عاصم البرقان.. من سمار بيوتنا
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 13:18
عرفته منذ سنين عشر وأزيد بقليل، تقدم بطلب لإشغال وظيفة أستاذ مساعد في كلية الآداب، وكنت عميدها آنذاك، دخل عليّ وسلّم " السلام عليكم و رحمة الله وبركاته " شاب في منتصف الأربعينات أسمر كلون جباهنا التي لوحتها شموس الحصايد الممتدة من القلب إلى القلب، فارع الطول كنخلة في خير جوارنا الكركي ، الذي تحار فيها فلا تعرف مسلماً من مسيحي ؛ كأنهم قد ولدوا من بطن واحد لكركيّة من المعايطة أو البقاعين .
رحبت به و كان قد عانى من عدم حصوله على فرصة تعيين لأنه خريج بولندا؛ فقلت له و ما يعيبها ؟ فأومأ إليّ بأدبه الجمّ بحركة من كتفيه؛ و قد حصل على الدرجة قبل ما يزيد عن سنين تزيد على العشر ؛ فاقتنعت، بعد حوار طويل ، بجدارته و استحقاقه للتعيين فساندته و أسندته؛ لا لأنه ضعيف التحصيل ، معاذ الله ، و لكن لأنه رجل أردني و شاب عصامي تعب على نفسه عانى كما عانينا و ذهب إلى بولندا ليكمل دراسته و يعود لبلده ككل الشجعان الذي يرودون العالم طلباً للعلم و المعرفة ليعودوا للمساهمة في بناء هذا الوطن الغالي !.
لم يكن التعيين سهلاً في تلك الحقبة من عمر الجامعة لظروف لا أستطيع الخوض فيها هنا ؛ ولكنني أخذت على عاتقي و دقيت على صدري و عظامي قوية بسند الله بأن يُعيّن ، و قد حصل و عُيِّن ، و هو ممن يصونون الود و يحفظون للرجال عهودهم ، لم يُغيّر و لم يتغيّر؛ كلما لقيني ذكرني بوقفتي معه حتى قبل شهر ، جرت محادثة بيني و بينه ، الله وحده يعلم، نبله فيها، وقد وعدني بزيارة لمكتبي و كنت ساعتها على سفر للإمارات فقلت له حينما أعود نلتقي فعدت ، و لم يكتب لنا الله اللقاء ؛ فقد مضى أبو دانيال إلى رب رحيم يحمل دمه البريء على جبينه الأسمر و قد طالته يد نذل لا يمس للعقيدة و الدين إلا بقدر ما غُذّيَّ من ظلالات باطلة و فريات جاهلية !.
هذبته الكرك بأخلاق رجالها الذين اعتلوا صهوة الخيل ليقفوا يوم مؤتة معلنين الفتح و كتاب القمح في سهول الكرك و أظن أن مؤتة قد تركت في الكركية من الهيّة و شومات إبراهيم الضمور و حتى معاذ الكساسبة و سائد المعايطة قد تركت فيهم بذار الشهامة و علو الكعب في صناعة الفرسان ، يخيطون الأرض بأكفّهم سنابل عزّ و راية نُبِل و ينظمون " سامرهم " بجدائل النشميات اللواتي عاهدنهم على جبال الكرك لا سفوحها بأن لا تهتز الكرك إلا للندى و أن تبقى كصدور السيوف في وجه العدا !.
شاء الله أن يكون ارتقاء عاصم و " اخوياه " من الكركية يوم الجمعة هذا اليوم المقدّس عند إخوانهم المسلمين في جنازة أخت لهم عُمّدت في درب المحبة من أهلها و ليرتقوا و هم في واجب إنساني فقد قيمته الأنذال و فقدوا فيه معاني الرجولة و الكرامة و الإنسانية لا ليتقربوا إلى الله ، كما يعتقدون ، و إنما ليطردوا من رحمة كانت مقسمة بين البشر يوم خلق الله عباده من كل دين !.
