الكاتب بين فتات الدعم ومهانة الثقافة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 10:56
ثمّة ظاهرة أخذت تستفحل في حياتنا الثقافية، حتى كادت تتحول إلى مشهد مألوف لا يثير فينا الدهشة ولا الاستنكار: يطبع الكاتب من كتابه خمسين نسخة، أو أقل، أو أكثر بقليل، ثم يبدأ رحلة شاقة في تسويقها إلى المؤسسات التي قد تشتري منه بعض النسخ، لا لأنها ترى في الكتاب مشروعًا ثقافيًا يستحق الانتشار، وإنما بوصف ذلك نوعًا من الدعم للكتاب والكاتب. فإذا نفدت النسخ، عاد الكاتب إلى المطبعة، فأصدر عددًا آخر، ثم أعاد الكرة من جديد، وكأن الكتاب سلعة موسمية، وكأن الكاتب لا يملك من أدوات البقاء سوى أن يحمل كتبه تحت ذراعه، ويطرق أبواب المؤسسات، منتظرًا من يشتري منه بعض النسخ.
وما هذا الدعم، في حقيقته، إلا فتاتٌ لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا ينهض بصناعة الكتاب، ولا يحفظ للكاتب كرامته. إنه أشبه بمن يمدّ يده إلى جائع بكسرة خبز، ثم يطلب منه أن يشكره لأنه أنقذه من الجوع؛ بينما المشكلة ليست في الجوع وحده، وإنما في نظام كامل جعل الجائع يعيش على الصدقات.
لقد وصل الكاتب إلى هذه الحال بفعل ظروف اقتصادية خانقة، جعلت الكتابة مهنة بلا مورد، والكتاب مشروعًا خاسرًا قبل أن يرى النور. لكن المسألة لا تتوقف عند الاقتصاد وحده؛ فثمة أزمة أعمق تتصل بمكانة الثقافة في المجتمع، وبالنظرة الرسمية إليها، وبذلك التراجع المستمر في حضور الكتاب والمثقف والمنتج الثقافي في سلم الأولويات.
لقد دُفعت الثقافة، عامًا بعد عام، إلى هامش المشهد، ثم إلى هامش الهامش، حتى غدت في نظر بعض أصحاب القرار ترفًا يمكن الاستغناء عنه، أو بندًا يمكن تقليصه متى ضاقت الموازنة، وكأن الثقافة هي أول ما ينبغي التضحية به حين تشتد الأزمات. وتضيق الدائرة أكثر حين نرى الهيئات الثقافية تكافح من أجل البقاء، وفي مقدمتها رابطة الكتّاب الأردنيين، بوصفها من أكبر الأطر الثقافية التي تجمع الكتاب والمبدعين في الأردن، بينما لا تسلم وزارة الثقافة نفسها من ضيق الموارد، وتراجع الدعم، وتقلص الموازنة، وكأنها وزارة تقف في آخر الصف، تنتظر ما يتبقى من فتات الموازنة بعد أن تُوزَّع الأولويات.
وهنا يصبح السؤال أكبر من عدد الكتب التي يطبعها الكاتب، أو عدد النسخ التي تشتريها مؤسسة من هذا الكتاب أو ذاك. السؤال الحقيقي هو: أي مجتمع هذا الذي يريد من الكاتب أن يكتب، ثم يتركه وحيدًا في مواجهة تكاليف الطباعة والتوزيع والتسويق؟ وأي دولة هذه التي تطلب من الثقافة أن تنهض، ثم تضعها في آخر قائمة اهتماماتها؟
يقول محمد الغزالي: "إن الاستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة لا تنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية، يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان مع قليل أو كثير من المعارف النظرية، التي لا تعلو بها همة ولا يتنضّر بها جبين... وأغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط".
