معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الميدان

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 13:22
في الحروب والصراعات الحديثة، لم تعد نتائج المواجهة تُقاس بما يتحقق في الميدان وحده، بل أيضًا بما يستقر في عقول الناس، وما يتشكل في وجدانهم من تصورات ومواقف وقناعات. فالصورة التي تصل إلى الجمهور، والرواية التي تفسر الأحداث، والمعلومة التي تسبق غيرها إلى الانتشار، أصبحت جميعها عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وتعزيز الثقة بالدولة أو إضعافها. ومن هنا، فإن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الميدان؛ لأنها تحدد، إلى حد بعيد، كيف يفهم الناس ما جرى، وكيف يحكمون عليه، وما الذي يستخلصونه منه.

لقد أدركت الدول والجماعات، على اختلاف أهدافها وقدراتها، أن السيطرة على تفسير الحدث قد تكون أحيانًا بقدر أهمية السيطرة على مجرياته. فالمواجهة الميدانية تنتج وقائع، لكن الرواية تمنح هذه الوقائع معناها، وتحدد صورتها في الوعي العام. وقد يحقق طرف إنجازًا أمنيًا أو عسكريًا مهمًا، ثم يخسر جانبًا من أثره إذا أخفق في شرح ما حدث، أو ترك المجال للشائعات والتأويلات المضللة كي تملأ الفراغ المعلوماتي.

وفي المقابل، قد تسعى جماعة إرهابية إلى تعويض إخفاقها الميداني بتضخيم أثر هجوم محدود، أو بث صور ومعلومات مجتزأة، أو تقديم فعل إجرامي باعتباره انتصارًا، أو استثمار مشاعر الخوف والغضب لإحداث انقسام داخل المجتمع. وهنا لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح جزءًا من البيئة التي تتشكل فيها آثارها السياسية والاجتماعية والأمنية.

في الماضي، كان انتشار الروايات يتطلب وقتًا ووسائل محددة، وكانت المؤسسات الإعلامية تؤدي الدور الأبرز في نقل الأخبار وتفسيرها. أما اليوم، فقد غيّرت المنصات الرقمية قواعد المشهد؛ إذ يستطيع مقطع مصور، أو منشور مجهول المصدر، أو معلومة غير مكتملة، أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، قبل أن تتضح الوقائع أو تصدر البيانات الرسمية.

ولا تكمن الخطورة في سرعة الانتشار وحدها، بل في أن المعلومة قد تختلط بالشائعة، والتحليل بالخبر، والرأي بالحقيقة، حتى يصبح تصحيح الانطباع الخاطئ أكثر صعوبة من نشره. كما أن المحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب أو الصدمة يحظى، في كثير من الأحيان، بتفاعل واسع، الأمر الذي قد يدفع بعض المستخدمين إلى إعادة نشره دون تحقق، فيتحول المواطن، من حيث لا يقصد، إلى حلقة في سلسلة تضخيم الرسائل المضللة.

وفي أوقات الأزمات، لا يكون الصمت المعلوماتي فراغًا محايدًا؛ بل مساحة قد تملؤها روايات غير موثوقة. وكلما تأخرت المعلومات الدقيقة، أو غابت الشفافية، اتسع المجال أمام التفسيرات المتضاربة. لذلك، فإن الاتصال الفعّال في الأزمات ليس نشاطًا تجميليًا يأتي بعد الحدث، بل وظيفة أساسية في إدارة الأزمة والحد من آثارها.

في الحالة الأردنية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ لأن التماسك الوطني والثقة بالمؤسسات يمثلان عنصرين أساسيين في منظومة الأمن والاستقرار. وعندما تقع جريمة إرهابية تستهدف الأبرياء أو دور العبادة، فإن المواجهة لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، بل تشمل أيضًا منع استثمار الجريمة لإثارة الفتنة أو بث الشك بين المواطنين أو التشكيك في قدرتهم على العيش المشترك.

