سقط الإرهابيون في قبضة الدولة ولكن هل سقط الفكر الذي صنعهم؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 16:55
معركة الأردن الحقيقية تبدأ بعد القبض على القتلة. أقولها اليوم، وبكل وضوح ودون مجاملة: إن إلقاء القبض على الإرهابيين الذين ارتكبوا جريمة الكرك هو انتصار أمني للدولة الأردنية ولكنه ليس نهاية المعركة. بل أخشى أن نكون أمام بداية معركة أكثر خطورة وعمقاً، معركة لا تدور مع مسلح يحمل بندقية، وإنما مع فكر يحمل مشروعاً لتدمير الدولة من داخلها.
لقد أدت أجهزتنا الأمنية واجبها بشرف واقتدار وأثبتت مجدداً أن الأردن يمتلك مؤسسات أمنية محترفة، ورجالاً لا يترددون في الدفاع عن أمن الوطن وكرامة مواطنيه. ولهؤلاء الرجال كل الاحترام والتقدير. ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بعيداً عن نشوة الإنجاز الأمني، هو كيف وصلنا إلى هنا أصلاً؟ وكيف استطاع الفكر التكفيري أن يجد له مكاناً في مجتمع أردني عرفناه متماسكاً معتدلاً عصياً على الانقسام؟
من الخطأ الاستراتيجي الفادح أن نتعامل مع الإرهاب باعتباره مجرد جريمة قتل لأن القاتل في هذه الحالة ليس سوى المنتج النهائي لمنظومة فكرية مريضة تبدأ بتشويه الوعي وتمر بتكفير الآخر وتنتهي باستباحة دمه.
والأخطر أن هذه المنظومة لا تحتاج دائماً إلى تنظيم مسلح أو قيادة خارجية. فقد تبدأ بكلمة في مجلس أو خطاب تحريضي أو تفسير ديني متطرف أو محتوى إلكتروني يحوّل الكراهية إلى قناعة والقناعة إلى استعداد للقتل.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة التي لا يجوز أن نهرب منها. هل نعرف فعلاً حجم انتشار الفكر التكفيري في مجتمعنا الأردني؟ هل نمتلك دراسات أمنية واجتماعية جادة تحدد البيئات التي ينشط فيها؟ هل نراقب مصادر إنتاج التطرف بالقدر نفسه الذي نراقب فيه نتائجه؟ وهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن بعض مظاهر التشدد التي تساهلنا معها اجتماعياً قد تتحول، إذا تُركت دون مواجهة، إلى تهديد مباشر للأمن الوطني؟
لا أدّعي أن الفكر التكفيري تغلغل في كل مؤسساتنا أو شرائح مجتمعنا فهذا يحتاج إلى أدلة وتحقيقات. لكن الجريمة تفرض علينا أن نبحث بجدية عن مدى انتشاره وألا ننتظر جريمة أخرى حتى نكتشف مواطن الخلل.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعتقل الإرهابي ثم نترك البيئة الفكرية التي قد تنتج إرهابياً آخر دون مساءلة أو إصلاح.
وأنا هنا لا أتحدث عن التضييق على الدين ولا عن استهداف المتدينين ولا عن محاكمة الناس على معتقداتهم. أتحدث عن مواجهة أيديولوجيا تكفيرية تحاول احتكار الحقيقة ونزع الإنسانية عن المختلف وتحويل الخلاف الديني إلى مبرر للقتل. هذه ليست مسألة حرية رأي حين تتحول إلى تحريض على العنف بل إنها مسألة أمن وطني وسيادة قانون.
نحتاج اليوم إلى استراتيجية وطنية حقيقية لمكافحة التطرف تتجاوز البيانات والمؤتمرات والشعارات. استراتيجية تبدأ بالاستخبارات الوقائية وتتعمق في التعليم والخطاب الديني والفضاء الإلكتروني وتصل إلى تفكيك شبكات التجنيد والتحريض والتمويل ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون مع حماية الحريات العامة ومنع الاتهامات الجماعية.
وعلينا أن نكون أكثر صراحة أن الأمن الوطني لا يُحمى فقط بمنع الرصاصة من الانطلاق بل بمنع الفكرة التي تجعل إطلاقها عملاً مشروعاً في عقل صاحبها.
أما استهداف كنيسة في الكرك، فليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم. إنه اعتداء على التاريخ الأردني وعلى الكرك التي لم تعرف أبناءها يوماً باعتبارهم طوائف متقابلة وإنما أهلاً وعشائر وبيوتاً جمعها الدم والأرض والمصير.
وأرفض أن نختزل ما حدث بشعارات التعايش التقليدية. نحن لسنا جماعتين غريبتين تحاولان تعلّم العيش معاً. نحن أبناء وطن واحد والدفاع عن الكنيسة كالدفاع عن المسجد والدفاع عن دم المسيحي كالدفاع عن دم المسلم لأن المواطنة الأردنية ليست منحة دينية بل حق أصيل لا يقبل المساومة.
إنني أثق بجلالة الملك عبدالله الثاني، وبقيادتنا الهاشمية، وبقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية. وأرى أن هذه اللحظة تستوجب مشروعاً وطنياً طويل النفس وليس حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية.
لقد نجحت الدولة في الوصول إلى المتهمين الإرهابيين. والآن يجب أن ننجح في الوصول إلى الجذور الفكرية التي تجعل مثل هذه الجرائم ممكنة.
فالإرهابي الذي يقع في قبضة العدالة تنتهي قدرته على الإجرام، أما الفكر الذي لا نواجهه فقد يجد من يحمله غداً.
لا أريد أن نحتفل اليوم بالقبض على القتلة، ثم نقف غداً أمام نعوش جديدة نتساءل كيف حدث ذلك مرة أخرى. الأردن أكبر من الإرهاب، وأقوى من التكفير وأعرق من مشاريع الفتنة.
