السلام أم الالتفاف على النصر

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 15:37
بعيدا عن ثورة الحرامية في أوروبا ، و التي لا تشبه أية ثورة في التاريخ المعاصر و العميق ، و إنما التي عبرت بصراحة عن انقلاب سحر الغرب الساحر على نفسه بواسطة التأمر على روسيا العظمى عبر ملف الحرب الأوكرانية شيوعا ، و التورط في المقابل بقضية مضيق " هرمز " الإيراني ، وبكل ماله أيضا بمأساة غزة ، وإسناد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ، العامل علنا و سرا على تهجير الفلسطيني صاحب الأرض من بيته ، وإحلال المحتل الصهيوني الشرير مكانه بهدف الإمعان في تزوير التاريخ ،و لترسيخ الاحتلال المرفوض أخلاقيا و دوليا ، نلاحظ تسارع الحراك الأمريكي بقيادة الرئيس دونالد ترامب ، و مشاركة عقيلته ميلانا ، و مبعوثه ستيف ويتكوف ، وجيرالد كوشنير تجاه موسكو العاصمة ، و مدينة سانك بيتر بورغ ، و صوب العاصمة ( كييف ) ، و لقاء الرئيس فلاديمير بوتين ، و بحضور مستشاره يوري أوشاكوف ، و على الجانب الأخر لقاء فلاديمير زيلنسكي الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته منذ عام 2024 ، و المهدد من قبل الرئيس ترامب بضرورة ترك منصبه الرئاسي لغيره عبر انتخابات رئاسية بهدف توقيع السلام مع روسيا ، و لوقف حربه الخاسرة مع روسيا ، خاصة بعدما اكتشف ترامب بيع نظام ( كييف ) للسلاح الأمريكي و الغربي في الاسواق الخارجية و في مقدمتها الأفريقية .

ويطلب زيلينسكي هدنة شهرين للانتخابات رفضتها روسيا و منحته يوما واحدا . هو يرغب حسب موسكو إعادة تسليح جيشه بأسلحة الغرب ، و جلب مال الاتحاد الأوروبي لرشوة ناخبيه بهدف إعادة انتخابه .

وكل هذا جرى و يجري بعد صفقة ( الديزل ) التي أبرمها الرئيس ترامب مع الرئيس بوتين ،و انتقدها الرئيس زيلينسكي في زمن الحرب . وما أشعل نيرانها الإعلام الغربي ، و الأهم هنا هو الإلحاح الأمريكي و بالتعاون مع الرئيس زيلينسكي و نظامه السياسي على ضرورة الإسراع في توقيع السلام مع روسيا قبل ما تلتهم كامل أوكرانيا ، في وقت باتت فيه منتصرة بقوة ووضوح فوق الطاولة الرملية في ميادين القتال في الدونباس و على مشارف و أبواب العاصمة ( كييف ) ، بينما هو الغرب و ( كييف ) منشغلون و بسذاجة في تحريك الدرون ( المسيرات ) لتغزو المدن الروسية ، و في صدارتها العاصمة موسكو ، و سانك بيتر بورغ مع عدم التفريق في الإيذاء بين الروسي و الأوكراني المواطن داخل روسيا لتحقيق عدة أهداف في هدف واحد ، وهو اثارة الشارع الروسي ضد نظامه السياسي في قصر( الكرملين ) في موسكو ، وهو الذي لن يحدث أبدا ، و التاريخ يسجل .

فهل يريد زيلينسكي السلام مع روسيا فعلا ، و هو المعيق له منذ اتفاقية ( مينسك 2015 ) ، و عبر اتفاقية ( أنقرة 2020 ) ، و اتفاقية ( اسطنبول 2025 و 2026 ) ؟ و هل كان حقا يعتقد بأن بإمكانه وهو الفنان الساخر الساذج أن ينتصر على خصمه الرئيس بوتين الصقر الروسي المقاتل و الباحث عن السلام

الذي لا يساوم على سيادة وطنه روسيا ؟ وهل كان زيلينسكي محقا في الإصغاء للغرب الذي شجعه و نظامه لمواصلة حرب خاسرة مع موسكو ؟ وهل كان زيلينسكي يملك حدس استشعار المستقبل الذي أوضح له انشقاق الرأس الأمريكي عن ( الناتو) و عن أوروبا ( الاتحاد الأوروبي ) ، و عن زيلينسكي نفسه بعدما نتهى مفعوله ؟ وهل وصل الغباء بزيلينسكي لدرجة الاعتقاد بأن جيشه الهزيل سينتصر يوما على الجيش الروسي الأحمر ؟ إن الحرب الدفاعية الروسية مع ( كييف ) و الغرب الأوروبي و اتحاده شطرنجية و ذكية ، و لو تحولت إلى هجومية مباشرة من طرف الغرب لأصبحت سريعة جدا تماما كما صرح الرئيس بوتين نفسه ، بمعنى نووية عسكرية ساحقة .

