الإرهاب وتشكيل عصابة الأشرار للاعتداء على دور العبادة في ضوء التشريع الأردني

الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 20:48
يُعد العيش المشترك والوئام الديني في المملكة الأردنية الهاشمية الركيزة الأساسية التي بُنيت عليها الجبهة الداخلية عبر تاريخها. ولم تكن القوانين الأردنية يوماً مجرد نصوص جامدة، بل جاءت تعبيراً حياً عن فلسفة الدولة في صيانة السلم الأهلي وحماية حقوق الأفراد في ممارسة شعائرهم بأمان. إن دراسة الجرائم المركبة التي تقترن فيها الأفكار المتطرفة بتشكيل مجموعة جرمية تستهدف الكنائس أو المساجد، تتطلب قراءة تفكيكية دقيقة لتبيان كيف واجه المشرع الأردني هذا النمط الجرمي الخطير بوصفه سلوكاً معزولاً، صوناً للمصلحة الوطنية العليا وتطبيقاً لسيادة القانون.

أولاً: المقاربة التشريعية الأردنية في تجريم إثارة النعرات وحماية المقرّات الدينية

تتجلى حكمة المشرع الأردني في إيجاد حماية استباقية ومباشرة للمقدسات والنسيج الاجتماعي من خلال نصوص قاطعة لا تحتمل التأويل:

1. صيانة المقرّات الدينية (الكنائس والمساجد): أفرد قانون العقوبات الأردني نصاً مباشراً في المادة (275)، يجرّم كل من أقدم على تخريب، أو تدنيس، أو هدم مكان مخصص للعبادة، أو شعار ديني يحظى بالاحترام، فارضاً عقوبة الحبس التي تصل إلى ثلاث سنوات. هذا النص يثبت أن صون حرية المعتقد وحرمة المقرات الدينية خط أحمر في فلسفة العدالة الأردنية.

2. تجفيف منابع الفتنة: انتبه القانون إلى أن الاعتداء المادي يسبقه دائماً شحن فكري؛ لذا جاءت المادة (150) من قانون العقوبات لتجريم أي فعل أو خطاب يهدف إلى إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية. وتعزز هذا الردع عبر المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية النافذ، والتي فرضت عقوبات مغلظة بالحبس والغرامات المالية لكل من يستغل الفضاء الرقمي لبث خطابات الكراهية أو السعي لتفتيت الوحدة الوطنية.

ثانياً: المعيار العددي والجنائي لعصابة الأشرار في ضوء قانون العقوبات

على أرض الواقع، عندما يتجاوز الفعل التخطيط الفردي إلى التنسيق الجماعي، يرتفع التوصيف الجنائي للجريمة لتصبح جريمة منظمة تستوجب عقوبات أشد غلظة:

1. تأليف جمعية أشرار: نصت المادة (157) من قانون العقوبات على تجريم أي اتفاق يقع بين شخصين أو أكثر بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال، وتصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات.

2.تشكيل عصابة أشرار مسلحة: حددت المادة (158) المعيار العددي بوجود ثلاثة أشخاص أو أكثر؛ حيث يعتبر تجمع هذا العدد بغرض التعدي على الأشخاص أو صيانة مقاصد جرمية مشتركة جناية كبرى تستوجب الأشغال الشاقة المؤقتة. وبالتالي، فإن تنسيق ثلاثة أشخاص للاعتداء على دار عبادة ينقل الجريمة فوراً من سياقها العادي إلى إطار "تشكيل عصابة أشرار."

ثالثاً: أركان التكييف الجرمي للعمل الإرهابي والتجنيد الفكري بموجب قانون منع الإرهاب

إن استهداف مكان له قدسية دينية بغرض بث الفرقة لا يُعامل كجريمة جنائية عادية، بل يقع في قلب التكييف الخاص بجرائم الإرهاب. فوفقاً للمادة (147) من قانون العقوبات وقانون منع الإرهاب الأردني رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته، يتحقق الركن المعنوي والمادي للجريمة الإرهابية من خلال:

1. الغاية الإجرامية: السعي لزعزعة استقرار النظام العام، وإحداث الفتنة الطائفية، وتفتيت اللحمة المجتمعية.

2. النتيجة المترتبة: إلقاء الرعب بين الناس، وترويع المصلين الآمنين، وتعريض حياة المواطنين وممتلكاتهم للخطر.

3. التجنيد والاستقطاب: ينظر القانون ببالغ الخطورة إلى عمليات التغرير بالشباب أو الفتيات واستقطابهم؛ لذا اعتبر قانون منع الإرهاب أن تجنيد الأشخاص أو محاولة إلحاقهم بجمعيات أو عصابات جرمية لتنفيذ هذه المشاريع هو جناية مستقلة تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

رابعاً: الاختصاص النوعي لمحكمة أمن الدولة والنيابة العامة في صيانة الاستقرار الداخلي

نظراً لطبيعة هذه الجرائم ومساسها المباشر بالأمن الوطني والسلم الأهلي، فإن الإجراءات القانونية تسير بمسار خاص وصارم تبدأ من جهود الأجهزة الأمنية ومكافحة الإرهاب في إحباط المخطط وجمع الأدلة، وتنتهي بالإحالة الفورية لأطراف القضية والمضبوطات إلى محكمة أمن الدولة، بصفتها المحكمة الخاصة ذات الاختصاص الحصري والنوعي بموجب القانون الأردني للنظر في الجرائم المنصوص عليها في قانون منع الإرهاب

جناية تشكيل عصابة الأشرار والجمعيات الجرمية (المادتين 157 و158 من قانون العقوبات).1

الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي (كإثارة النعرات التي تفضي لاضطرابات مسلحة).2

ويتولى مدعي عام محكمة أمن الدولة صياغة لائحة الاتهام وإسناد التهم المترابطة (المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، وتشكيل عصابة أشرار)، وتصل العقوبات في حال الإدانة إلى الأشغال الشاقة لمدد طويلة، وتصل حكماً إلى الإعدام إذا أفضى الفعل الجرمي إلى موت إنسان أو هدم المقر الديني المستهدف كلياً أو جزئياً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 20:48