ولكن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على القبض على الإرهابي بعد الجريمة، بل بقدرتها على منع صناعة الإرهابي قبل وقوعها.
وهذه برأيي هي المعركة التي يجب أن تبدأ الآن.
لقد أدت أجهزتنا الأمنية واجبها بشرف واقتدار وأثبتت مجدداً أن الأردن يمتلك مؤسسات أمنية محترفة، ورجالاً لا يترددون في الدفاع عن أمن الوطن وكرامة مواطنيه. ولهؤلاء الرجال كل الاحترام والتقدير. ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بعيداً عن نشوة الإنجاز الأمني، هو كيف وصلنا إلى هنا أصلاً؟ وكيف استطاع الفكر التكفيري أن يجد له مكاناً في مجتمع أردني عرفناه متماسكاً معتدلاً عصياً على الانقسام؟
من الخطأ الاستراتيجي الفادح أن نتعامل مع الإرهاب باعتباره مجرد جريمة قتل لأن القاتل في هذه الحالة ليس سوى المنتج النهائي لمنظومة فكرية مريضة تبدأ بتشويه الوعي وتمر بتكفير الآخر وتنتهي باستباحة دمه.
والأخطر أن هذه المنظومة لا تحتاج دائماً إلى تنظيم مسلح أو قيادة خارجية. فقد تبدأ بكلمة في مجلس أو خطاب تحريضي أو تفسير ديني متطرف أو محتوى إلكتروني يحوّل الكراهية إلى قناعة والقناعة إلى استعداد للقتل.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة التي لا يجوز أن نهرب منها. هل نعرف فعلاً حجم انتشار الفكر التكفيري في مجتمعنا الأردني؟ هل نمتلك دراسات أمنية واجتماعية جادة تحدد البيئات التي ينشط فيها؟ هل نراقب مصادر إنتاج التطرف بالقدر نفسه الذي نراقب فيه نتائجه؟ وهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن بعض مظاهر التشدد التي تساهلنا معها اجتماعياً قد تتحول، إذا تُركت دون مواجهة، إلى تهديد مباشر للأمن الوطني؟
لا أدّعي أن الفكر التكفيري تغلغل في كل مؤسساتنا أو شرائح مجتمعنا فهذا يحتاج إلى أدلة وتحقيقات. لكن الجريمة تفرض علينا أن نبحث بجدية عن مدى انتشاره وألا ننتظر جريمة أخرى حتى نكتشف مواطن الخلل.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعتقل الإرهابي ثم نترك البيئة الفكرية التي قد تنتج إرهابياً آخر دون مساءلة أو إصلاح.
وأنا هنا لا أتحدث عن التضييق على الدين ولا عن استهداف المتدينين ولا عن محاكمة الناس على معتقداتهم. أتحدث عن مواجهة أيديولوجيا تكفيرية تحاول احتكار الحقيقة ونزع الإنسانية عن المختلف وتحويل الخلاف الديني إلى مبرر للقتل. هذه ليست مسألة حرية رأي حين تتحول إلى تحريض على العنف بل إنها مسألة أمن وطني وسيادة قانون.
نحتاج اليوم إلى استراتيجية وطنية حقيقية لمكافحة التطرف تتجاوز البيانات والمؤتمرات والشعارات. استراتيجية تبدأ بالاستخبارات الوقائية وتتعمق في التعليم والخطاب الديني والفضاء الإلكتروني وتصل إلى تفكيك شبكات التجنيد والتحريض والتمويل ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون مع حماية الحريات العامة ومنع الاتهامات الجماعية.
وعلينا أن نكون أكثر صراحة أن الأمن الوطني لا يُحمى فقط بمنع الرصاصة من الانطلاق بل بمنع الفكرة التي تجعل إطلاقها عملاً مشروعاً في عقل صاحبها.
أما استهداف كنيسة في الكرك، فليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم. إنه اعتداء على التاريخ الأردني وعلى الكرك التي لم تعرف أبناءها يوماً باعتبارهم طوائف متقابلة وإنما أهلاً وعشائر وبيوتاً جمعها الدم والأرض والمصير.
وأرفض أن نختزل ما حدث بشعارات التعايش التقليدية. نحن لسنا جماعتين غريبتين تحاولان تعلّم العيش معاً. نحن أبناء وطن واحد والدفاع عن الكنيسة كالدفاع عن المسجد والدفاع عن دم المسيحي كالدفاع عن دم المسلم لأن المواطنة الأردنية ليست منحة دينية بل حق أصيل لا يقبل المساومة.
إنني أثق بجلالة الملك عبدالله الثاني، وبقيادتنا الهاشمية، وبقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية. وأرى أن هذه اللحظة تستوجب مشروعاً وطنياً طويل النفس وليس حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية.
لقد نجحت الدولة في الوصول إلى المتهمين الإرهابيين. والآن يجب أن ننجح في الوصول إلى الجذور الفكرية التي تجعل مثل هذه الجرائم ممكنة.
فالإرهابي الذي يقع في قبضة العدالة تنتهي قدرته على الإجرام، أما الفكر الذي لا نواجهه فقد يجد من يحمله غداً.
لا أريد أن نحتفل اليوم بالقبض على القتلة، ثم نقف غداً أمام نعوش جديدة نتساءل كيف حدث ذلك مرة أخرى. الأردن أكبر من الإرهاب، وأقوى من التكفير وأعرق من مشاريع الفتنة.
ولكن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على القبض على الإرهابي بعد الجريمة، بل بقدرتها على منع صناعة الإرهابي قبل وقوعها.
وهذه برأيي هي المعركة التي يجب أن تبدأ الآن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 16:55