل مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يختار، وكيف يناقش، وكيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
الشباب شركاء في الحاضر لا وعود للمستقبل
من أكثر العبارات تداولاً في الخطاب العام أن الشباب هم قادة المستقبل، وهي عبارة صحيحة في دلالتها العامة، لكنها قد تتحول، من حيث لا نقصد، إلى وسيلة لتأجيل دورهم في الحاضر.
فإذا كان الشباب هم قادة المستقبل، فلماذا لا يكونون شركاء اليوم في صياغة البرامج، ومناقشة الأولويات، وتطوير أدوات العمل الحزبي؟
إن تجديد الحياة الحزبية لا يتحقق بإضافة أسماء شابة إلى الهيئات أو الصور، وإنما بمنح الشباب مساحة حقيقية للمساهمة في تحديد الأفكار وصناعة المواقف وتحمل المسؤولية. ولا يمكن مطالبة الأحزاب بتطوير خطابها تجاه الشباب إذا لم تكن مستعدة أيضًا إلى الإصغاء لما يقترحونه من تغييرات داخلها.
فالطالب الذي يدخل إلى تجربة حزبية ينبغي أن يجد فرصة للتعلم والمشاركة والتطور، لا أن يظل متلقيًا لقرارات صيغت بعيدًا عنه. كما ينبغي ألا يُختزل دور الشباب في الأنشطة الإعلامية أو الحضور البروتوكولي، بل أن يمتد إلى النقاش الجاد والمساهمة في العمل البرامجي والتنظيمي، وفق قواعد واضحة تضمن الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
والأهم أن تكون هذه المشاركة قائمة على الاقتناع الحر، بعيدًا عن الضغوط أو الوعود الشخصية أو استغلال احتياجات الطلبة. فالعلاقة الحزبية التي تبدأ بالضغط يصعب أن تنتج انتماءً قائمًا على القناعة، بينما العلاقة التي تبدأ بالحوار تتيح مساحة لنمو الثقة وتطورها.
اختبار الجدية يبدأ من الجامعة
إن توجه الأحزاب الأردنية نحو الجامعات ينبغي ألا يُفهم باعتباره حملة مؤقتة لتوسيع قواعدها، بل اختبارًا لمدى استعدادها لتجديد نفسها، ومراجعة أدواتها، والانفتاح على المجتمع.
فالجامعة تضع الحزب أمام أسئلة مباشرة: هل يستطيع شرح برنامجه بلغة واضحة؟ هل يمتلك تصورات قابلة للنقاش بشأن قضايا الشباب؟ هل يتقبل الأسئلة التي لا تناسب خطابه؟ هل يتيح للجيل الجديد المشاركة الفعلية؟ وهل يستطيع أن يحافظ على التواصل حتى بعد انتهاء الفعاليات؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بقدرة الحزب على الوصول إلى الطلبة فحسب، بل بقدرته على بناء علاقة تقوم على المصداقية والاستمرارية. وهي تذكّرنا بأن الثقة لا تُطلب من الشباب، وإنما تُبنى معهم، وأن الإقناع لا يتحقق بمجرد عرض الأفكار، بل بقدرة أصحابها على الدفاع عنها بالحجة، ومراجعتها عند الحاجة، وربطها بمواقف وممارسات ملموسة.
ولعل الأهم أن نجاح هذه العلاقة لا ينبغي أن يُقاس بمدى انضمام الطلبة إلى الأحزاب، وحده، بل أيضًا بمدى اتساع معرفتهم بالحياة السياسية، وقدرتهم على تقييم البرامج، وممارسة حقهم في الاختيار، والمشاركة في الشأن العام بوعي ومسؤولية. فحتى الطالب الذي يقرر، بعد الحوار، عدم الانضمام إلى أي حزب، يكون قد مارس حقه في الاختيار، وربما خرج بفهم أعمق للحياة السياسية.
حان وقت الجسور
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأحزاب الأردنية اليوم ليس ما إذا كانت الجامعات مهمة، بل كيف يمكن بناء علاقة متوازنة ومستدامة معها، تحترم طبيعتها الأكاديمية، وتستجيب لتطلعات الطلبة، وتمنح العمل الحزبي فرصة للانفتاح والتجدد.
فالأحزاب لا تستطيع أن تطالب الشباب بالمشاركة ثم تتركهم يبحثون وحدهم عن طريق الوصول إليها. كما لا تستطيع أن تتحدث باسم الأجيال الجديدة دون أن تمنحها فرصة للتعبير عن نفسها والمساهمة في صياغة ما يمس حاضرها ومستقبلها.
إن بناء الجسور مع الجامعات ليس مهمة علاقات عامة، ولا تفصيلًا تنظيميًا مؤجلًا، بل جزء من بناء علاقة أكثر نضجًا بين المجتمع والعمل الحزبي. وهي علاقة لا تُبنى بالخطب وحدها، وإنما بالحوار المستمر، والاحترام المتبادل، والبرامج الواضحة، والمشاركة الحقيقية.
فالأحزاب التي تريد أن تكون جزءًا من مستقبل الأردن، عليها أن تكون حاضرة في المساحات التي يصنع فيها الشباب أسئلتهم عن ذلك المستقبل.
ولعل البداية الأكثر أهمية ليست أن تدخل الأحزاب إلى الجامعات فحسب، بل أن تدخلها بعقلية مختلفة؛ عقلية ترى في الطالب شريكًا لا هدفًا للاستقطاب، وفي الاختلاف فرصة لا تهديدًا، وفي الحوار وسيلة لبناء الثقة لا مجرد مناسبة لإلقاء الخطابات.
فالمستقبل الحزبي لا يُبنى بانتظار أن يأتي الشباب إلى الأحزاب، بل بالاستعداد للذهاب إليهم، والاستماع إلى أصواتهم، وفتح الأبواب أمامهم. وعندما تصبح هذه العلاقة ممارسة مستمرة لا شعارًا موسميًا، يمكن للجسور أن تبدأ بالامتداد بين الجامعة والحزب، وبين الشباب والحياة العامة، وبين الطموح إلى المشاركة وإمكانية ممارستها فعلًا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 13:38