أسمع نياح ابنته الوحيدة " داريا " و هي تبكي أباها سيّد الرجال و فارسها الذي أردفها على خيل المروءة و ربّاها على شومات خوات الرجال من الكركيات كحل العيون في مآقي إخوانها من من رجال الذين رفضوا أن يميزوا بيوتهم بالصلبان كي يتفادوا بطش العثمانيين و إنما زادوا الدّهان " ميّة " و هم في عطش يومها و مسغبة ليدهنوا بيوت إخوانهم من المسلمين الكركية و يمنعوا عنهم عاديات الزمن !.
يا داريا
لا تجزعي و لا تخافي وحدة فأنت لست يتيمة في قوم كلهم آباء لك ؛ أنا متأكد بأن أحفاد زيد و جعفر و عبدالله و خالد لن يتركوك وحدك فأكتافهم وسادة لك و " مركاك " قلوبهم في مضافاتهم التي ما استقبلت يوماً إلا كرام الناس و لم يفرّشوا مضافاتهم الكبيرة يوماً إلا للنشامى من ضيوفهم الغانمين ، يا " داريا " أنت بنت من بناتهم جدائلك خيوط " عقالاتهم " و رموشك هدب " شماغاتهم " !.
و أنت يا دانيال كنّ كالرجال كما عرفتك في ساحات الجامعة الهاشمية تزرع الأرض نبلاً ربّاك عليه أبوك ، و كبرت " كل شبر بنذر " فأنت وحيده ، و لكنك اليوم لست وحيداً فالأردنيون عشيرتك " نطاحين المغيرات " يوم الدنيا " كثيرات الهبايب " ؛ فاثبت كجبال الجنوب التي كانت راياتهم تسكن عُلاها ، و لا تبك أباً لك كان يسرج الخيل للريح و لا يهاب المنايا التي " جابها " الأنذال ، كلنا معك فأنت تشدّ أزرنا و تفتح لنا مضافات الهلسة من ربعك الكرام لنستقبل معك الأردنيين ؛ رافعاً رأسك بسيرة أبيك فلم يكن يوماً من " الدنايا " ، لا قدر الله، إنما من " الطنايا " الذين تشمخ أعناقهم لتطاول السحاب و سيكتب الأردنيون معك اسم أبيك على صدر غيمة تشرينية أبت إلا أن تظل قبر أبيك !.
رحبت به و كان قد عانى من عدم حصوله على فرصة تعيين لأنه خريج بولندا؛ فقلت له و ما يعيبها ؟ فأومأ إليّ بأدبه الجمّ بحركة من كتفيه؛ و قد حصل على الدرجة قبل ما يزيد عن سنين تزيد على العشر ؛ فاقتنعت، بعد حوار طويل ، بجدارته و استحقاقه للتعيين فساندته و أسندته؛ لا لأنه ضعيف التحصيل ، معاذ الله ، و لكن لأنه رجل أردني و شاب عصامي تعب على نفسه عانى كما عانينا و ذهب إلى بولندا ليكمل دراسته و يعود لبلده ككل الشجعان الذي يرودون العالم طلباً للعلم و المعرفة ليعودوا للمساهمة في بناء هذا الوطن الغالي !.
لم يكن التعيين سهلاً في تلك الحقبة من عمر الجامعة لظروف لا أستطيع الخوض فيها هنا ؛ ولكنني أخذت على عاتقي و دقيت على صدري و عظامي قوية بسند الله بأن يُعيّن ، و قد حصل و عُيِّن ، و هو ممن يصونون الود و يحفظون للرجال عهودهم ، لم يُغيّر و لم يتغيّر؛ كلما لقيني ذكرني بوقفتي معه حتى قبل شهر ، جرت محادثة بيني و بينه ، الله وحده يعلم، نبله فيها، وقد وعدني بزيارة لمكتبي و كنت ساعتها على سفر للإمارات فقلت له حينما أعود نلتقي فعدت ، و لم يكتب لنا الله اللقاء ؛ فقد مضى أبو دانيال إلى رب رحيم يحمل دمه البريء على جبينه الأسمر و قد طالته يد نذل لا يمس للعقيدة و الدين إلا بقدر ما غُذّيَّ من ظلالات باطلة و فريات جاهلية !.
