رصاص في بيت عزاء
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 21:26
الحزن والغضب والرفض في نفوسنا، في حدودها الطبيعية؛ فالجريمة وقعت في الأردن على مرمى أبصارنا ونبض قلوبنا، ولأن كثيرا ممن فقدناهم أهل وأصدقاء، وما يزيد من ذلك أنها أصابت الناس وهم يشدّون أزر بعضهم أمام فجيعة الموت وهيبة الوداع في كنيسة القديس جارجيوس بقرية حمود في الكرك. جاء المعزون يحملون إلى أهل الفقيدة عزاءهم وحضورهم، قائلين: لستم وحدكم.
فأيّة «تعزية» جاء بها هؤلاء القتلة إلى بشر مكلومين أصلًا؟!
أطلقوا النار على المعزّين والمفجوعين، وعلى معنى المؤازرة الإنسانية الجميل بينهم، حين يقف الإنسان إلى جانب الإنسان حين يفقد عزيزا.
كان «العيش المشترك» من أول العبارات التي تردّدت في المجتمع وعلى وسائل التواصل رفضا للجريمة، وهي في الحقيقة تحمل في طياتها «ترحيبا بالإخوة المسيحيين» في بلادهم. وهي عبارة تستحق المراجعة؛ فهي عبارة تصوّر الأردنيين جماعات منفصلة رضيَتْ بالتجاور والتعايش، بينما ما يجمعنا المواطنة على قدم المساواة؛ بل إن للمسيحية في أرض الأردن جذور تسبق ظهور الإسلام بقرون؛ فقد كانت الكرك مركزا أسقفيا في العصر البيزنطي، وتشهد كنيسة الأسقف إشعيا في جرش، المؤرّخ بناؤها بسنة 558-559 ميلادية، على عمق هذا الحضور. لكن المواطن لا يحتاج إلى شهادة أقدمية ليستحق المساواة. مضطرين لاستحضار التاريخ، هنا، لتصحيح الوعي؛ أما الحقوق فأساسها المواطنة. وكذلك تحضر هنا عبارة «الوحدة الوطنية» وهي لا تكفي شعارا نستدعيه كلما تصدّعت قيم المواطنة، ونترك أسباب التصدّع قائمة. أمن المسيحي الأردني وحريته وكرامته حقوق أصيلة، وليست تعايشا مشتركا ولا مِنّةً من أكثرية.
المساواة تُقاس بالقانون والمؤسسات والتعليم والعلاقات اليومية، لا بحرارة الكلمات في مجالس العزاء. فلا أحد ضيف في وطنه، ولا يتوقف حقّه فيه على قبول الآخرين.
في الوقت نفسه، لا ينبغي للغضب أن يمنحنا حقّ تحميل دينٍ معيّن جريمةً ارتكبها بعض المنتسبين إليه، لكن الغضب يلزمنا بمواجهة التطرف في كل دين؛ قتل الصهيوني المتطرف غولدشتاين تسعة وعشرين مصلّيًا مسلمًا في الحرم الإبراهيمي، وفجّر عنصريون من «كو كلوكس كلان» كنيسة برمنغهام فقتلوا أربع طفلات، وارتكبت جماعات ترفع راية الإسلام مذابح بحق المختلفين معها حتى من المسلمين أنفسهم. تختلف الدوافع، ولا تفسّرها ديانة القتلة وحدها، لأن الإرهاب ليس حكرا على أتباع دين.
في الأردن، خلّف إرهاب الجماعات المتطرفة جراحا عميقة لا تبرأ من أروحنا، الأمر الذي يستدعي منّا أن نعيد ونكرر بضرورة أن نسأل: كيف يتعلم بعض أبنائنا أن القتل عبادة؟ كيف يرى هؤلاء الأبناء الجارَ والعمَ والصديقَ عدوًّا يستحق القتل؟ من تلك النظرة يبدأ التخطيط للجريمة، ومن هناك يجب أن نبدأ في إحباطها.
المواجهة تبدأ في خيار الوعي من خلال التربية والمناهج وتعليم التفكير واحترام الاختلاف، وبأحزاب تبني الوعي وتفتح المشاركة، دون الانشغال في معاركها الصغيرة، ودون إغفال اجتثاث الفاقة والفقر وحل مشكلة البطالة، والتصدي الحقيقي لآفة المخدرات دون وصم ضحاياها بالمجرمين، وتفكيك شبكات الاستغلال. لا يكفي أن نرفض العنف والتطرف ثم نترك الشباب بلا أفق أو مشاركة.
على وسائل التواصل أيضا، طُرحت فرضية التدبير الإسرائيلي لجريمة الكرك المروّعة، ولا يصحّ استبعاد هذه الفرضية باعتبارها خيالًا؛ فعملية (لافون) في مصر سنة ١٩٥٤ استهدفت إلصاق تفجيرات إسرائيلية بجهات مصرية، وكشفت تحقيقات «برغمان» دور ضباط إسرائيليين في الموساد في تفجيرات في لبنان تحت واجهة تنظيمية دينية. وهنا يمكن التساؤل عن مصلحة إسرائيل في ضرب صورة الأردن وخطاب الملك في الأمم المتحدة عن حماية المسيحيين. السوابق وحدها لا تثبت، حتى الآن، مسؤولية إسرائيل عن مجزرة الكنيسة، ولكن هذا غير مستبعد مطلقا على كيان يده ملطّخة بقتل مئات الآلاف في حرب الإبادة على قطاع غزة. وأيًّا تكن الجهة المسؤولة عن البشاعة، فإن ذلك لا يُسقط مسؤوليتنا عن مواجهة الفكر الذي يتيح تجنيد القتلة.