ولعلنا بحاجة إلى إعادة قراءة هذا الكلام لا بوصفه حديثًا عن استعمار يأتي من وراء الحدود، وإنما بوصفه تحذيرًا من استعمار قد ينبت في الداخل أيضًا؛ استعمار لا يحتاج إلى جندي أجنبي، ولا إلى دبابة، ولا إلى راية محتلة، وإنما يكفيه أن تصبح الثقافة في ذيل الأولويات، وأن يُهمَّش الكتاب، ويُحاصر المثقف، ويُترك الكاتب يبيع كتبه بنفسه على أبواب المؤسسات، بينما تتسع المساحة الممنوحة للسطحي والعابر والتافه.
فالاستعمار الثقافي ليس بالضرورة خارجيًا؛ قد يكون داخليًا، وقد تصنعه السياسات حين تُفرغ الثقافة من دورها، وتحوّلها إلى احتفال موسمي، أو مناسبة بروتوكولية، أو نشاط محدود لا يترك أثرًا في وعي الناس. وحين تصبح الثقافة عبئًا على الموازنة بدل أن تكون استثمارًا في الإنسان، فإننا نكون قد بدأنا فعلًا في صناعة الجهل بأيدينا.
وما معنى أن تكون الثقافة في قاع الأولويات، إذا كنا نريد مجتمعًا واعيًا وقادرًا على التفكير والنقد والتمييز؟
إن الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من الأبنية والطرقات والجسور وحدها، وإنما تنهض بما تبنيه في عقول أبنائها. وقد تهدم الحرب مدينة في سنوات، لكن الجهل قادر على هدم أمة كاملة في أجيال. وما أخطر أن تصبح الأمة مشغولة بإدارة يومها، بينما يُترك عقلها بلا غذاء، وذائقتها بلا تهذيب، ووعيها بلا حماية.
نحن، في كثير من الأحيان، أمة تصنع جهلها بنفسها، ثم تندب حظها حين ترى نتائجه. ننشغل بالصغائر، ونمنح التفاهات مساحات واسعة من حياتنا، ويتقدم الجاهل أحيانًا على المتعلّم، ويُقدَّم من لا يملك الكفاءة على من يملكها، ويمسك زمام بعض الأمور من ليس أهلًا لها، ثم نبحث بعد ذلك عن تفسير لفشلنا.
وما أشد حضور عقلية القبيلة في حياتنا حين يصبح الانتماء أقوى من الكفاءة، والعلاقة أقوى من القانون، والصوت الأعلى أقوى من الحجة. وحين تُسنّ القوانين أو تُطبَّق على من لا يملك في الحق نصيرًا، يصبح الظلم أمرًا عاديًا، ويتساوى في المشهد الظالم والمظلوم، بل قد يجد الظالم من يبرر له ظلمه، بينما يُطلب من المظلوم أن يصمت ويتحمل.
وفي مثل هذا المناخ، ماذا يبقى للكاتب؟
يبقى له القلم.
وحده القلم.
ولكن حتى القلم لم يعد بمنأى عن السؤال: ماذا يفعل الكاتب حين يكتب ولا يجد من يقرأ؟ وماذا يفعل حين يقرأ الناس، ولا يجدون من يطبع؟ وماذا يفعل حين يطبع، ولا يجد الكتاب طريقه إلى القارئ؟
إن احترام الكاتب ليس منّة عليه، ولا صدقة ثقافية تمنحها مؤسسة لهذا الكاتب أو ذاك. احترام الكاتب هو، في جوهره، احترام للإنسان وللعقل وللمعرفة. وحين نحترم الكتاب، فإننا نحترم أنفسنا؛ وحين نحتفي بالعلم والعلماء والمثقفين، فإننا نؤكد أن هذه الأمة ما زالت تؤمن بأن العقل قيمة، وأن المعرفة ليست ترفًا، وأن الكلمة يمكن أن تكون أكثر أثرًا من كثير من الخطب والاحتفالات.
