الشباب والشابات في مواجهة التضليل الرقمي.. التوعية الدينية الرقمية سلاح لمواجهة التطرف

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 19:09
مدار الساعة - كتب سيف العمري -
في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتعدد فيه مصادر المعرفة، أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءً أساسياً من حياة الشباب والشابات، ومصدراً رئيساً لتلقي المعلومات والأفكار والتوجهات والمعارف، حيث باتت التوعية الدينية الرقمية أمام مسؤولية متجددة تتمثل في مواكبة أدوات العصر، وتقديم خطاب ديني معتدل وواع، قادر على الوصول إلى الشباب بلغتهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، وتعزيز ارتباطهم بالقيم الإسلامية القائمة على التسامح والرحمة والاعتدال واحترام الآخر.

وبينما تتيح هذه الوسائل فرصا واسعة للتعلم والتواصل، فإنها تفرض تحديات متزايدة تتعلق بانتشار المعلومات الدينية غير الدقيقة، وصعود الخطاب المتشدد، وتداول الفتاوى دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، مما يجعل التوعية الدينية مسؤولية متجددة تتطلب أدوات عصرية وخطابا قريبا من اهتمامات الجيل الجديد.

و قال الدكتور علاء المخزومي من كلية العلوم التربوية بجامعة اليرموك ، إن التوعية في العصر الرقمي تتطلب تطوير أساليب التواصل، بحيث لا تقتصر على نقل المعلومة، بل تمتد إلى الحوار والإقناع وتنمية التفكير الواعي، مع مراعاة خصوصية المرحلة العمرية للشباب والشابات، وما يرافقها من تساؤلات فكرية واجتماعية ونفسية.

و أضاف، أن تبسيط الخطاب الديني يشكل أحد المداخل الأساسية لتعزيز حضور المؤسسات الدينية في حياة الشباب، من خلال تقديم محتوى واضح ومختصر، يرتبط بقضاياهم اليومية، ويجيب عن تساؤلاتهم بلغة قريبة منهم، بعيدا عن التعقيد أو الاكتفاء بالمواعظ التقليدية.

و زاد، أن أهمية دور مديريات الأوقاف تبرز في مواكبة هذه التحولات، عبر إعداد مواد توعوية رقمية تتناول موضوعات مثل بر الوالدين، محاربة خطاب الكراهية والعنف و حسن التعامل مع الآخرين، واحترام التنوع، ومخاطر التنمر الإلكتروني، والشائعات، والابتزاز عبر الإنترنت، إضافة إلى أخلاقيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واستثمار الوقت، وتعزيز قيم المسؤولية والانتماء الوطني، اضافة الى وجوب تطوير أساليب التوعية والإرشاد الديني، وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي، بما يسهم في إيصال رسالة الإسلام القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح، وترسيخ الوعي الديني لدى الشباب والشابات، وتمكينهم من التمييز بين المعرفة الموثوقة والمعلومات المضللة.

و أكد المخزومي، أن غياب التوعية الدينية المناسبة في البيئة الرقمية يشكل مجموعة من التحديات، في مقدمتها ترك المجال أمام مصادر غير موثوقة لتقديم تفسيرات مغلوطة للنصوص الدينية، أو نشر أحكام مجتزأة من سياقها، أو استغلال المشاعر الدينية لدى الشباب لتحقيق أهداف فكرية أو شخصية، و ضعف الوعي في انتشار الأفكار المتطرفة، أو تعزيز التعصب ورفض الاختلاف، بما يتعارض مع قيم الحوار والتسامح واحترام الآخر.

و أضاف، أن الفضاء الرقمي يفرض تحديا إضافيا يتمثل في سرعة انتشار الأفكار المتطرفة والمعلومات الدينية غير الدقيقة، الأمر الذي يجعل تعزيز الوعي الديني القائم على المعرفة والفهم ضرورة مجتمعية، اذ لا تقتصر مواجهة هذه الظاهرة على تصحيح المعلومات الخاطئة بعد انتشارها، بل تتطلب بناء وعي مسبق لدى الشباب والشابات، وتمكينهم من طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار، وتقديم إجابات موثوقة تتسم بالوضوح والحجة، وتؤكد أن الإسلام يقوم على العدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان ونبذ العنف والكراهية.