إن الاعتداء على مكان للعبادة، أيًا كان، لا يستهدف أشخاصًا بعينهم فحسب، بل يمس حقًا أصيلًا في الأمن وممارسة الشعائر، ويختبر قدرة المجتمع على حماية قيم المواطنة والتضامن. ومن هنا، ينبغي أن تكون الرواية الوطنية واضحة في مبادئها: لا تهاون مع الإرهاب، ولا تبرير للعنف، ولا تحميل جماعة بأكملها مسؤولية فعل ارتكبه أفراد، ولا السماح للمجرمين بتحديد طبيعة العلاقة بين أبناء الوطن.

ولا تعني وحدة الرواية الوطنية أن تتطابق الآراء، أو أن يغيب النقد، أو أن تتحول الرسائل العامة إلى شعارات مكررة. بل تعني الاتفاق على الحقائق الثابتة، والاحتكام إلى القانون، وصون كرامة الضحايا، ورفض التحريض، وإبقاء الاختلاف في إطاره المشروع. فالمجتمع الواثق بنفسه لا يخشى تعدد الآراء، لكنه يرفض تحويلها إلى أدوات للكراهية والعنف.

إن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه المؤسسات هو الاعتقاد بأن إدارة الرواية تعني التحكم في كل ما يقال، أو تقديم صورة مثالية لا تتسق مع الوقائع. فالرأي العام لا تُبنى ثقته بالشعارات وحدها، ولا يستمر تأثير الرسائل إذا تعارضت مع ما يراه الناس أو يعرفونه.

المصداقية هي رأس المال الحقيقي في الاتصال الاستراتيجي. وهي تتطلب سرعة معقولة في نشر المعلومات، ودقة في عرض الوقائع، واعترافًا واضحًا بما لم تتضح تفاصيله بعد، وتصحيحًا علنيًا للأخطاء عند وقوعها. كما تتطلب الفصل بين المعلومات المؤكدة والتقديرات والتحليلات، وتجنب إعلان استنتاجات قبل استكمال التحقيقات.

وفي الحوادث الأمنية، ينبغي أن تكون هناك جهة واضحة تتولى الإحاطة الإعلامية، وأن تُحدّث المعلومات بصورة منتظمة، وأن يُشرح للرأي العام سبب عدم نشر بعض التفاصيل إذا كان إعلانها قد يضر بالتحقيق أو سلامة الأشخاص. فالشفافية المسؤولة لا تعني كشف المعلومات الحساسة، كما أن مقتضيات الأمن لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لترك الجمهور في مواجهة الشائعات.

والقاعدة الأساسية هنا أن المصداقية تُبنى عبر الزمن، لكنها قد تتعرض للاهتزاز في لحظات قليلة. لذلك، فإن إدارة الرواية ليست مهمة تبدأ عند وقوع الأزمة؛ بل هي حصيلة الثقة التي تبنيها المؤسسات في أوقات الاستقرار.

لا يمكن تحميل المؤسسات الرسمية وحدها مسؤولية مواجهة التضليل. فالإعلام المهني، والصحافة المحلية، والمؤسسات التعليمية، والقيادات المجتمعية والدينية، والمواطنون أنفسهم، جميعهم شركاء في حماية المجال العام من الشائعات والتحريض.

وتبدأ المسؤولية الإعلامية بالتحقق من مصادر المعلومات، وعدم نشر المواد المصورة مجهولة السياق، وتجنب العناوين المثيرة التي تتجاوز مضمون الخبر، واحترام خصوصية الضحايا وأسرهم. كما ينبغي عدم إعادة نشر الدعاية الإرهابية على نحو يمنحها الانتشار الذي تسعى إليه، مع الاحتفاظ بحق الجمهور في معرفة الوقائع ذات الصلة بالمصلحة العامة.