أما إذا واصلنا التعامل مع الثقافة بوصفها بندًا قابلًا للحذف، ومع الكتاب بوصفه سلعة لا تجد من يشتريها، ومع الكاتب بوصفه شخصًا ينبغي أن يبحث بنفسه عن مشترٍ لكتابه، فإننا لا نخسر الكاتب وحده، بل نخسر جزءًا من صورتنا عن أنفسنا.
ومع ذلك، يصرّ كثير من الكتّاب على الكتابة.
يكتبون رغم اليأس، ورغم ضآلة العائد، ورغم غياب القارئ أحيانًا، ورغم شعورهم بأنهم يحرثون في أرض قاحلة. يكتبون لأن الكتابة بالنسبة إليهم ليست حرفة فحسب، وإنما دليل على أنهم ما زالوا في سجلات الأحياء؛ ما دام فيهم قلم يتحرك، فثمة شيء في الداخل لم يمت بعد.
ولعل الكاتب العربي اليوم يشبه "الشعير: مأكول مذموم"؛ يُحتاج إليه حين يراد تزيين المشهد، ويُستدعى حين تكون هناك مناسبة ثقافية، ويُطلب منه أن يتحدث ويكتب ويشارك، لكنه حين يتعلق الأمر بحقوقه المادية، أو بضمان استمرار مشروعه الإبداعي، أو بتوفير البيئة التي تمكنه من مواصلة الكتابة، يجد نفسه في آخر الصف.
والأشد مرارة أن بعض الكتّاب أنفسهم أصبحوا جزءًا من المشكلة. تحولت الكتابة عند بعضهم إلى ظاهرة صوتية لا أكثر؛ كثير من الكلام، قليل من الفعل، ومبالغة في التنظير، ومنافسة على من يثبت أنه الأعرف والأفهم والأكثر صوابًا. وبالعامية نقول: "ننظّر على بعض"؛ الكاتب في وادٍ، والناس في وادٍ آخر، وكل طرف يتحدث إلى نفسه.
وهنا تتشابه الصورة على نحو مؤلم: الكاتب الذي يظل يجعجع ليل نهار ليثبت للجميع أنه على حق، حتى لو كان الحق بعيدًا عنه، لا يختلف كثيرًا في منطقه عن بعض أنماط السلطة التي تكرر خطابها حتى يصبح التكرار بديلًا عن الحقيقة.
فما الفرق بين سلطة لا تسمع إلا صوتها، وكاتب لا يسمع إلا صوته؟
وما الفرق بين من يرفض الاعتراف بالخطأ لأنه صاحب القرار، ومن يرفض الاعتراف به لأنه صاحب القلم؟
إن الثقافة الحقيقية تبدأ من القدرة على مراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين. والكاتب الذي يطالب المجتمع بأن يحترم الكلمة، مطالب أولًا بأن يحترمها هو؛ وأن يعرف أن الكتابة مسؤولية، لا منصة للغرور، وأن النقد ليس خصومة، وأن الاختلاف ليس عداوة، وأن المثقف الحقيقي لا يرفع صوته كلما ضعفت حجته، وإنما يرفع مستوى حجته كلما اشتد الاختلاف.
لقد أصبحنا بحاجة إلى أكثر من شراء خمسين نسخة من كتاب.
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي يحفظ للكاتب كرامته، وللكتاب مكانته، وللقارئ حقه في المعرفة، وللمجتمع حقه في ثقافة حقيقية.
فالكتاب ليس خمسين نسخة تُشترى من باب المجاملة، ولا الكاتب بائعًا متجولًا يحمل بضاعته من مؤسسة إلى أخرى. الكتاب ذاكرة أمة، والكاتب شاهد على عصره، والثقافة ليست زينة في هامش الحياة، وإنما هي أحد شروط بقائها.
وإذا كنا نريد مستقبلًا أفضل، فعلينا ألا نكتفي بالبكاء على ما مضى، ثم نواصل صناعة الخسارة بأيدينا. فالأمم التي تهمل كتّابها، وتضيّق على مثقفيها، وتترك كتبها تموت قبل أن تصل إلى القراء، لا ينبغي لها أن تتساءل طويلًا عن أسباب تراجعها.