لقد عرضت موسكو – بوتين مرارا على زيلينسكي السياسي المراهق و البهلواني القدوم إلى موسكو لبحث ملف السلام و بضمانة أمنية روسية ، وهو الأمر الذي لا يحدث وسط حروب العالم ، و بالمناسبة روسيا لا تستهدف شخص زيلينسكي ، و لا شخوص نظامه السياسي، ولا المواطنين الأوكران عن قصد و بشكل منظم ، وهي ليست إسرائيل ولا حتى أمريكا . و رفض زيلينسكي العرض الروسي ، و يحاول اقناع أمريكا – ترامب بوفد رئاسي مشترك للتفاوض مع الرئيس بوتين خارج روسيا ، و هو الذي ترفضه موسكو بطبيعة الحال رغم صفقة الديزل ، و الأفراج عن السجين ستيفن هوبارد ، وتصر على تحقيق أهداف العملية الروسية الخاصة الدفاعية التحريرية حتى النهاية ،والتي شخصيا لا أعرف إن كانت تشمل العاصمة ( كييف ) وتحت شعار أوكرانيا روسية الأصل ؟

وفي المقابل ، كلما اقتربت روسيا من تحقيق النصر الواجب أن يكتمل في القريب العاجل ، كلما وجهت نظام زيلينسكي بضرورة الإسراع في توقيع السلام مع روسيا عند أخر حدود للجبهة على ضفاف نهر الدنيبر ، و لكي لا تتوغل روسيا داخل كل أوكرانيا ، و هو الملاحظ . ويخطر على بالي هنا طرح سؤال ماذا لو كان رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين عربيا ؟ أعتقد جازما بأنه لايقبل بأقل من تحرير كامل الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ، و لطرد إسرائيل حتى من أماكن الاجتياح الجديد لسوريا ، و ربما لعمل على تفكيك إسرائيل الاحتلالية ، و ترحيلها من المنطقة العربية ليعيش يهودها في أوطانهم الأصيلة ، في باراذبيجان الروسية ، و وفي أوروبا الشرقية و أبعد .

بوتين رئيس جدع وبطل قومي و عالمي ، لم يفرط بمكتسبات الحرب الوطنية الثانية العظمى مثل جزر الكويل بعد تطاول اليابان على الاتحاد السوفيتي ، و يدافع بشراسة عن كاليننغراد التي يتطلع الغرب لمحاصرتها ، لكن الانياب النووية الروسية لهم بالمرصاد .و لم يسمح السوفييت بقيادة روسيا سابقا عام 1979 للناتو بالهبوط في أفغانستان ، و طرد الروس و السوفييت نابليون بونابارت ، و صمدوا في الحرب العالمية الأولى أم العدوان الألماني ، وودعوا أودلف هتلر إلى عمق برلين ، و غادرها هناك بإنهاء حياته بنفسه. إنها روسيا العظمى سادتي التي لم تهزم يوما ، و باقية منتصرة ، و هي الأكثر تمسكا بالقانون الدولي ، و المطالبة بترحيل الأمم المتحدة خارج أمريكا ، و تجيد الصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية بذكاء . و الملفت للانتباه هنا هو العامل المشترك تحت علامة استفهام بين زيلينسكي و ترامب في عزوفهما عن الوصول المباشر إلى موسكو. و سبق لترامب أن عمل في البزنس في موسكو عام 2013 ، بينما زار بوتين و بشجاعة منطقة الاسكا ، أكبر ويلايات أمريكا – الروسية الأصل و التي بيعت في زمن القياصرة الروس ، في زمن القيصر الكسندر الأول .

روسيا – بوتين المهذبة و الحضارية ، تتعامل مع أمريكا – ترامب النرجسية ببعد نظر ، وهي ، أي روسيا التي تصيد ، و لا تسمح بأن تصطاد ، و تتعامل مع أمريكا بمرونة لكنها تتمسك بخطوطها الحمراء الوطنية و القومية . و تعرف روسيا جيدا بأن زيلينسكي صبي أوكراني مراهق سياسيا قدم من الفن و غرق بالسياسة ، و غرر به الغرب لتحقيق أهداف استمراية الحرب الباردة و سباق التسلح .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 15:37