من جهته، قال الدكتور طارق الناصر من كلية الصحافة و الاعلام بجامعة اليرموك، إن المساجد لم تعد وحدها المكان الذي يتلقى فيه الشباب المعرفة الدينية، إذ أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي مصدرا يوميا للمعلومات، بما تحمله من فرص لنشر المعرفة الصحيحة، وما تفرضه في الوقت ذاته من تحديات تتعلق بانتشار المعلومات غير الموثوقة، والمقاطع المجتزأة، والخطابات المتشددة التي قد تستغل حاجة الشباب إلى إجابات واضحة عن قضايا الدين والحياة.

و أضاف، أن الآثار على الجانب الفكري لا تقتصر على ذلك فحسب، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والأسرية، إذ يمكن أن يؤدي تداول المعلومات غير الدقيقة إلى إثارة الخلافات، أو تكريس أحكام مسبقة تجاه الآخرين، أو تقديم تصورات غير متوازنة حول العلاقات الأسرية وحقوق المرأة والشباب ومسؤولياتهم. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى خطاب ديني واع يربط المبادئ الإسلامية بواقع الحياة اليومية، ويقدم إجابات واضحة عن الأسئلة التي تشغل الأجيال الجديدة.

و لفت الى أن المحتوى الديني غير الموثوق يشكل أحد أبرز التحديات في ظل سهولة نشر المقاطع القصيرة والمنشورات التي تحصد التفاعل بسرعة، دون التحقق من مصادرها أو دقة مضمونها، حيث قد يجد الشاب أو الشابة نفسيهما أمام آراء متعارضة وفتاوى متباينة، يصعب التمييز بينها في غياب المعرفة الشرعية الأساسية والقدرة على التحقق من المصادر.

و اكد الناصر أن التوعية الدينية في العصر الرقمي لم تعد خيارا تكميليا، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة الحياة المعاصرة، وتستدعي من المؤسسات الدينية تطوير أدواتها وأساليبها دون التفريط بثوابتها، منا يعزز رسالة وزارة الأوقاف في قدرة الوصول إلى الشباب كلما جمعت بين موثوقية المعرفة الدينية، وحيوية الوسائل الرقمية، وقرب الخطاب من اهتمامات الأجيال الجديدة؛ فالمطلوب ليس مجرد حضور على الشاشات، بل حضور مؤثر يبني الوعي، ويعزز الاعتدال، ويرسخ قيم التسامح والانتماء، ويجعل من التكنولوجيا وسيلة لنشر الخير والمعرفة وخدمة المجتمع.

بدورها قالت الطالبة بقسم الصحافة والإعلام الرقمي بجامعة اليرموك روعة عبيدات، إن الواعظات والمرشدات الدينيات يشكلن عنصرا مهما في تعزيز الوعي لدى الفتيات والشابات، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالأسرة والتربية والعلاقات الاجتماعية والتحديات التي يفرضها الاستخدام اليومي للإنترنت، حيث يمكن للدروس التفاعلية واللقاءات الرقمية أن تتيح مساحة آمنة لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا الحساسة، ضمن إطار يحفظ الخصوصية ويعزز الثقة بالمؤسسات الدينية.

وفي موازاة ذلك، بينت أن أهمية دور الواعظات في الوصول إلى الفتيات والشابات، يبرز في القضايا المتعلقة بالأسرة والعلاقات الاجتماعية والتحديات التي تفرضها البيئة الرقمية؛ فوجود مساحات حوارية آمنة تتيح للشابات طرح أسئلتهن بحرية، والحصول على إجابات دينية وتوجيهات تربوية من مختصات، مما يعزز الثقة بالمؤسسات الدينية، ويوفر بديلا موثوقا عن المصادر المجهولة التي قد تقدم معلومات غير دقيقة أو تفسيرات مجتزأة.

و أكدت أن دور أئمة المساجد وخطباء الجمعة لايقل أهمية عن دور المنصات الرقمية، إذ يمكنهم توظيف اللقاءات المباشرة لتوضيح المفاهيم الدينية، وتعزيز قيم المسؤولية والتكافل واحترام كرامة الإنسان، ثم توسيع أثر هذه الرسائل من خلال نشر خلاصاتها عبر الوسائل الإلكترونية؛ فالتكامل بين المسجد والفضاء الرقمي يمنح التوعية فرصة للوصول إلى شرائح أوسع، بما فيها الشباب والشابات اللذين لا يشاركون بانتظام في الأنشطة الدينية التقليدية.

و أضافت عبيدات، أن نجاح هذه الجهود يتطلب الاستماع إلى الشباب والشابات ومعرفة القضايا التي تشغلهم، بدل الاكتفاء بتقديم رسائل عامة لا تلامس احتياجاتهم؛ فالحوار حول التنمر الإلكتروني، والشائعات، وخطاب الكراهية والعنف، والعلاقات الأسرية، والضغوط النفسية والاجتماعية، يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لربط القيم الدينية بالتحديات اليومية، بالتعاون مع المختصين في علوم التربية و الاجتماع و النفس والإعلام.

