'رح نورجيهم'.. حين تتحول الكلمة الملكية إلى عنوان للحزم

المحامي الدكتور يوسف البشتاوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/27 الساعة 08:35
لم تكن عبارة جلالة الملك عبدالله الثاني «رح نورجيهم»، خلال زيارته للمصابين في الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، مجرد كلمات عابرة في لحظة ألم وغضب، بل حملت في مضامينها رسالة واضحة بأن دم الأردنيين غالٍ، وأن أمن الوطن واستقراره ليسا مجالًا للتهاون أو المساومة، وأن الدولة التي تقف إلى جانب أبنائها في لحظات الوجع، تمتلك من الإرادة والقدرة ما يمكّنها من ملاحقة كل من يحاول استهدافهم أو العبث بأمنهم.

ومع إعلان مديرية الأمن العام إلقاء القبض على الإرهابيين الثلاثة منفذي الاعتداء، بدت تلك العبارة وكأنها تختصر مسارًا من الحزم والمسؤولية، عنوانه أن الجريمة لن تمر دون ملاحقة ومحاسبة وفق القانون.

ففي عملية أمنية نفذتها الفرق المختصة المشتركة والأجهزة الأمنية، فجر امس، وبعد جهود متواصلة من البحث والتمشيط والتحقيق، تمكنت القوات من تحديد مكان وجود الإرهابيين الثلاثة، الذين تحصنوا داخل أحد المنازل المهجورة ورفضوا الاستسلام، قبل أن يبادروا بإطلاق النار باتجاه القوة الأمنية ، ووفق بيان مديرية الأمن العام، طبقت القوة قواعد الاشتباك، وتمكنت من السيطرة على الموقف وإلقاء القبض عليهم بعد إصابتهم جميعًا، دون وقوع إصابات في صفوف القوة الأمنية، فيما ضُبطت بحوزتهم مجموعة من الأسلحة النارية والعتاد.

هذه العملية لا تقف عند حدود نجاح أمني في تحديد مكان المطلوبين وإلقاء القبض عليهم، بل تعكس أهمية العمل الاستخباري والتحقيقي والميداني المتواصل، والجاهزية التي تتطلبها مواجهة الجرائم الإرهابية، وصولًا إلى حماية المواطنين وترسيخ سيادة القانون.

كما تؤكد أن التعامل مع مثل هذه الاعتداءات لا يقوم على ردود الفعل العابرة، بل على عمل مؤسسي منظم، تتابع فيه الأجهزة المختصة خيوط القضية، وتلاحق المتورطين، وتعمل على تقديمهم للعدالة، بما يضمن إنصاف الضحايا وصون أمن المجتمع.

ولعل ما يمنح هذه التطورات دلالتها الأعمق هو اقترانها بالموقف الملكي الذي عبّر عن قرب القيادة من المواطنين المصابين، وعن رفض استهداف الأبرياء في دور العبادة ، فزيارة جلالة الملك للمصابين لم تكن مجرد واجب إنساني للاطمئنان على أحوالهم، وإنما حملت رسالة وطنية جامعة بأن الدولة تقف إلى جانب كل أردني، وأن الاعتداء على مواطن بسبب مكان عبادته أو هويته الدينية هو اعتداء على قيم الأردن وثوابته.

لقد أعادت العملية الأمنية التأكيد أن مواجهة الإرهاب مسؤولية مؤسسية ومجتمعية مشتركة، وأن حماية الوطن لا تقتصر على جهود الأجهزة الأمنية وحدها، رغم دورها المحوري، بل تحتاج أيضًا إلى وعي المواطنين، ورفض خطاب الكراهية والتطرف، وعدم السماح للمجرمين بتحقيق أهدافهم في بث الخوف والانقسام.

وبين الوجع الذي خلفه الاعتداء، والجهود الأمنية التي انتهت بإلقاء القبض على منفذيه، تبقى الرسالة الأهم أن الأردن لن يسمح للإرهاب بأن يفرض عليه الخوف أو يعبث بنسيجه الوطني.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/27 الساعة 08:35