الرهان الخاسر على الفوضى في الأردن

نور الدويري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 08:28
بالأمس شهد الأردن لأول مرة حادثة إرهابية استهدفت كنيسة في الكرك ارتقى فيها عدد من الشهداء وآخرون جرحى قيد العلاج، لتكون اختباراً جديداً لمناعة الدولة في إقليم يغلي.

ومن يقرأ الخريطة الإقليمية يدرك أن التوقيت ليس بريئاً، إذ أن المنطقة تعيش إعادة رسم من غزة إلى لبنان وسوريا والبحر الأحمر، وهناك من يعتقد أن الخاصرة الأردنية هي الحلقة التي يمكن الضغط عليها لإحداث فوضى، لكن من يعتقد ذلك لا يعرف النموذج الداخلي للأردن.

فالخطأ أن البعض يرى الأردن دولة متنوعة ديموغرافياً ومحدودة الموارد فيظن ضربه سهلاً بيننما للأردن خصوصية اجتماعية وسياسية صنعت نموذجه.

اجتماعياً، يقوم الأردن على نموذجين أساسيين: القبلي البدوي والجبلي، وهي تراكيب مركبة اختلطت بالنموذج المدني وتطور هيكلها، مما جعل الانتماء الوطني صلباً لا يتعلق بدين أو عادات فقط، بل انخلطت كل الماكينات الاستيعابية في نموذج أردني يرى بالوطن ديناً والعكس.

سياسياً، يشكل النظام الهاشمي نموذجاً قام على المبايعة لا الإكراه أو الانقلاب، ثم ساهمت القيادة الهاشمية في بناء الحواضن الهاشمية التي طورها الملك عبدالله الثاني، فدفعت الشكل الأمني والعسكري لينمو بمعايير عقائدية تقوم على الانتماء الوطني المنصهر بأي خلفية دينية، فتشكل النموذج الأردني على عقيدة يطلق عليها "الأردن".

لذلك ترى الأردنيين حساسين جدا جراء مسميات الهوية الوطنية لارتباط الهوية الوطنية بالهوية الإنسانية والسيكولوجيه لديه.

أن هذا الاختصار لبناء الدولة يشكل حزمة انتماء واحدة، وهو أحد الأسباب التي منعت سقوط الأردن في أي منحنى سياسي أو اقتصادي أسقط دولاً عربية عديدة لذلك الرهان على الفوضى يكاد يكون مستحيلاً في ظل المسؤولية المجتمعية المشتركة.

ولا يمكن أن لا أعرج على الرسائل السياسية للدولة خلال حادثة الكرك، وأولها رسالة البوريه الحمراء التي ظهر بها الملك عبدالله الثاني لم تكن صدفة بروتوكولية، بل معنى عسكري يدل على اللواء 71 لمكافحة الإرهاب والقوات الخاصة لذا ارتداؤها بهذا التوقيت رسالة مباشرة بأن الدولة في جاهزية قتالية والقيادة الهاشمية على رأس الصفوف، ورسالة ردع لكل من يفكر أن الحادثة ستخلق فراغاً وفوضى ولا يبدو أن الأردن سيتجاوز الحادثة بمحاسبة الجناة فقط، بل الرسالة أن المحاسبة ستبقى مفتوحة حتى تضمن السيطرة الكاملة.

ثم التضامن الأردني مع الكنائس والذي استمر منذ الحادثة لوقت قد لا تحدده مواعيد استقبال التعازي، وهذا يعود لقوة مفاصل الدولة لا سيما الاجتماعية.

ليبقى السؤال من المستفيد؟ سواء أثبت التحقيق أن المتورطين خلايا متطرفة أو تجنيدات خارجية أو أدوات إقليمية، فالنتيجة واحدة لن تستطيع أي جهة تحقيق هدفها.

فالمستفيد يريد ثلاثة أشياء إشاعة الخوف، وضرب الثقة بين المواطن والدولة، وخلق شرخ عشائري وديني، إلا أن الشرخ الاجتماعي والسياسي صعب نظراً لنموذج الأردن المعقد والمتكيف بعناصره الأساسية بعقيدة وطنية غلب فيها الانضباط وحفظ هيبة الدولة التي يراها الأردني تمسه شخصياً، مما يجعل الرهان على الأردن خاسراً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 08:28