داعش الذي ظنناه انتهى..

محمد ابو رمان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 14:59
مدار الساعة - أصابت جريمة كنيسة حمود في الكرك شيئاً عميقاً في وجدان الأردنيين، يتجاوز بشاعة القتل وعدد الضحايا، إلى الإحساس بأن الاعتداء استهدف معنى اجتماعهم نفسه، فالكنيسة في الكرك جزء من تاريخ المدينة وذاكرتها وعلاقات أهلها، والمسيحيون ليسوا جماعة تعيش على هامش المجتمع وتحتاج إلى التعريف بموقعها فيه، بل هم من صميم تكوينه، لذلك شعر الأردنيون بأن الرصاص أصاب بيتهم، وأن الذين ذهبوا لتشييع فقيدة عاد بعضهم شهداء في جريمة تعتدي على الحياة والموت معاً.

لهذا كان الحضور الملكي والتضامن الشعبي والسياسي تعبيراً عن شعور وطني جامع، وعن رفض السماح للجريمة بأن تحقق غايتها الأبعد، وهي تحويل الاختلاف الديني إلى خوف متبادل، وضرب الثقة التي بُنيت عبر أجيال، فالمواجهة الأولى مع الإرهاب تبدأ من إفشال المعنى الذي يريد فرضه على المجتمع، ومن تأكيد أن الضحايا أهلنا، وأن حماية الكنائس والمساجد وحرية العبادة مسؤولية وطنية لا تقبل التردد.

لكن التضامن، على ضرورته، يحتاج إلى أن يتحول إلى معرفة وسياسات وعمل متراكم، حتى لا نكتفي بعد كل جريمة بإعادة تأكيد القيم التي نؤمن بها، ثم نعود إلى الحياة نفسها، ونترك الشروط التي تسمح بتكرار الجريمة تعمل بعيداً عن الأنظار.

كانت الحصيلة الأولى المعلنة سبعة شهداء و34 مصاباً، قبل أن تشير التغطيات صباح 24 تشرين الأول إلى ارتفاعها إلى ثمانية شهداء و40 مصاباً، فيما بقيت الصلات التنظيمية للمنفذين قيد التحقيق، وهذا تمييز أساسي، فإدانة الجريمة قطعية، أما إسنادها إلى تنظيم بعينه، وتحديد طبيعة العلاقة به، فيحتاجان إلى أدلة، ولا يجوز أن يحل التشابه في الأهداف والأساليب محل التحقيق.

مع ذلك، فإن انتظار نتائج التحقيق لا يفرض تعليق التفكير، فلدينا خبرة بحثية متراكمة عن التيار الجهادي الأردني، وعن تحولات أجياله وشبكاته وخريطته الاجتماعية وتجربته في السجون، تسمح بقراءة الحدث في سياق أعمق، وتحول دون اختزاله في صورة إعلامية سريعة، أو استخدامه لإعادة إنتاج تفسيرات مريحة لا تصمد أمام الوقائع.

الكمون الذي قرأناه نهايةً

تأتي الصدمة، جزئياً، من الاعتقاد بأن داعش انتهى بانهيار دولته في العراق وسورية، وأن سنوات الهدوء تعني انطفاء الأفكار التي حملها، بينما كان السؤال المركزي مختلفاً في دراستنا «الجهاديون الأردنيون وانهيار دولة داعش» (نشرت أيضاً فصلاً في كتاب الإسلاميون في الأردن؛ الدين والدولة والمجتمع من إصدارات معهد السياسة والمجتمع بمشاركة حسن ابو هنية وعبدالله الطائي)؛ ما الذي انهار بالفعل، وما الذي استمر بعد انهياره؟ وهل أدت الهزيمة العسكرية إلى مراجعة فكرية، أم إلى تراجع النشاط وانتظار ظروف أخرى؟

كان هذا هو سبب العودة إلى التيار بعد انحسار موجة الصعود، ومحاولة فهم أثر الهزيمة وتجربة الاعتقال، خصوصاً مع اقتراب انتهاء محكوميات أعداد اعتُقلت في سنوات تمدد التنظيم، فالتعامل مع هذا التحول بوصفه نهاية تلقائية للمشكلة يفترض أن الفكرة تموت بمجرد سقوط السلطة التي جسّدتها، وأن الإنسان يعيد النظر في قناعاته بالضرورة عندما يخسر التنظيم الذي آمن به، وهذان افتراضان لا تؤيدهما التجربة.