هذبته الكرك بأخلاق رجالها الذين اعتلوا صهوة الخيل ليقفوا يوم مؤتة معلنين الفتح و كتاب القمح في سهول الكرك و أظن أن مؤتة قد تركت في الكركية من الهيّة و شومات إبراهيم الضمور و حتى معاذ الكساسبة و سائد المعايطة قد تركت فيهم بذار الشهامة و علو الكعب في صناعة الفرسان ، يخيطون الأرض بأكفّهم سنابل عزّ و راية نُبِل و ينظمون " سامرهم " بجدائل النشميات اللواتي عاهدنهم على جبال الكرك لا سفوحها بأن لا تهتز الكرك إلا للندى و أن تبقى كصدور السيوف في وجه العدا !.
شاء الله أن يكون ارتقاء عاصم و " اخوياه " من الكركية يوم الجمعة هذا اليوم المقدّس عند إخوانهم المسلمين في جنازة أخت لهم عُمّدت في درب المحبة من أهلها و ليرتقوا و هم في واجب إنساني فقد قيمته الأنذال و فقدوا فيه معاني الرجولة و الكرامة و الإنسانية لا ليتقربوا إلى الله ، كما يعتقدون ، و إنما ليطردوا من رحمة كانت مقسمة بين البشر يوم خلق الله عباده من كل دين !.
أسمع نياح ابنته الوحيدة " داريا " و هي تبكي أباها سيّد الرجال و فارسها الذي أردفها على خيل المروءة و ربّاها على شومات خوات الرجال من الكركيات كحل العيون في مآقي إخوانها من من رجال الذين رفضوا أن يميزوا بيوتهم بالصلبان كي يتفادوا بطش العثمانيين و إنما زادوا الدّهان " ميّة " و هم في عطش يومها و مسغبة ليدهنوا بيوت إخوانهم من المسلمين الكركية و يمنعوا عنهم عاديات الزمن !.
يا داريا
لا تجزعي و لا تخافي وحدة فأنت لست يتيمة في قوم كلهم آباء لك ؛ أنا متأكد بأن أحفاد زيد و جعفر و عبدالله و خالد لن يتركوك وحدك فأكتافهم وسادة لك و " مركاك " قلوبهم في مضافاتهم التي ما استقبلت يوماً إلا كرام الناس و لم يفرّشوا مضافاتهم الكبيرة يوماً إلا للنشامى من ضيوفهم الغانمين ، يا " داريا " أنت بنت من بناتهم جدائلك خيوط " عقالاتهم " و رموشك هدب " شماغاتهم " !.
و أنت يا دانيال كنّ كالرجال كما عرفتك في ساحات الجامعة الهاشمية تزرع الأرض نبلاً ربّاك عليه أبوك ، و كبرت " كل شبر بنذر " فأنت وحيده ، و لكنك اليوم لست وحيداً فالأردنيون عشيرتك " نطاحين المغيرات " يوم الدنيا " كثيرات الهبايب " ؛ فاثبت كجبال الجنوب التي كانت راياتهم تسكن عُلاها ، و لا تبك أباً لك كان يسرج الخيل للريح و لا يهاب المنايا التي " جابها " الأنذال ، كلنا معك فأنت تشدّ أزرنا و تفتح لنا مضافات الهلسة من ربعك الكرام لنستقبل معك الأردنيين ؛ رافعاً رأسك بسيرة أبيك فلم يكن يوماً من " الدنايا " ، لا قدر الله، إنما من " الطنايا " الذين تشمخ أعناقهم لتطاول السحاب و سيكتب الأردنيون معك اسم أبيك على صدر غيمة تشرينية أبت إلا أن تظل قبر أبيك !.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 13:18