أما المؤسسات التعليمية والثقافية، فعليها تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتعليم الأفراد كيفية التمييز بين الخبر والرأي، وفحص المصدر والسياق، والتعرف إلى أساليب التلاعب العاطفي والمعلومات المضللة. فالمواطن الذي يمتلك مهارات التحقق يصبح أقل قابلية للاستقطاب، وأكثر قدرة على المشاركة الواعية في حماية مجتمعه.

وتبقى المسؤولية الأهم هي ترسيخ ثقافة لا تتعامل مع كل خبر على أنه حقيقة، ولا مع كل اختلاف على أنه تهديد، ولا مع كل رواية متداولة على أنها تفسير نهائي للأحداث.

إن امتلاك القدرة على إدارة الرواية في الأزمات يتطلب استعدادًا مؤسسيًا سابقًا، لا اجتهادًا مرتجلًا بعد وقوع الحادثة. ويشمل ذلك إعداد خطط اتصال للأزمات، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وتدريب المتحدثين الرسميين، وبناء آليات للتنسيق بين الجهات المعنية، ورصد الشائعات ذات الأثر المحتمل، وتصحيح المعلومات المضللة بسرعة وموضوعية.

كما يتطلب تقييمًا مستمرًا لأثر الرسائل المنشورة: هل وصلت إلى الجمهور المستهدف؟ هل أسهمت في توضيح الوقائع؟ هل عززت الثقة أم زادت الالتباس؟ وما الدروس التي ينبغي استخلاصها استعدادًا للأزمة التالية؟

ومن الضروري أن تستند هذه الجهود إلى احترام القانون وحرية التعبير والخصوصية، وألا يتحول التصدي للتضليل إلى ذريعة لتقييد النقد المشروع أو وصم الآراء المخالفة. فالمعالجة المهنية تميز بين النقد، حتى لو كان حادًا، وبين التحريض على العنف أو نشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار.

إن الرواية الوطنية القوية ليست تلك التي لا تواجه أسئلة صعبة، بل تلك التي تستطيع الإجابة عنها بالحقائق، وتتعامل مع المخاوف بجدية، وتعترف بحدود المعرفة، وتثبت أن المؤسسات قادرة على التعلم والتصحيح.

إن معركة الميدان ومعركة الرواية ليستا مسارين متعارضين؛ بل جبهتان متكاملتان في حماية الأمن الوطني. فالأولى تحمي الأرواح والممتلكات وتفرض سيادة القانون، والثانية تشرح الوقائع، وتحاصر التضليل، وتحمي الثقة، وتمنع الخصوم من استثمار الأحداث لتفكيك المجتمع من الداخل.

لكن الرواية لا تنتصر بمجرد تكرار الرسائل، ولا تُفرض بقرار، ولا تُبنى على المبالغة أو إخفاء الحقائق. إنها تنتصر حين تكون أكثر صدقًا واتساقًا مع الواقع، وحين تعكس أداءً مؤسسيًا مسؤولًا، وحين يجد المواطن في المعلومات ما يطمئنه دون أن يُطلب منه التخلي عن حقه في السؤال والتحقق.

وفي نهاية المطاف، قد تنتهي المواجهة الميدانية خلال ساعات، لكن آثارها في الوعي العام قد تستمر سنوات. لذلك، فإن الاستثمار في الاتصال الاستراتيجي، والإعلام المهني، والتربية الإعلامية، والثقة بين الدولة والمجتمع، ليس ترفًا فكريًا ولا عملًا ثانويًا؛ بل جزء من منظومة الأمن الوطني.

فالميدان يحمي الوطن من الخطر المباشر، والرواية المسؤولة تحميه من الخوف والتضليل والانقسام. وحين تتكامل قوة الدولة مع وعي المجتمع ومصداقية مؤسساته، تصبح الرواية الوطنية عاملًا من عوامل الصمود، لا مجرد تعليق على الأحداث.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 13:22