قد يفسر بعض الأتباع الهزيمة باعتبارها ابتلاءً، أو نتيجة أخطاء قيادية، أو مؤامرة، من دون مراجعة أصل الفكرة، وقد ينسحب آخرون فعلاً، فيما يكتفي فريق ثالث بتعليق النشاط تحت ضغط المتابعة الأمنية، وهذه مسارات مختلفة لا يمكن جمعها في نتيجة واحدة، كما لا يمكن قياسها بعدد العمليات وحده.

لذلك حذرت الدراسة من الاكتفاء بما يظهر على السطح، فالكمون قد يعكس نجاحاً أمنياً مهماً في تقييد القدرة على الحركة، لكنه لا يكفي لإثبات تفكك البيئة التي تعيد إنتاج الاستعداد للعنف، ومن هنا ينبغي التمييز بين انهيار الدولة، وتراجع التنظيم، واستمرار التيار، وبقاء الشبكات المحلية التي تحمل أفكاره وتمنحه قابلية التجدد.

كانت مواجهة الرمثا، في تشرين الثاني 2025، تذكيراً بهذه المسألة، فقد أعلن الأمن العام مقتل شقيقين من حملة الفكر التكفيري خلال مداهمة أُصيب فيها ثلاثة من أفراد القوة الأمنية، وهو حدث يلفت إلى استمرار الخطر وإلى أهمية الروابط العائلية في فهم بعض حالاته، من دون أن يثبت بذاته علاقة تنظيمية بالجريمة الأخيرة في الكرك.

وفي المقابل، لا تعني جريمة كبيرة ومروعة بالضرورة وجود تنظيم مركزي كبير يدير شبكة واسعة داخل البلاد، فقد تكون وراءها مجموعة صغيرة، أو أفراد تجمعهم علاقات سابقة، وقد تكشف التحقيقات عن اتصال بالخارج أو عن تأثر أيديولوجي لا تصاحبه تبعية تنظيمية مباشرة، فالتأثر والدعم والتوجيه والقيادة مستويات مختلفة، والقراءة الدقيقة تميّز بينها بدلاً من القفز من حجم المأساة إلى حجم البنية التنظيمية المفترضة.

استهداف الكنائس نفسه لم يكن غائباً عن الملفات السابقة، فقد رصدت الدراسة الأحدث وجود الكنائس ضمن الأهداف المخطط لاستهدافها بنسبة 3.8% في التصنيف الذي عرضته، إلى جانب الأجهزة الأمنية والمصالح الأجنبية والسفارات والسياح وأهداف أخرى، وهي نسبة تخص الأهداف المرصودة في الملفات، وليست قياساً لاحتمال وقوع اعتداء، لكنها تكشف أن ما صدم المجتمع في تحققه الدموي لم يكن غائباً عن مخيلة بعض المجموعات.

في المنطق الداعشي يمكن تحويل المدني إلى هدف، والمكان المقدس إلى ساحة قتل، عندما تعاد صياغة العالم على أساس التكفير وإباحة الدم والترويع، وهنا يصبح السؤال الأعمق كيف يصل إنسان إلى الاعتقاد بأن قتل جيرانه أو مواطنيه عمل مشروع، وكيف تكتسب هذه القناعة قوةً تتجاوز روابط الحياة اليومية وكل ما يفترض أنه يمنع الجريمة؟

من التنظيم إلى المجتمع الصغير الذي يحمله

يقودنا هذا السؤال إلى المفهوم الذي ركزنا عليه في دراساتنا، «النادي الاجتماعي للجهاديين»، والمقصود شبكة العلاقات التي تمنح الأفكار بيئةً للحياة والاستمرار، من القرابة والمصاهرة إلى الصداقة والزمالة والحي والمسجد والنادي، ففي هذه الدوائر لا ينتقل الخطاب بوصفه نصاً مجرداً، بل محمولاً على الثقة والولاء والمودة والشعور بالانتماء.

