ليسوا منا ونحن منهم براء
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 09:16
ثمة جرائم لا يجوز أن تمرّ بوصفها حوادث عابرة، ولا أن تختصرها البيانات الرسمية في كلمات الإدانة والاستنكار؛ لأنها تمسّ جوهر المجتمع، وتختبر وعي الدولة وصلابة النسيج الوطني، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية. وما شهدته قرية الحمود في محافظة الكرك من اعتداء آثم على كنيسة، واستهداف أناس كانوا يشيّعون فقيدتهم، يضعنا أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الجريمة إلى الفكر الذي يقف وراءها: كيف يمكن لإنسان أن يستبيح حرمة الموت، ويعتدي على الأبرياء، ثم يزعم لنفسه حقًا في تمثيل الدين أو الدفاع عن العقيدة؟
ليسوا منا ونحن منهم براء.
ليست هذه العبارة مجرد موقف انفعالي تفرضه فداحة الحدث، بل إعلان واضح بأن المجتمع الأردني يرفض كل فكر يستبيح الدماء، ويحوّل الاختلاف الديني إلى عداوة، ويتخذ من الدين ستارًا لارتكاب الجرائم. فلا دين يبرر الاعتداء على الأبرياء، ولا عقيدة تمنح أحدًا حق انتهاك دور العبادة، ولا قضية مهما كانت ذرائعها تسمح بتحويل جنازة إلى ساحة للرعب والخوف.
إن الجريمة، مهما كانت دوافع مرتكبيها، لا تُقرأ فقط من خلال فعلها المباشر، بل أيضًا من خلال ما قد يراد لها أن تتركه من آثار في المجتمع. فاستهداف مكان للعبادة والاعتداء على أناس في لحظة وداع فقيدتهم ليسا فعلين يمكن عزلهما عن خطورة التطرف حين يتغذى على الكراهية، ويصنع من الاختلاف خصومة، ومن الآخر عدوًا يستحق الاعتداء.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف حاسمًا: لا تسامح مع الجريمة، ولا تهاون مع الفكر الذي يبررها، ولا قبول بمحاولات اختطاف الدين وتقديمه في صورة مناقضة لقيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان.
المسيحي الأردني ليس غريبًا في وطنه، وليس ضيفًا على تاريخه، وليس بحاجة إلى شهادة أحد على انتمائه. إنه ابن هذا الوطن، وشريك في بنائه، وحاضر في ذاكرته الوطنية، كما هو المسلم الأردني شريك في المسؤولية والمصير. هذه حقيقة لم تصنعها الظروف الطارئة، بل رسختها أجيال من الأردنيين الذين عاشوا معًا، وتقاسموا الأفراح والأحزان، ووقفوا في وجه المحن بوصفهم أبناء وطن واحد.
ولذلك، فإن استهداف كنيسة لا يعني الاعتداء على مبنى أو مكان فحسب، بل يمثل اعتداء على حق أصيل في ممارسة الشعائر الدينية، وعلى قيمة التعدد التي صانها المجتمع الأردني عبر تاريخه. ومن يعتدي على مواطن بسبب دينه، أو يستهدف جماعة بسبب معتقدها، إنما يعتدي على مبدأ المواطنة الذي يقوم عليه استقرار الدولة وقوة المجتمع.
لقد كانت الكرك، وستبقى، جزءًا أصيلًا من الحكاية الأردنية التي لا تُكتب بلون واحد، ولا تختصرها جماعة دون أخرى. وفي تاريخ الأردن شواهد كثيرة على أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لم تكن مجرد تعايش اضطراري، بل شراكة وطنية واجتماعية وإنسانية. ومن يحاول اليوم العبث بهذه العلاقة، إنما يصطدم بإرث أعمق من خطابه، وبوعي وطني أكبر من أوهامه.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي.
المطلوب هو إنفاذ القانون، واستكمال التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة، وضمان ألا يفلت مرتكبوها من العقاب. والمطلوب أيضًا مواجهة خطاب التحريض والكراهية، وعدم السماح للشائعات أو التفسيرات المتسرعة بأن تزيد الألم أو تفتح الباب أمام الانقسام. فالدولة القوية لا تحمي مواطنيها بالقانون وحده، بل كذلك بترسيخ الثقة بمؤسساتها، وصون حقوق الجميع، والتصدي الحازم لكل ما يهدد أمنهم وكرامتهم.
