حين ندفن الشهداء لا ندفن الدرس

د. موفق الزيادات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 10:42
في وداع شهداء حادث كنيسة حمود، لا يقف الأردن أمام قبور أبنائه ليسأل إلى أي طائفة كانوا ينتمون، بل ليكتشف من جديد إلى أي وطن ننتمي جميعاً. فالجنازة اليوم ليست مشهداً مسيحياً خاصاً، بل امتحاناً وطنياً عاماً؛ لأن الرصاصة حين اخترقت حرمة الكنيسة لم تجرح عائلة أو طائفة وحدها، وإنما حاولت أن تصيب فكرة الأردن نفسها؛ أن يستطيع الإنسان أن يصلي بطريقته، وأن يحزن بطريقته، وأن يبقى أخاً لمواطنه مهما اختلفت صلاتهما. لذلك فإن أصدق مواساة لأهلنا المكلومين ذوي الشهداء ليست الكلمات وحدها، بل الشعور الأمن بأن أبناءهم يُدفنون في تراب وطنٍ يحمل وجعهم معهم، وأن أسماءهم دخلت ذاكرته لا بوصفهم ضحايا حادث، بل شهوداً على ثمن الأمن والأخوّة والسلام.

لعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد دفن الشهداء أن ندفن معهم الدرس. فالجرائم تنتهي في دقائق، لكن آثارها قد تبحث عن حياة أطول في الشائعة، والتحريض، والتعميم، والخوف المتبادل، ولغة نحن وهم. هنا تبدأ مسؤولية المجتمع؛ ألا نعطي الرصاصة حياةً ثانية بألسنتنا، ولا نسمح لمن أطلقها أن يواصل فعلته من خلال انفعالاتنا. المطلوب ليس إنكار الألم، بل تحويله إلى وعي؛ وليس إخفاء الغضب، بل الارتقاء به إلى موقف يحمي الوطن. فالوطن لا تُثبت وحدته في زمن السكينة، بل حين يعجز الخوف، في زمن الجرح، أن يحوّل الجار في عين جاره إلى غريب.

والسياق التاريخي للأردن يقول شيئاً أعمق: إن التعدد فيه لم يكن ترتيباً إدارياً للعيش المشترك، بل ذاكرة حياة مشتركة؛ قرى ومدن تقاسمت الخبز والماء والمدرسة والجندية والفرح والعزاء، وظل جرس الكنيسة والأذان يصعدان من الجغرافيا نفسها دون أن يحتاج أحدهما إلى إسكات الآخر كي يكون مسموعاً. ومن هنا فالدرس ليس أن نقول إن وحدتنا قوية ثم نمضي، وإنما أن نحول الحادث إلى لحظة مراجعة وطنية؛ كيف نحمي خطابنا العام؟ كيف نكتشف بذور التطرف قبل أن تصبح رصاصاً؟ وكيف نربي أبناءنا على أن اختلاف العقيدة لا يصنع اختلافاً في قيمة الدم والكرامة والمواطنة؟

اليوم، ونحن نعيد الشهداء إلى ترابهم، لعل أجمل وفاء لهم أن نُبقي ما أرادت الرصاصة قتله حيّاً: الثقة بين الأردنيين، وحرمة دور العبادة، وأمان الإنسان، والقدرة على الاختلاف دون كراهية. فالترقد أنفس الشهداء بسلام، ولتبقَ عائلاتهم محاطة بقلب وطن كامل، وليكن جوابنا على الحادث أبلغ من كل خطاب؛ أن نقف أكثر قرباً من بعضنا، وأن يصبح وجع حمود درساً يحرس المستقبل. فالشهيد يُوارى الثرى مرةً واحدة؛ أما الفتنة، فأصدق الوفاء لدمه؛ ألّا تجد بأردننا العزيز أرضاً تُوارى فيها بذورها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 10:42