قد يثق الشاب بالشخص قبل أن يقتنع بالفكرة، ويدخل مجموعة الأصدقاء قبل أن يدخل الجماعة الأيديولوجية، ثم تعاد قراءة تجاربه داخل المجموعة، فتتجمع مشكلاته الشخصية وإحباطاته السياسية وأسئلته الدينية في رواية واحدة، تمنحه تفسيراً لما يعانيه، وتحدد له المسؤول عنه، وتقترح عليه طريقاً للرد.

تكمن قوة هذه البيئة في أنها تقدم أكثر من خطاب، فهي تمنح الاعتراف والمكانة والصحبة والإحساس بالدور، وقد يصبح التراجع عن الفكرة تهديداً لخسارة العالم الاجتماعي الذي بناه الشخص حولها، لذلك فإن تفكيك قناعة متطرفة يحتاج أحياناً إلى مساعدته على بناء علاقات وحياة خارج الدائرة التي احتكرت انتماءه.

هنا تظهر محدودية التفسير الذي يجعل الإنترنت السبب الرئيسي لكل شيء، فقد أعطت دراستنا العلاقات الأولية دوراً مركزياً في التجنيد والتعبئة، ورأت في الإنترنت ميسّراً للتواصل والدعاية والاتصال بأفراد التنظيم في الخارج، وهذا لا ينفي الاستقطاب الرقمي، لكنه يمنع اختزال المسار كله في شاشة.

السؤال ليس فقط ماذا يشاهد الشاب، بل مَن يرسل إليه المادة، ولماذا يثق به، ومَن يناقشه فيها، وأي جماعة تمنحها شرعيتها؟ قد يكون المرسل قريباً التحق بالتنظيم خارج البلاد، أو زميلاً في الجامعة، أو صديقاً من الحي، وقد يبدأ التعارف رقمياً ثم يتحول إلى علاقة اجتماعية، فالعالمان متداخلان، لكن مطاردة المحتوى وحدها لا تفكك العلاقات التي تمنحه تأثيره.

تزداد أهمية ذلك مع التحول الجيلي والعائلي، إذ رصد الكتاب حالات تمتد فيها الصلة بالتيار من الأب إلى الابن، وأحياناً عبر ثلاثة أجيال، إلى جانب ظواهر الأشقاء والشقيقات والأحداث، بما يكشف أن بعض البيئات أصبحت قادرة على نقل الذاكرة والرموز والعلاقات، حتى عندما تتغير أسماء التنظيمات والقيادات.

هذا ليس توريثاً بيولوجياً للتطرف، ولا حكماً على العائلات، فقد تكون الأسرة أول المتضررين وأكثر الأطراف قدرة على إنقاذ أبنائها، لكن تجاهل التنشئة داخل هذه الدوائر يمنع فهم كيفية استمرارها، كما أن وصم الأسرة كلها قد يهدم أحد أهم الجسور التي يمكن أن تساعد على الخروج منها.

لهذا نحتاج إلى تتبع تاريخ الخلايا والمجموعات، أو جينالوجيتها، بمعنى فهم أصول التعارف ومسارات التأثير وعلاقات القرابة وتجارب السجن والاتصال بالخارج، فالمجموعة الجديدة قد لا تكون استمراراً تنظيمياً مباشراً للمجموعة السابقة، لكنها قد تنشأ من بعض علاقاتها وذاكرتها ومصادر ثقتها، وهذا ما يجعل قراءة كل قضية باعتبارها بداية منفصلة قراءةً ناقصة.

مَن هم الذين نستهدفهم بالوقاية؟

تقتضي قراءة هذه البيئة مراجعة الصور الشائعة عن المنتسبين إليها، فليس دقيقاً أنهم جميعاً عاطلون عن العمل، أو ضعيفو التعليم، أو قادمون من طبقة اجتماعية واحدة، كما لا يجوز تحويل وصف «المرضى النفسيين» إلى تشخيص جماعي يغنينا عن البحث، فالفحص النفسي عمل متخصص وفردي، وبشاعة الفعل لا تكفي لتحديد منشئه النفسي.

لكن تصحيح الصورة يفرض الدقة في استخدام دراساتنا نفسها، فكتاب «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» اعتمد قاعدة تضم 760 حالة، مع تفاوت المعلومات المتاحة عن المؤشرات، وأظهر حضوراً للفئات الأقل تعليماً والمتعطلين عن العمل، إلى جانب أصحاب الأعمال والمهنيين والمدرسين والموظفين، أي إنه كشف تنوعاً اجتماعياً لا ينسجم مع تفسير الظاهرة بعامل واحد.

