من القبض على منفذي مجزرة حمود إلى مواجهة جذور الإرهاب: أسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابة

مؤيد المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 09:18
لا يجوز أن تمرّ مجزرة حمود كحادثة أمنية تنتهي بإلقاء القبض على مرتكبيها، ولا يجوز في المقابل أن نقلّل من أهمية الإنجاز الأمني الذي تحقق فجر اليوم، بعد جهود متواصلة انتهت بتحديد مكان المنفذين والقبض عليهم عقب اشتباك مسلح، من دون تسجيل إصابات في صفوف القوة الأمنية.

إننا أمام جريمة أدمت قلوب الأردنيين جميعاً، وأصابت الكرك في وجدانها، وانتهكت حرمة مكان يفترض أن يكون ملاذاً للطمأنينة والصلاة، واستهدفت مواطنين آمنين في لحظة إنسانية مؤلمة. ولذلك، فإن القبض على المنفذين يستحق التقدير والشكر لكل من أسهم في هذه العملية، من رجال الأمن العام والأجهزة الأمنية المختصة، وكل من عمل بصمت ومسؤولية للوصول إليهم.

تحية تقدير لرجال الأمن الذين أدوا واجبهم في ظروف خطرة، وشكر لكل جهد مخلص أسهم في ملاحقة المتورطين. فحماية أرواح الأردنيين وصون أمنهم ليستا مجرد مهمة وظيفية، بل مسؤولية وطنية كبرى، وقد أثبتت العملية أن الجهد الأمني المتواصل قادر على الوصول إلى المطلوبين، وأن الدولة لا يجوز أن تتخلى عن واجبها في ملاحقة من يهدد حياة المواطنين وأمنهم.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول بوضوح: إن نجاح العملية الأمنية لا يعني أن الأسئلة انتهت، بل يعني أن مرحلة جديدة من المسؤولية قد بدأت؛ مرحلة كشف الحقيقة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، واستخلاص الدروس، وتحويل الألم الوطني إلى إجراءات تمنع تكرار المأساة.

أسئلة مشروعة لا تعني التشكيك بأحد:

إن مطالبة الدولة بتقديم إجابات واضحة ليست تشكيكاً بجهود أجهزتها الأمنية، ولا انتقاصاً من تضحيات رجالها، بل هي تعبير عن حق المجتمع في المعرفة، وعن واجب الدولة في طمأنة مواطنيها، وعن ضرورة أن تتحول الكوارث إلى فرص لمراجعة السياسات والأداء.

لقد تعرّفَت الجهات المختصة على المنفذين وألقت القبض عليهم، وفق ما أعلنه الأمن العام. غير أن الرأي العام ما زال بحاجة إلى إجابات عن أسئلة تتجاوز هوية الأشخاص الذين نفذوا الجريمة إلى الظروف التي سبقتها والخلفيات التي أحاطت بها.

أول هذه الأسئلة: ما الدافع الحقيقي وراء استهداف الكنيسة والمواطنين الموجودين فيها؟ هل نحن أمام فعل نابع من تطرف فكري أو ديني، أم أن وراء الجريمة دوافع أخرى ستكشفها التحقيقات؟ وما طبيعة المسار الذي أوصل مرتكبيها إلى ارتكاب فعل بهذه الخطورة؟

والسؤال الثاني: هل تصرف المنفذون بصورة فردية، أم كانت لهم اتصالات أو علاقات أو مصادر دعم أسهمت في تنفيذ الجريمة؟ وهل ثمة أشخاص آخرون قدموا لهم مساعدة، أو علموا بمخططاتهم، أو شاركوا في التحضير لها؟ لا يجوز الجزم بوجود شركاء أو ارتباطات قبل ظهور الأدلة، لكن لا يجوز أيضاً إغلاق هذا الاحتمال قبل استكمال التحقيق.

والسؤال الثالث: هل كانت هناك مؤشرات أو معلومات سابقة كان من الممكن أن تساعد في اكتشاف الخطر قبل وقوعه؟ وإذا وُجدت مثل هذه المؤشرات، فهل وصلت إلى الجهات المعنية، وكيف جرى التعامل معها؟ وإذا لم تكن موجودة، فما الإجراءات التي يمكن تطويرها لتحسين القدرة على اكتشاف التهديدات المماثلة مبكراً؟

هذه أسئلة تتعلق بالأداء المؤسسي والوقاية، ولا ينبغي أن تُفهم باعتبارها اتهاماً مسبقاً لأي جهة. فالهدف ليس البحث عن مسؤول لإلقاء اللوم عليه، وإنما معرفة ما حدث فعلاً، وتحديد مواطن القوة والقصور إن وجدت، حتى لا تتحول المراجعة إلى مجرد إجراء شكلي ينتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي.

