يا عين حمود لا تبكي.. من هنا نبدأ

د. معتز جريسات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 11:52
الرحمة لشهداء الوطن، الذين ارتقوا وهم يؤدون واجبهم، والشفاء العاجل للمصابين، والصبر والقوة لعائلاتهم وأحبتهم.

اليوم، ونحن نقف أمام وجع الكرك، لا يكفي أن نحزن، ولا يكفي أن نستذكر شهداءنا، ولا أن نكتفي بعبارات الاستنكار والتضامن. نحن أمام مسؤولية وطنية وتاريخية تفرض علينا أن نسأل:

ماذا بعد الحادثة؟

وكيف نحمي الأردن من الفكر الذي يصنع الإرهاب، ومن الجهل الذي يغذيه، ومن خطاب الكراهية الذي يمزق المجتمعات؟

يا عين حمود لا تبكي… فدماء الشهداء أمانة في أعناقنا، ووجع أهلهم مسؤولية وطن بأكمله.

إن شهداءنا لم يتركوا لنا الحزن وحده؛ بل تركوا لنا واجباً وطنياً، بأن نجعل من هذه الفاجعة نقطة تحول في مواجهة التطرف، وأن نبدأ معركة الوعي قبل أن نواجه نتائج الجهل والكراهية.

لقد آن الأوان أن ننتقل من رد الفعل إلى الفعل، ومن بيانات الإدانة إلى استراتيجية وطنية متكاملة، تجعل المدرسة والجامعة والأسرة والمسجد والكنيسة والإعلام والمؤسسات الوطنية شركاء في حماية عقول أبنائنا وصيانة مستقبلهم.

نريد دولة قوية بأمنها، عادلة بقانونها، متقدمة بتعليمها، ومستنيرة بثقافتها. دولة لا تكتفي بملاحقة الإرهاب بعد وقوعه، بل تعمل على تجفيف منابعه الفكرية، وتعزز الانتماء الوطني، وتغلق الأبواب أمام كل خطاب يبرر العنف أو يحرض على الكراهية.

ونقولها بوضوح: لسنا أمام مواجهة بين دين ودين، ولا بين طائفة وطائفة، ولا بين أردني وآخر. نحن أمام مواجهة بين الدولة والقانون من جهة، والفكر المتطرف والعنف من جهة أخرى.

نحن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، أبناء وطن واحد، وشركاء في تاريخه وحاضره ومستقبله. شهداء الوطن أبناؤنا جميعاً، وكرامة الإنسان الأردني وحقه في الحياة والأمن ليستا موضع مساومة.

ومن هنا، فإن واجبنا اليوم أن نطلق مشروعاً وطنياً للتنوير ومكافحة التطرف، يبدأ من التعليم، ويمر بالثقافة والإعلام والخطاب الديني، ويصل إلى كل بيت وقرية ومدينة في الأردن.

مشروعاً يعيد الاعتبار للعقل، ويعلم أبناءنا أن الاختلاف ليس عداءً، وأن الإيمان لا يكون بالكراهية، وأن الوطنية ليست شعاراً، بل مسؤولية ومواطنة واحترام للقانون والإنسان.

رحم الله شهداء الكرك، وحفظ الأردن وقيادته وشعبه وأجهزته الأمنية.

يا عين حمود لا تبكي… ولكن اشهدي أننا لن نسمح للحزن أن يتحول إلى يأس، ولا للدماء أن تمر من دون أن نتعلم، ولا للإرهاب أن ينتصر على قيم الحياة.

من هنا نبدأ؛ من المدرسة، ومن الجامعة، ومن المنبر، ومن البيت، ومن مؤسسات الدولة.

نبدأ ببناء الإنسان الأردني الواعي، ونحصّن وطننا بالعلم والعدالة والوعي والوحدة الوطنية.

من دماء الشهداء نأخذ العهد، ومن وجع الكرك نطلق البداية، ومن أجل الأردن نعمل ومن اجل مستقبل ابني وابنك نبني أردننا الأجمل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 11:52