أما الدراسة الأحدث، المتعلقة بمرحلة 2017–2021، فأظهرت تحولاً مهماً، إذ بلغت نسبة الحاصلين على البكالوريوس 36.9% ضمن بيانات التعليم المتاحة، وقدّر التحليل مجموع الجامعيين والطلاب بنحو 68%، فيما بلغت نسبة المسجلين بلا عمل 7.6% ضمن البيانات المهنية المتاحة، وهذه الأخيرة ليست معدل بطالة وطنياً محسوباً على قوة العمل، لكنها تكفي لنقض الانطباع بأن غياب العمل هو التفسير الجامع.

كذلك برز حضور لطلاب الهندسة وخريجيها، مع ضرورة التنبيه إلى أن معلومات التخصص لم تتوافر إلا عن 36 حالة، فلا يصح تحويل المؤشر إلى نسبة عامة، ولا تحميل تخصص جامعي مسؤولية تفسير التطرف، والمغزى أن التعليم والعمل والموقع الطبقي لا تمنح حصانة تلقائية، وأن الوقاية التي تبحث حصراً عن الشاب المنقطع عن الدراسة والعاطل عن العمل قد تتجاهل شرائح أساسية.

وقد عالجنا جانباً من هذه المسألة في الدراسة المشتركة مع مؤمن جودة ونيفين بندقجي، المنشورة في المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط، British Journal of Middle Eastern Studies، المجلد 50، العدد الخامس، سنة 2023، الصفحات 1275–1297، بعنوان «Understanding the Jihadi Salafi threat in Jordan in 2011–2017»، أي «فهم التهديد السلفي الجهادي في الأردن خلال 2011–2017»، وكانت قد نُشرت إلكترونياً أول مرة في 24 أيار 2022.

حللت تلك الدراسة قاعدة تضم 780 حالة، مع تفاوت توافر البيانات بين المؤشرات، وقدمت الحرمان النسبي مدخلاً لفهم التفاعل بين التعليم والعمل والرضا عن المكانة، فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمتلكه الإنسان، بل بالفجوة بين ما يتوقعه لنفسه وما يشعر أنه قادر على بلوغه، وقد يكون موظفاً ويشعر بانسداد المستقبل، أو جامعياً لا تمنحه شهادته الاعتراف الذي توقعه، أو مستقراً نسبياً ويبحث عن هوية ودور في قضية أكبر.

لكن الإحباط منتشر، والمتطرفون أقلية، ولذلك لا يتحول الحرمان النسبي تلقائياً إلى عنف، وهنا تأتي الشبكة الاجتماعية التي تمنح الإحباط تفسيراً أيديولوجياً، وتضعه في سردية صراع، وتعرض العنف باعتباره طريقاً إلى استعادة الكرامة والفاعلية، فالفهم يحتاج إلى وصل الظروف بالأفكار والعلاقات، بدلاً من اختيار واحد منها وإلغاء البقية.

ويظهر التحول أيضاً في الجغرافيا، فالمقارنة التي عرضتها الدراسة الأحدث تشير إلى تراجع حصة الزرقاء من نحو 40.7% في البيانات السابقة إلى قرابة 27%، وارتفاع حصة عمّان من نحو 12% إلى 32%، وهي حصص داخل العينات المرصودة، وليست نسب انتشار بين السكان، لكنها تفرض تحديث خريطة الوقاية، والنظر إلى الأحياء والمخيمات والشبكات المحلية بدلاً من الاكتفاء بأسماء المدن التي ارتبطت تاريخياً بالتيار.

كذلك بلغت نسبة من هم دون الثلاثين 79% من أصل 280 حالة توافرت أعمارها في الدراسة الأحدث، مع حضور مقلق للأحداث وطلاب المدارس، وهو ما ينقلنا مباشرة إلى سؤال مؤسسات التنشئة والتعليم، وإلى ضرورة التمييز بين مراهق في بداية الاستقطاب، ومروّج، ومجنّد، وشخص انتقل إلى التخطيط للعنف، فاختلاف المسارات يستدعي اختلاف التدخلات.

