جريمة الكرك… لا تمثل أي أردني يؤمن بالله والإنسان والوطن

أ.د نجوى أحمد سليم خصاونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 23:00
في صباح يوم من أيام مدينة الكرك الأردنية الأصيلة، التي تعرف معنى التعايش، وتعيش فيها أصوات الأذان إلى جانب أجراس الكنائس، استيقظنا على جريمة نكراء استهدفت بيت عبادة مسيحيًّا، ففجعتنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين. وفي هذا الاعتداء الآثم، الذي أراد أن يمس وحدة نسيجنا الوطني، انكشفت حقيقة أكثر رسوخًا: أن الأردن أقوى بوحدة أبنائه، وأعظم بتماسكهم، وأسمى من أن تنال منه يد تعبث بحرمة الإنسان وقدسية المكان.

إن استهداف الكنيسة في الكرك ليس مجرد اعتداء على حجر أو بناء، بل اعتداء على قيمنا الإنسانية والوطنية، وعلى تاريخ طويل من العيش المشترك، الذي جعل من الأردن نموذجًا فريدًا في احترام التنوع الديني والثقافي، والوقوف صفًّا واحدًا في وجه كل من يسعى إلى زرع الفتنة والكراهية.

لقد أثبت أبناء الأردن في المحطات الصعبة أن المسيحي والمسلم شريكان في هذا الوطن، يجمعهما الولاء له، والدفاع عن أمنه واستقراره، والالتفاف حول قيادته الهاشمية، التي كانت ولا تزال الحامية الأولى لهذا التعايش، وحاملة رسالة السلام والاعتدال إلى العالم.

ومن موقعي الأكاديمي والإنساني، أستذكر بكل امتنان وشعور عميق معلمتي الفاضلة فريال فرج، التي علمتني في الصف الخامس، وكانت نموذجًا للعلم والقيم. تعلمت منها كيف يكون التعليم رسالة محبة وانفتاح على الآخر.

كما أستذكر معلمتي الغالية هند أبو الشعر، التي علمتني في آخر صفوف المرحلة الثانوية، وغرست فينا احترام الإنسان أيًّا كان دينه أو خلفيته، وكانت مثالًا للتسامح والطيبة.

وتزاملت في العمل مع زميلات وزملاء كثيرين، ومنهم الأستاذة عبير سركيس، التي كانت دائمًا عنوانًا للصدق والوفاء، وشاهدًا حيًّا على جمال العيش المشترك في عالمنا ومجتمعنا.

كما أستذكر الزميل الدكتور فرح زوايدة، زميلي وصديقي، الذي يجسد في شخصه قيم الاعتدال والاحترام المتبادل، وشريكًا في مسيرة العلم وخدمة الوطن.

والزميل الأخ الدكتور سمير عيلبوني، الذي ما فتئ ينشر المحبة والتوافق بين الزملاء، ويخاطب طالباتنا بلفظ أحبه، وقلما أسمعه من غيره، وهو: «بَناتُنا»؛ كلمة تختصر في حروفها معاني الأبوة والاحتواء والمسؤولية التربوية، وتؤكد أن العلاقة الإنسانية أوسع من حدود الاختلاف الديني.

هذه الأسماء ليست مجرد أسماء زملاء ومعلمين، بل هي قصص حية عن وحدة المسلمين والمسيحيين في الأردن، وهي شهادة على أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما قد يحاول الآخرون زرعه من فتنة أو كراهية.

إن جريمة الكرك، رغم قسوتها، ستبقى شاهدًا على أن أردننا أقوى من كل محاولات النيل من نسيجه الوطني، وأن أبناء الأردن الأوفياء لأرضه الطاهرة سيزدادون إصرارًا على حماية وحدتهم، وترسيخ قيم المحبة والتسامح، والعمل معًا لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لأجيالنا القادمة.

فلتكن هذه الحادثة دافعًا لنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، للتأكيد على أن بيوت العبادة جميعها مصونة في الأردن، وأننا سنبقى يدًا واحدة في وجه الإرهاب والتطرف، متمسكين بقيمنا الإنسانية والوطنية، ومستمدين قوتنا من تاريخنا، ومن قيادتنا الهاشمية، ومن إيماننا الراسخ بأن الأردن سيبقى دائمًا وطنًا للسلام والعيش المشترك.

إن جريمة الكرك لن تنال من وحدتنا، بل ستزيدنا تَمَسُّكًا بقيمنا الإنسانية والوطنية، وسيبقى الأردن وطنَ المحبةِ والتسامحِ والتآخي، وموطنًا للسلام والعيش المشترك.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 23:00