من جهتها، قالت الطالبة بقسم الصحافة والإعلام الرقمي بجامعة اليرموك طيف ابداح، إن المصداقية والقدرة على الحوار من أهم عوامل نجاح التوعية الدينية الرقمية؛ فالشباب والشابات يحتاجون إلى خطاب يستمع إلى أسئلتهم، ويحترم عقولهم، ويقدم إجابات قائمة على العلم والحجة، بعيدا عن التخويف أو التعميم، مؤكدة أن تدريب الوعاظ والأئمة على مهارات الاتصال الرقمي، والتحقق من المعلومات، والتعامل مع الشائعات، بات ضرورة لتعزيز حضور المؤسسات الدينية في بيئة تتنافس فيها مصادر متعددة على جذب انتباه الجمهور.

و أضافت، أن التوعية الدينية في العصر الرقمي لم تعد خيارا إضافيا، بل ضرورة لحماية الوعي من التضليل، وتعزيز الانتماء المجتمعي، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، عبر تطوير أدوات التواصل، وتوسيع الشراكات، والاستماع إلى احتياجات الأجيال الجديدة، حيث تستطيع وزارة الأوقاف ومديرياتها والمختصون في الشؤون الدينية تعزيز إيصال رسالتهم إلى الشباب والشابات، مما يجعل الفضاء الرقمي مساحة للمعرفة والحوار وبناء الوعي، لا ساحة لانتشار الأفكار المغلوطة والانقسامات.

و زادت، أن ذلك يستدعي تطوير مهارات الأئمة والوعاظ في التواصل الرقمي، وإكسابهم أدوات إعداد المحتوى وتقديم الرسائل بصورة مهنية، مع الالتزام بالدقة في نقل المعلومات الشرعية، والرجوع إلى المصادر المعتمدة، وعدم الانجرار وراء الإثارة أو السعي إلى زيادة المشاهدات على حساب مضمون الرسالة.

من جهته قال مدير أوقاف إربد الأولى الدكتور رائد جروان، إن الخطاب الديني اليوم أصبح يشكل تحديا استثنائيا يتمثل في ضرورة الانتقال من الأساليب التقليدية إلى أدوات العصر الرقمي لمخاطبة جيل الشباب عبر منصاتهم المفضلة، حيث تسعى مديريات الأوقاف إلى الدمج بين الأصالة والحديث من خلال تطوير الخطاب وإشراك التكنولوجيا في أنشطتها التوعوية والقرآنية.

و أضاف، أن مديرية أوقاف إربد الأولى تعتمد على عدة محاور رئيسة لضمان وصول رسالتها بفاعلية، منها صناعة المحتوى الرقمي الموجه مثل استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث مواعظ قصيرة مباشرة تناسب طبيعة التصفح السريع لدى الشباب، و تطوير الخطاب الدعوي عبر تدريب الأئمة والوعاظ على التفاعل مع القضايا المعاصرة كالأمن السيبراني، الاستخدام الرشيد للشبكة، مواجهة الإشاعات لرد الشبهات بلغة العصر.

و زاد، أن دور القرآن الكريم والمراكز الصيفية، تعتبر البيئة الحاضنة الأساسية التي تترجم هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، حيث تجهز مديرية أوقاف إربد الأولى سنوياً مئات المراكز الصيفية الموزعة على المساجد التابعة لها، حيث بلغت أكثر من 240 مركزاً صيفياً للذكور والإناث، تحرص فيها هذه المراكز على الدمج بين التلاوة والأنشطة الرقمية؛ اذ لم تعد هذه المراكز تقتصر على التلقين والتسميع التقليدي، بل أدخلت إليها الوسائط المتعددة، مثل عرض مقاطع مرئية لأحكام التجويد، والمسابقات القرآنية الإلكترونية عبر الهواتف أو الشاشات التفاعلية، و إقامة الفعاليات والأنشطة القرآنية والتربوية في مساجد مركزية ورئيسية مثل مسجد إربد الكبير ومسجد الشهداء، حيث يربط التحفيظ بورش عمل حول الأخلاق الرقمية وبناء الشخصية المتوازنة، اضافة إلى تشجيع الطلبة في دور القرآن على استخدام تطبيقات حفظ ومراجعة القرآن الكريم، مع توفير المتابعة عن بعد خلال العام الدراسي.

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 19:09