وفي المقابل، تقع على النخب السياسية والإعلامية والثقافية مسؤولية كبيرة في هذه اللحظة. فالكلمة قد تكون جسرًا للوعي، وقد تتحول إلى وقود للفتنة؛ والإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الحدث، بل يضعه في سياقه الصحيح، ويفصل بين الحقيقة والشائعة، ويرفض منح خطاب التطرف منبرًا جديدًا، أو تحويل المأساة إلى مادة للمزايدات والانقسامات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مثل هذه الجرائم هو أن ينجح مرتكبوها في تحقيق غاية تتجاوز فعلهم المباشر: أن يزرعوا الشك بين أبناء الوطن الواحد، أو أن يجعلوا مواطنًا يشعر بأن انتماءه موضع تساؤل، أو أن تتحول الجريمة إلى سبب للتعميم والكراهية المتبادلة. ولذلك، فإن الرد الحقيقي لا يكون بالانفعال وحده، بل بوحدة وطنية راسخة، وعدالة ناجزة، وخطاب مسؤول، وإصرار على حماية كل أردني دون تمييز.
ليس مطلوبًا من الأردنيين اليوم أن يثبتوا وحدتهم؛ فقد أثبتتها سنوات طويلة من الحياة المشتركة والمواقف الوطنية. المطلوب أن يصونوا هذه الوحدة من محاولات العبث بها، وأن يدركوا أن حماية الكنيسة والمسجد، وصون حرمة الإنسان، والدفاع عن حقه في العبادة والأمان، ليست قضايا تخص جماعة دون أخرى، بل مسؤولية وطن بأكمله.
إننا أمام لحظة تستدعي وضوح الموقف، لا ضبابية التبرير؛ وشجاعة الإدانة، لا حسابات المجاملة؛ والتمسك بالقانون، لا الانجرار وراء الشائعات. فالجريمة جريمة، والاعتداء على الأبرياء مرفوض، واستغلال الدين لتبرير العنف انحراف لا يجوز السكوت عنه.
ليسوا منا ونحن منهم براء؛ لأن الانتماء إلى هذا الوطن لا يجتمع مع استباحة دماء أبنائه، ولا مع انتهاك دور عبادتهم، ولا مع تحويل اختلافهم إلى ذريعة للعداء.
سيبقى الأردن وطنًا للمسلمين والمسيحيين، وطنًا لا يُختبر فيه انتماء الإنسان بدينه، ولا تُنتقص فيه كرامته بسبب معتقده. وستبقى الكرك، كما كانت دائمًا، شاهدًا على أصالة الأردنيين وقدرتهم على حماية وحدتهم في مواجهة المحن.
أما الذين يظنون أن رصاصة تستطيع أن تهدم تاريخًا من الأخوّة، أو أن جريمة تستطيع أن تفصل الأردني عن أخيه الأردني، فعليهم أن يدركوا أن الأوطان لا تُبنى على الكراهية، وأن المجتمعات التي تعرف قيمة وحدتها لا تسمح للمجرمين بأن يحددوا مستقبلها.
رحم الله الضحايا، وحمى الأردن وأهله، وحفظ وحدتنا الوطنية من كل فكر متطرف، وكل يد آثمة، وكل محاولة تستهدف أمن الوطن واستقراره.
ليسوا منا ونحن منهم براء.
ليست هذه العبارة مجرد موقف انفعالي تفرضه فداحة الحدث، بل إعلان واضح بأن المجتمع الأردني يرفض كل فكر يستبيح الدماء، ويحوّل الاختلاف الديني إلى عداوة، ويتخذ من الدين ستارًا لارتكاب الجرائم. فلا دين يبرر الاعتداء على الأبرياء، ولا عقيدة تمنح أحدًا حق انتهاك دور العبادة، ولا قضية مهما كانت ذرائعها تسمح بتحويل جنازة إلى ساحة للرعب والخوف.
إن الجريمة، مهما كانت دوافع مرتكبيها، لا تُقرأ فقط من خلال فعلها المباشر، بل أيضًا من خلال ما قد يراد لها أن تتركه من آثار في المجتمع. فاستهداف مكان للعبادة والاعتداء على أناس في لحظة وداع فقيدتهم ليسا فعلين يمكن عزلهما عن خطورة التطرف حين يتغذى على الكراهية، ويصنع من الاختلاف خصومة، ومن الآخر عدوًا يستحق الاعتداء.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف حاسمًا: لا تسامح مع الجريمة، ولا تهاون مع الفكر الذي يبررها، ولا قبول بمحاولات اختطاف الدين وتقديمه في صورة مناقضة لقيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان.
المسيحي الأردني ليس غريبًا في وطنه، وليس ضيفًا على تاريخه، وليس بحاجة إلى شهادة أحد على انتمائه. إنه ابن هذا الوطن، وشريك في بنائه، وحاضر في ذاكرته الوطنية، كما هو المسلم الأردني شريك في المسؤولية والمصير. هذه حقيقة لم تصنعها الظروف الطارئة، بل رسختها أجيال من الأردنيين الذين عاشوا معًا، وتقاسموا الأفراح والأحزان، ووقفوا في وجه المحن بوصفهم أبناء وطن واحد.