بكى الأردنيون شهداءهم، والوفاء لهذا الحزن سيظل عدالة تحاسب المسؤولين بمستوياتهم كافة، وعلينا أن لا ننسى أن مساندة المفحوعين والجرحى لا يجب أن تتوقف بانحسار الخبر، فالمآسي الكبيرة بدأت في بيوت كثيرة وفي قلوب كل من يرثون الأرض!
فأيّة «تعزية» جاء بها هؤلاء القتلة إلى بشر مكلومين أصلًا؟!
أطلقوا النار على المعزّين والمفجوعين، وعلى معنى المؤازرة الإنسانية الجميل بينهم، حين يقف الإنسان إلى جانب الإنسان حين يفقد عزيزا.
كان «العيش المشترك» من أول العبارات التي تردّدت في المجتمع وعلى وسائل التواصل رفضا للجريمة، وهي في الحقيقة تحمل في طياتها «ترحيبا بالإخوة المسيحيين» في بلادهم. وهي عبارة تستحق المراجعة؛ فهي عبارة تصوّر الأردنيين جماعات منفصلة رضيَتْ بالتجاور والتعايش، بينما ما يجمعنا المواطنة على قدم المساواة؛ بل إن للمسيحية في أرض الأردن جذور تسبق ظهور الإسلام بقرون؛ فقد كانت الكرك مركزا أسقفيا في العصر البيزنطي، وتشهد كنيسة الأسقف إشعيا في جرش، المؤرّخ بناؤها بسنة 558-559 ميلادية، على عمق هذا الحضور. لكن المواطن لا يحتاج إلى شهادة أقدمية ليستحق المساواة. مضطرين لاستحضار التاريخ، هنا، لتصحيح الوعي؛ أما الحقوق فأساسها المواطنة. وكذلك تحضر هنا عبارة «الوحدة الوطنية» وهي لا تكفي شعارا نستدعيه كلما تصدّعت قيم المواطنة، ونترك أسباب التصدّع قائمة. أمن المسيحي الأردني وحريته وكرامته حقوق أصيلة، وليست تعايشا مشتركا ولا مِنّةً من أكثرية.
المساواة تُقاس بالقانون والمؤسسات والتعليم والعلاقات اليومية، لا بحرارة الكلمات في مجالس العزاء. فلا أحد ضيف في وطنه، ولا يتوقف حقّه فيه على قبول الآخرين.
في الوقت نفسه، لا ينبغي للغضب أن يمنحنا حقّ تحميل دينٍ معيّن جريمةً ارتكبها بعض المنتسبين إليه، لكن الغضب يلزمنا بمواجهة التطرف في كل دين؛ قتل الصهيوني المتطرف غولدشتاين تسعة وعشرين مصلّيًا مسلمًا في الحرم الإبراهيمي، وفجّر عنصريون من «كو كلوكس كلان» كنيسة برمنغهام فقتلوا أربع طفلات، وارتكبت جماعات ترفع راية الإسلام مذابح بحق المختلفين معها حتى من المسلمين أنفسهم. تختلف الدوافع، ولا تفسّرها ديانة القتلة وحدها، لأن الإرهاب ليس حكرا على أتباع دين.
في الأردن، خلّف إرهاب الجماعات المتطرفة جراحا عميقة لا تبرأ من أروحنا، الأمر الذي يستدعي منّا أن نعيد ونكرر بضرورة أن نسأل: كيف يتعلم بعض أبنائنا أن القتل عبادة؟ كيف يرى هؤلاء الأبناء الجارَ والعمَ والصديقَ عدوًّا يستحق القتل؟ من تلك النظرة يبدأ التخطيط للجريمة، ومن هناك يجب أن نبدأ في إحباطها.
المواجهة تبدأ في خيار الوعي من خلال التربية والمناهج وتعليم التفكير واحترام الاختلاف، وبأحزاب تبني الوعي وتفتح المشاركة، دون الانشغال في معاركها الصغيرة، ودون إغفال اجتثاث الفاقة والفقر وحل مشكلة البطالة، والتصدي الحقيقي لآفة المخدرات دون وصم ضحاياها بالمجرمين، وتفكيك شبكات الاستغلال. لا يكفي أن نرفض العنف والتطرف ثم نترك الشباب بلا أفق أو مشاركة.
على وسائل التواصل أيضا، طُرحت فرضية التدبير الإسرائيلي لجريمة الكرك المروّعة، ولا يصحّ استبعاد هذه الفرضية باعتبارها خيالًا؛ فعملية (لافون) في مصر سنة ١٩٥٤ استهدفت إلصاق تفجيرات إسرائيلية بجهات مصرية، وكشفت تحقيقات «برغمان» دور ضباط إسرائيليين في الموساد في تفجيرات في لبنان تحت واجهة تنظيمية دينية. وهنا يمكن التساؤل عن مصلحة إسرائيل في ضرب صورة الأردن وخطاب الملك في الأمم المتحدة عن حماية المسيحيين. السوابق وحدها لا تثبت، حتى الآن، مسؤولية إسرائيل عن مجزرة الكنيسة، ولكن هذا غير مستبعد مطلقا على كيان يده ملطّخة بقتل مئات الآلاف في حرب الإبادة على قطاع غزة. وأيًّا تكن الجهة المسؤولة عن البشاعة، فإن ذلك لا يُسقط مسؤوليتنا عن مواجهة الفكر الذي يتيح تجنيد القتلة.
بكى الأردنيون شهداءهم، والوفاء لهذا الحزن سيظل عدالة تحاسب المسؤولين بمستوياتهم كافة، وعلينا أن لا ننسى أن مساندة المفحوعين والجرحى لا يجب أن تتوقف بانحسار الخبر، فالمآسي الكبيرة بدأت في بيوت كثيرة وفي قلوب كل من يرثون الأرض!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 21:26