الوقاية التي تبدأ قبل السجن وتستمر بعده

إذا كانت هذه هي طبيعة الظاهرة، فإن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تُختزل في ضبط الأشخاص وعزلهم، على أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بخطر فعلي، فالأمن يوقف اعتداءً ويحمي أرواحاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح شاباً معنى لحياته، أو أن يعالج علاقاته ومخاوفه، أو أن يبني له طريقاً مقنعاً للخروج من الجماعة.

لقد راكم الأردن خبرة مهمة، من رسالة عمّان إلى الخطط الوقائية وبرامج مراكز الإصلاح والتأهيل، لكن وجود الجهد لا يعفينا من تقييم أثره، والسؤال الذي ينبغي طرحه هو ما الذي تغير بفعل هذه البرامج، وأي الشرائح وصلت إليها، وهل استمر التغير بعد انتهائها، وأين أخفقت، ولماذا؟

نحتاج إلى الانتقال من قياس الأنشطة إلى قياس النتائج، فعدد الندوات والمحاضرات والمشاركين لا يخبرنا وحده بشيء كافٍ عن تغير القناعات والسلوك، وقد يشارك الشخص في برنامج من دون اقتناع، أو يغيّر سلوكه من دون مراجعة فكره، أو يراجع بعض أفكاره ويحتاج وقتاً ومساندة كي يقطع مع علاقاته السابقة، وهذه فروق يجب أن تدخل في التقييم.

هنا تبرز أهمية المقاربة التكاملية التي دعونا إليها، فهي تبدأ بتحديد المشكلة ومسؤوليات الفاعلين، وتبني مساراً متصلاً بين الوقاية والتعامل القضائي والتأهيل وما بعد الإفراج، وتضع نقاط خروج ممكنة من التطرف في كل مرحلة، بدلاً من انتظار اكتمال المسار العنيف ثم التعامل مع نتائجه.

قبل الوصول إلى القضاء، حيث يسمح القانون وطبيعة الحالة، ينبغي أن توجد إمكانات للتقييم والتدخل المبكر، خصوصاً مع الأحداث ومن هم في بدايات التأثر، فالتمييز بين الفضول والتعاطف والترويج والتجنيد والتخطيط ليس تساهلاً، بل شرط لاختيار الاستجابة المناسبة، ومنع تحويل شخص محدود الانخراط إلى عضو أكثر رسوخاً داخل بيئة متشددة.

أثناء المحاكمة وتنفيذ الحكم، ينبغي أن يصاحب المسار القانوني فهمٌ فردي للحالة، ما دوافعها؟ وما علاقتها بالمجموعة؟ وهل توجد قابلية للمراجعة؟ ومَن يمكن أن يساعد من الأسرة؟ وما الاحتياجات التعليمية والنفسية والاجتماعية؟ فالملف القضائي يحدد المسؤولية القانونية، لكنه لا يقدم وحده خطة تأهيل.

وفي السجن، لا يكفي أن نحسب الوقت المتبقي من المحكومية، بل يجب أن نسأل عما يحدث خلاله، فالدراسة وثقت حالات تجدد فيها النشاط المتطرف بعد الإفراج، وحالة تعارف فيها أربعة أشخاص داخل دار للأحداث، ثم تطورت علاقتهم بعد الخروج إلى قضية جديدة، وهذه الوقائع لا تعطينا نسبة وطنية شاملة للعودة، لكنها تكشف إمكان أن تصبح مؤسسة يفترض أن تساعد على الإصلاح بيئة لتكوين علاقات جديدة تعيد إنتاج المشكلة.

لذلك تحتاج سياسات التصنيف والجمع والعزل إلى مراجعة قائمة على النتائج، كما تحتاج شروط الحياة والمعاملة والاتصال بالأسرة إلى تقييم، فالمطلوب حماية المؤسسة والنزلاء والمجتمع، مع الانتباه إلى أن الإذلال أو انعدام الأفق قد يمنحان خطاب المظلومية مادة إضافية، وأن تطبيق إجراء واحد على الجميع يتجاهل اختلاف درجات التأثير والاستعداد للعنف.

ولا تكفي الاستعانة بخطباء ورجال دين، على أهمية الحوار الديني وتفكيك التأويلات التي تشرعن القتل، فثمة حالات تحركها الحاجة إلى المكانة أو الغضب أو الولاء للأصدقاء أو تجربة فقد، وهذه تحتاج إلى علماء نفس واجتماع واختصاصيين في السلوك والعمل الأسري، ضمن فريق يستطيع بناء برنامج فردي ومراجعته دورياً.