ولذلك، فإن استهداف كنيسة لا يعني الاعتداء على مبنى أو مكان فحسب، بل يمثل اعتداء على حق أصيل في ممارسة الشعائر الدينية، وعلى قيمة التعدد التي صانها المجتمع الأردني عبر تاريخه. ومن يعتدي على مواطن بسبب دينه، أو يستهدف جماعة بسبب معتقدها، إنما يعتدي على مبدأ المواطنة الذي يقوم عليه استقرار الدولة وقوة المجتمع.
لقد كانت الكرك، وستبقى، جزءًا أصيلًا من الحكاية الأردنية التي لا تُكتب بلون واحد، ولا تختصرها جماعة دون أخرى. وفي تاريخ الأردن شواهد كثيرة على أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لم تكن مجرد تعايش اضطراري، بل شراكة وطنية واجتماعية وإنسانية. ومن يحاول اليوم العبث بهذه العلاقة، إنما يصطدم بإرث أعمق من خطابه، وبوعي وطني أكبر من أوهامه.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي.
المطلوب هو إنفاذ القانون، واستكمال التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة، وضمان ألا يفلت مرتكبوها من العقاب. والمطلوب أيضًا مواجهة خطاب التحريض والكراهية، وعدم السماح للشائعات أو التفسيرات المتسرعة بأن تزيد الألم أو تفتح الباب أمام الانقسام. فالدولة القوية لا تحمي مواطنيها بالقانون وحده، بل كذلك بترسيخ الثقة بمؤسساتها، وصون حقوق الجميع، والتصدي الحازم لكل ما يهدد أمنهم وكرامتهم.
وفي المقابل، تقع على النخب السياسية والإعلامية والثقافية مسؤولية كبيرة في هذه اللحظة. فالكلمة قد تكون جسرًا للوعي، وقد تتحول إلى وقود للفتنة؛ والإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الحدث، بل يضعه في سياقه الصحيح، ويفصل بين الحقيقة والشائعة، ويرفض منح خطاب التطرف منبرًا جديدًا، أو تحويل المأساة إلى مادة للمزايدات والانقسامات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مثل هذه الجرائم هو أن ينجح مرتكبوها في تحقيق غاية تتجاوز فعلهم المباشر: أن يزرعوا الشك بين أبناء الوطن الواحد، أو أن يجعلوا مواطنًا يشعر بأن انتماءه موضع تساؤل، أو أن تتحول الجريمة إلى سبب للتعميم والكراهية المتبادلة. ولذلك، فإن الرد الحقيقي لا يكون بالانفعال وحده، بل بوحدة وطنية راسخة، وعدالة ناجزة، وخطاب مسؤول، وإصرار على حماية كل أردني دون تمييز.
ليس مطلوبًا من الأردنيين اليوم أن يثبتوا وحدتهم؛ فقد أثبتتها سنوات طويلة من الحياة المشتركة والمواقف الوطنية. المطلوب أن يصونوا هذه الوحدة من محاولات العبث بها، وأن يدركوا أن حماية الكنيسة والمسجد، وصون حرمة الإنسان، والدفاع عن حقه في العبادة والأمان، ليست قضايا تخص جماعة دون أخرى، بل مسؤولية وطن بأكمله.
إننا أمام لحظة تستدعي وضوح الموقف، لا ضبابية التبرير؛ وشجاعة الإدانة، لا حسابات المجاملة؛ والتمسك بالقانون، لا الانجرار وراء الشائعات. فالجريمة جريمة، والاعتداء على الأبرياء مرفوض، واستغلال الدين لتبرير العنف انحراف لا يجوز السكوت عنه.
ليسوا منا ونحن منهم براء؛ لأن الانتماء إلى هذا الوطن لا يجتمع مع استباحة دماء أبنائه، ولا مع انتهاك دور عبادتهم، ولا مع تحويل اختلافهم إلى ذريعة للعداء.
سيبقى الأردن وطنًا للمسلمين والمسيحيين، وطنًا لا يُختبر فيه انتماء الإنسان بدينه، ولا تُنتقص فيه كرامته بسبب معتقده. وستبقى الكرك، كما كانت دائمًا، شاهدًا على أصالة الأردنيين وقدرتهم على حماية وحدتهم في مواجهة المحن.
أما الذين يظنون أن رصاصة تستطيع أن تهدم تاريخًا من الأخوّة، أو أن جريمة تستطيع أن تفصل الأردني عن أخيه الأردني، فعليهم أن يدركوا أن الأوطان لا تُبنى على الكراهية، وأن المجتمعات التي تعرف قيمة وحدتها لا تسمح للمجرمين بأن يحددوا مستقبلها.
رحم الله الضحايا، وحمى الأردن وأهله، وحفظ وحدتنا الوطنية من كل فكر متطرف، وكل يد آثمة، وكل محاولة تستهدف أمن الوطن واستقراره.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 09:16