الإسلام ليس متهما والدم الأردني ليس مباحا

مجد حسونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 09:30
أعادت جريمة الكرك إلى ذاكرة الأردنيين وجعا لم يغب وإن مرت عليه السنوات وجع تفجيرات عمان والركبان والبقعة وإربد والكرك والفحيص والسلط ووجوه أناس خرجوا إلى حياتهم ولم يعودوا إلى أهلهم إلا شهداء ولهذا فإن الفاجعة تجاوزت بيوت الضحايا إلى وطن يعرف معنى أن يخطف الإرهاب أحباءه

حين أستذكر تفجيرات عمان تحضر في ذاكرتي الشهيدة لين منصور ذنيبات طفلة في التاسعة من عمرها والابنة الوحيدة لجارنا منصور رحمه الله خرجت مع أمها لتحضر حفل زفاف أقارب أمها فعادت شهيدة أعرف أهلها وأستحضر وجع جدتها وأمها ووالدها كانت ذاهبة إلى فرح ومن حقها أن تعود إلى بيتها وأن تكبر مع أخويها بين أهلها لكن الإرهاب سرق طفولتها وترك في قلوبهم غيابا لا تعوضه السنوات

وفي إربد نستحضر الشهيد راشد الزيود وفي الكرك سائد المعايطة أسد القلعة وفي البقعة والركبان والفحيص والسلط شهداء دفعوا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم جمعهم الانتماء إلى الأردن وبقيت أسماؤهم حاضرة في ذاكرة أهله

أستذكرهم اليوم وأفكر بأهلنا الذين اجتمعوا في كنيسة حمود لوداع عزيز فإذا بهم يواجهون الرصاص مرة يستهدفون الناس في عرس ومرة في جنازة ومرة وهم يحرسون الوطن وفي كل مرة يسيل دم أردني وتفقد عائلات أحبتها ويبقى الوجع بعد انصراف المعزين

لقد طالت جرائم الإرهاب المسلم والمسيحي والطفل والشايب وابن الشمال وابن الجنوب وابن المخيم وابن البادية والعسكري والمدني حتى المصلون داخل المساجد لم يسلموا منه وقد تبنى داعش عام 2015 تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت وتفجير مسجد قوات الطوارئ في أبها فلم تردعه حرمة بيوت الله ولا صلاة من كانوا فيها فأي نصرة للدين في قتل أهله وأي دفاع عن الأمة في تمزيق مجتمعاتها

واليوم نحن لسنا بصدد الدفاع عن الإسلام وكأنه متهم ينتظر شهادة براءة بعد كل جريمة يرتكبها هؤلاء الخوارج ديننا واضح في حرمة الدم يقول الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ ويقول ﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ فأي حق لقاتل في أن يرفع اسم الله وهو يستبيح عباده وأي صلة بين دين يدعو إلى الرحمة والعدل والسلام وبين إطلاق النار على أناس آمنين

وفي الحديث عن داعش نستذكر أن دونالد ترامب اتهم خلال حملته الانتخابية عام 2016 باراك أوباما بأنه مؤسس التنظيم وهيلاري كلينتون بأنها شريكة في تأسيسه ثم وصف كلامه لاحقا بالسخرية وهذا اتهام سياسي وليس حقيقة مثبتة لكنه يذكرنا بضرورة مناقشة مسؤولية السياسات والحروب والفوضى التي استفادت منها التنظيمات الإرهابية بدلا من اختزال تفسير جرائمها في اتهام الإسلام والمسلمين

ولا يجوز أن تصبح بشاعة الجريمة فرصة لاستغلال الحزن والتحريض على المجتمع أو الإساءة إلى دينه فالمسؤولية تقع على القاتل ومن ساعده وحرضه وعلى كل من يروج للفكر التكفيري الذي يبيح دماء الأبرياء ولا تمتد إلى عائلة أو عشيرة أو منطقة بسبب انتماء المجرم إليها ولا تجعل الإسلام مسؤولا عن جرائم من يخالف تعاليمه ويرتكب القتل باسمه

ومواجهة هذا الفكر واجب لا يحتمل التردد يبدأ برفض التكفير وتبرير العنف ومحاسبة المحرضين على القتل وحماية أبنائنا من كل من يقنعهم بأن طريقهم إلى الجنة يمر فوق أجساد الأبرياء فرفض اتهام المجتمع لا يعني السكوت عن التطرف بل يقتضي مواجهته بوضوح دون ظلم الناس أو التعميم عليهم

وجاء إلقاء القبض على المنفذين الثلاثة ليؤكد قدرة أجهزة الدولة على ملاحقة المجرمين والوصول إليهم وهو جهد يستحق التقدير القبض عليهم لا يعيد الشهداء إلى أهلهم لكنه يعزز ثقة الأردنيين بأن من يستبيح دمهم سيواجه المحاسبة وأن المجرمين لن يتركوا ليعبثوا بأمانهم وحياتهم

أهل الكنيسة أهلنا وحزنهم حزننا وما يجمعنا بهم حياة كاملة من الجيرة والعمل والخبز والملح والوقوف إلى جانب بعضنا في الشدة والفرح ولن نسمح بأن تتحول فاجعتنا إلى خصومة بين أبناء الوطن أو فرصة لزرع الشك والفرقة بينهم

رحم الله شهداءنا وشفى المصابين وصبر أهلهم سيبقى لكل شهيد اسم ووجه وحكاية في ذاكرة الأردن وسيبقى واجبنا أن نحاصر الفكر الذي استباح دمهم وأن نصون وحدتنا حتى لا يأخذ الإرهاب منا شيئا آخر بعد أحبتنا
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 09:30