بعد الإفراج تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، فالإنسان يعود إلى الأسرة والعمل والحي، وقد يعود أيضاً إلى الشبكة نفسها التي استقطبته، وإذا وجد الأبواب مغلقة أمام التعليم والعمل والسفر والاندماج، بينما بقيت الجماعة وحدها مستعدة لاستقباله، نكون قد ضيقنا عملياً خيارات الخروج التي نطالبه باختيارها.

من هنا دعت الدراسة إلى برنامج إرشادي وسلوكي للمساندة والمتابعة، وإلى مراجعة تطبيق القيود بصورة شاملة من دون تمييز بحسب الحالة والسلوك، فالمتابعة الأمنية المتناسبة مع الخطر ضرورية، لكن يرافقها دعم يتيح لمن يريد بناء حياة أخرى أن يفعل ذلك، وأن يرى نتيجة ملموسة لقراره، لا أن يبقى محاصراً إلى أجل غير معلوم بهوية المحكوم السابق.

الأهم أن تتصل هذه المراحل ببعضها، وأن تتحدد مسؤولية كل جهة وما يُقاس من نتائج، فالتأهيل يفقد جزءاً من أثره إذا انتهى عند باب السجن، والمتابعة تفقد معناها إذا اقتصرت على الرصد من دون إمكان للتدخل والمساندة، والمقاربة التكاملية تعني وجود مسؤولية مؤسسية عن المسار كله.

منافسة النادي الاجتماعي بحياة قابلة للانتماء

لا تنجح هذه السياسة إذا بقيت محصورة في الأشخاص الذين دخلوا بالفعل دائرة القضاء، فالمعركة الأوسع تتعلق بالبيئات التي يتشكل فيها الاستقطاب، وبقدرة المجتمع على تقديم علاقات وأدوار ومعانٍ تنافس ما تقدمه الجماعات المتطرفة.

تحتل الجامعة هنا موقعاً مركزياً، فالحضور الكثيف للطلاب والجامعيين في الدراسة الأحدث يجعل أندية الحوار واتحادات الطلبة والعمل الحزبي والنقاش الفكري جزءاً من الوقاية، بشرط أن تكون مساحات فعلية للمشاركة والاختلاف، وأن يشعر الشاب بأنه يستطيع الاعتراض والتأثير وتحمل المسؤولية داخل المجال العام.

لا تكفي مطالبة الشباب بالاعتدال إذا كانت الأسئلة الكبرى تُقابل بالتخويف أو التجاهل، فالمطلوب عقلنة الحوار، وتطوير القدرة على بناء الحجة وسماع المختلف ومراجعة المسلمات، وهذا عمل يتجاوز محاضرة موسمية عن مخاطر التطرف إلى حياة جامعية تسمح بتعلم السياسة والفكر والمواطنة بالممارسة.

الانخراط في العمل العام يتيح أيضاً اختبار الأفكار في واقع متعدد، واكتشاف حدود الأحكام المطلقة، والانتقال من تخيل تغيير العالم دفعة واحدة إلى إنجاز عمل يمكن قياسه، وهذه خبرات تضعف جاذبية الجماعة التي تعد الشاب ببطولة كبرى ثم تستخدمه وقوداً لمشروعها.

وينطبق الأمر على الأحياء والمدن والمخيمات، فإذا كانت الشبكة المتطرفة توفر الصحبة والاعتراف والانتماء، فلا بد من توفير مساحات اجتماعية حقيقية، في الرياضة والموسيقى والمسرح والقراءة والعمل التطوعي والمبادرات المحلية، يقودها الشباب ويجدون فيها أدواراً مستمرة.

لا يعني ذلك أن حفلاً فنياً يفكك خلية، بل أن الحياة الثقافية والاجتماعية الثرية توسع عالم الشاب وعلاقاته وخياراته، وتقلل إمكان احتكار جماعة مغلقة لانتمائه، فالمواجهة تتعلق، في جانب منها، بمَن يمتلك القدرة على ملء الوقت وإنتاج المعنى وبناء الثقة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 14:59