لماذا لم يكن القبض على المنفذين كافياً وحده؟

لأن الجريمة لا تختصر في ثلاثة أشخاص حملوا السلاح وأطلقوا النار. إن المسؤولية الجنائية عن الفعل المباشر مسألة، وفهم البيئة التي نشأ فيها التطرف، والكشف عن أي شبكات مساندة محتملة، وتحديد أوجه الخلل الوقائي، مسائل أخرى لا تقل أهمية.

قد تقبض الدولة على مرتكبي الجريمة، لكنها لا تكون قد أنهت الخطر بالضرورة إذا بقيت الأسباب التي ساعدت على نشوء التطرف من دون معالجة، أو ظلت قنوات التحريض والتجنيد والتبرير بعيدة عن المواجهة الجادة.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: الأول، أن يتحمل كل شخص تثبت الأدلة تورطه مسؤوليته القانونية، وفق محاكمة عادلة وضمانات قضائية كاملة؛ والثاني، أن تتحمل المؤسسات المعنية مسؤوليتها في مراجعة السياسات والإجراءات، وتطوير قدرتها على الوقاية والاستجابة.

فلا يجوز أن تكون مكافحة الإرهاب ذريعة للتعميم على فئة دينية أو اجتماعية، كما لا يجوز أن تتحول حماية الوحدة الوطنية إلى شعار يقال في المناسبات ثم يغيب عن السياسات اليومية. إن مواجهة التطرف تبدأ بتحديده بدقة، ومحاسبة مرتكبيه، وتجفيف مصادر التحريض عليه، وحماية المجتمع من خطاب الكراهية، من دون ظلم الأبرياء أو المساس بحقوقهم.

ما الذي يجب على الدولة أن تفعله الآن؟

إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء ببيانات الإدانة والارتياح لنجاح العملية الأمنية، بل الانتقال إلى خطة وطنية واضحة تتعامل مع الجريمة باعتبارها إنذاراً يستوجب المراجعة والعمل.

أولاً: إعلان نتائج التحقيق للرأي العام بالقدر الذي لا يضر بسير العدالة.

من حق الأردنيين أن يعرفوا الدوافع التي ثبتت بالأدلة، وطبيعة التخطيط للجريمة، وما إذا كان هناك شركاء أو دعم أو تحريض، وما انتهت إليه التحقيقات بشأن أي مؤشرات سابقة. ولا يعني ذلك نشر تفاصيل أمنية حساسة أو استباق القضاء، وإنما اعتماد سياسة اتصال حكومي واضحة، تقدم المعلومات المؤكدة، وتصحح الشائعات، وتبيّن ما لا يزال قيد التحقيق.

ثانياً: إجراء مراجعة أمنية شاملة وموضوعية.

ينبغي تقييم الاستجابة منذ لحظة وقوع الجريمة وحتى القبض على المنفذين، ومراجعة آليات تبادل المعلومات، وتقييم المخاطر، والاستجابة للبلاغات، والتنسيق بين المؤسسات المعنية. والغاية من هذه المراجعة ليست إصدار أحكام مسبقة على أداء أي جهة، بل تحديد ما نجح وما يحتاج إلى تطوير، ثم تحويل النتائج إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والمتابعة.

ثالثاً: مواجهة التطرف من جذوره، لا من نهاياته فقط.

إن المقاربة الأمنية ضرورة، لكنها ليست وحدها كافية. فالدولة مطالبة بتعزيز دور المؤسسات الدينية والتربوية والثقافية والإعلامية، ومواجهة خطاب التكفير والتحريض على العنف، وتطوير برامج الوقاية المبكرة، ودعم الأسر والمؤسسات التي تستطيع اكتشاف التحولات الخطرة والتعامل معها بصورة مسؤولة.

ولا يجوز اختزال التطرف في الفقر أو البطالة أو عامل اجتماعي واحد؛ فهذه الظواهر لا تفسر وحدها ارتكاب الجرائم. المطلوب بحث علمي جاد في الظروف الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تكشفها التحقيقات، ثم بناء سياسات مناسبة للأسباب الفعلية، لا الاكتفاء بتفسيرات جاهزة.

رابعاً: حماية المواطنة والتعددية الدينية حماية فعلية.

إن الاعتداء على كنيسة ليس اعتداءً على أتباع دين بعينه فحسب، بل مساس بحق الأردنيين في ممارسة شعائرهم والعيش بأمان وكرامة. والمواطنة لا تتجزأ، وحرمة دور العبادة لا تتغير باختلاف الدين، وأمن المسيحي الأردني لا يقل عن أمن أخيه المسلم، كما أن كرامة أي مواطن وحقه في الحياة لا يخضعان لأي تصنيف ديني أو اجتماعي.

وعلى الدولة أن تؤكد هذه المبادئ في القانون والتعليم والخطاب العام والممارسة المؤسسية، وأن تتصدى للتحريض الطائفي أينما ظهر، وأن تحمي الوحدة الوطنية من كل من يحاول تحويل الاختلاف الديني إلى صراع أو الكراهية إلى مبرر للعنف.

خامساً: ضمان المحاسبة القضائية الكاملة.

إن خطورة الجريمة لا تبرر تجاوز القانون، بل تجعل الالتزام به أكثر أهمية. فالمطلوب جمع الأدلة وحفظها، وكشف جميع الأدوار التي تثبتها التحقيقات، وإحالة المتهمين إلى القضاء المختص، وإنزال العقوبات التي يقررها القانون بعد ثبوت المسؤولية. كما ينبغي التحقيق في أي شبهة مشاركة أو تمويل أو تحريض، من دون اتهام أحد على أساس الظن أو الانتماء أو العلاقة الشخصية.

فالدولة القوية ليست التي تعاقب فحسب، بل التي تحقق العدالة وفق القانون، وتمنع الإفلات من العقاب، وتحافظ في الوقت ذاته على شرعية مؤسساتها وثقة مواطنيها.

سادساً: إنصاف الضحايا وعائلاتهم والوقوف إلى جانب المصابين.

لا ينبغي أن ينتهي واجب الدولة عند القبض على المتهمين. هناك عائلات فقدت أبناءها وأحباءها، ومصابون يحتاجون إلى العلاج والدعم، وأسر وجدت نفسها أمام مأساة لا تعوضها الكلمات. ومن واجب المؤسسات المعنية متابعة أوضاعهم، وتيسير ما يحتاجونه من رعاية ومساندة، وضمان ألا تُترك هذه العائلات وحدها بعد انحسار الاهتمام العام.

الدرس الأهم: الأمن ليس لحظة نجاح، بل قدرة دائمة على الوقاية:

لقد أثبتت عملية القبض على المنفذين أهمية العمل الأمني المنظم والتنسيق بين الأجهزة المختصة. لكن الدرس الأعمق هو أن النجاح في ملاحقة الجناة يجب أن يقترن بقدرة مستدامة على منع الجريمة قبل وقوعها.

إن الدولة التي تريد حماية مواطنيها لا تنتظر وقوع المأساة لتتحرك، ولا تكتفي بالاستجابة الناجحة بعدها، بل تراجع باستمرار منظومة الوقاية، وتطور أدواتها، وتستمع إلى مجتمعها، وتعالج أوجه القصور متى ظهرت.

والدرس الآخر أن الوحدة الوطنية ليست مجرد صورة جماعية في لحظة الحزن، ولا عبارة تتكرر في البيانات الرسمية. إنها منظومة من الحقوق المتساوية، والثقة المتبادلة، والعدالة، والشعور بأن الدولة تحمي الجميع بلا استثناء.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة هو أن تنتهي حالة الغضب، وتعود المؤسسات إلى أعمالها المعتادة، وتبقى الأسئلة معلقة، ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم نتعلم من الدم الذي سال، ولم نحول المأساة إلى سياسة وقائية أو إصلاح مؤسسي.

إن احترام تضحيات رجال الأمن يقتضي أيضاً الاستفادة من نتائج عملهم، واحترام الضحايا يقتضي ألا تتحول ذكراهم إلى مناسبة عابرة، واحترام المجتمع يقتضي أن تكون الحقيقة أساس الثقة بين المواطن والدولة.

حمود مسؤولية وطنية لا تنتهي بالقبض على الجناة:

إننا نشكر رجال الأمن العام والأجهزة الأمنية كافة على جهودهم التي أفضت إلى القبض على منفذي الجريمة، ونحيي كل يد أردنية عملت لحماية الناس وملاحقة المعتدين. ونؤكد في الوقت ذاته أن الشكر لا يتعارض مع المطالبة بالمزيد من الشفافية، وأن الثقة بالمؤسسات لا تعني إعفاءها من المراجعة والتقييم، بل إن الثقة الحقيقية تزداد حين يرى المواطن أن الدولة تتعلم من الأحداث وتصحح مسارها وتقدم إجابات مسؤولة.

لا نريد أن تتحول مجزرة حمود إلى خبر قديم في أرشيف الصحافة، ولا أن يكون معيار النجاح فيها هو الوصول إلى المنفذين وحده. نريد أن نعرف الحقيقة كاملة، وأن تُحاسَب كل يد شاركت في الجريمة وفق القانون، وأن تُراجع الإجراءات والسياسات، وأن تتحول الدروس المستخلصة إلى ضمانات عملية لحماية الأردنيين.

لقد سالت دماء أردنية في مكان عبادة، وفقدت عائلات أحباءها، واهتز وجدان الكرك والأردن كله. وهذه الدماء لا تستحق خطاباً عاطفياً مؤقتاً فحسب، بل تستحق عملاً مؤسسياً جاداً يحمي الحياة ويصون الكرامة ويمنع تكرار المأساة.

فالقبض على الجناة نهاية مرحلة من المطاردة، لكنه يجب أن يكون بداية مرحلة من كشف الحقيقة والمحاسبة والمراجعة والوقاية.

تلك هي المسؤولية التي تليق بالدولة، والوفاء الذي يستحقه الضحايا، والدرس الذي ينبغي ألا ينساه الأردنيون.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 09:18