إنها تعرف الجواب، لكنها لا تريد أن تسمعه.
فالخراب الثقافي لا يبدأ حين تحترق المكتبات، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ يوم يصبح الكتاب آخر ما نفكر فيه، ويصبح الكاتب آخر من نلتفت إليه، ويصبح الجهل أقل كلفة من المعرفة، والصخب أكثر حضورًا من الفكر، والتفاهة أسرع انتشارًا من الكلمة الجادة.
وعندها لا يعود السؤال: لماذا يطبع الكاتب خمسين نسخة؟
بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا تركنا الكاتب أصلًا يصل إلى هذه الحال؟
وما هذا الدعم، في حقيقته، إلا فتاتٌ لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا ينهض بصناعة الكتاب، ولا يحفظ للكاتب كرامته. إنه أشبه بمن يمدّ يده إلى جائع بكسرة خبز، ثم يطلب منه أن يشكره لأنه أنقذه من الجوع؛ بينما المشكلة ليست في الجوع وحده، وإنما في نظام كامل جعل الجائع يعيش على الصدقات.
لقد وصل الكاتب إلى هذه الحال بفعل ظروف اقتصادية خانقة، جعلت الكتابة مهنة بلا مورد، والكتاب مشروعًا خاسرًا قبل أن يرى النور. لكن المسألة لا تتوقف عند الاقتصاد وحده؛ فثمة أزمة أعمق تتصل بمكانة الثقافة في المجتمع، وبالنظرة الرسمية إليها، وبذلك التراجع المستمر في حضور الكتاب والمثقف والمنتج الثقافي في سلم الأولويات.
لقد دُفعت الثقافة، عامًا بعد عام، إلى هامش المشهد، ثم إلى هامش الهامش، حتى غدت في نظر بعض أصحاب القرار ترفًا يمكن الاستغناء عنه، أو بندًا يمكن تقليصه متى ضاقت الموازنة، وكأن الثقافة هي أول ما ينبغي التضحية به حين تشتد الأزمات. وتضيق الدائرة أكثر حين نرى الهيئات الثقافية تكافح من أجل البقاء، وفي مقدمتها رابطة الكتّاب الأردنيين، بوصفها من أكبر الأطر الثقافية التي تجمع الكتاب والمبدعين في الأردن، بينما لا تسلم وزارة الثقافة نفسها من ضيق الموارد، وتراجع الدعم، وتقلص الموازنة، وكأنها وزارة تقف في آخر الصف، تنتظر ما يتبقى من فتات الموازنة بعد أن تُوزَّع الأولويات.
وهنا يصبح السؤال أكبر من عدد الكتب التي يطبعها الكاتب، أو عدد النسخ التي تشتريها مؤسسة من هذا الكتاب أو ذاك. السؤال الحقيقي هو: أي مجتمع هذا الذي يريد من الكاتب أن يكتب، ثم يتركه وحيدًا في مواجهة تكاليف الطباعة والتوزيع والتسويق؟ وأي دولة هذه التي تطلب من الثقافة أن تنهض، ثم تضعها في آخر قائمة اهتماماتها؟
يقول محمد الغزالي: "إن الاستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة لا تنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية، يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان مع قليل أو كثير من المعارف النظرية، التي لا تعلو بها همة ولا يتنضّر بها جبين... وأغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط".
ولعلنا بحاجة إلى إعادة قراءة هذا الكلام لا بوصفه حديثًا عن استعمار يأتي من وراء الحدود، وإنما بوصفه تحذيرًا من استعمار قد ينبت في الداخل أيضًا؛ استعمار لا يحتاج إلى جندي أجنبي، ولا إلى دبابة، ولا إلى راية محتلة، وإنما يكفيه أن تصبح الثقافة في ذيل الأولويات، وأن يُهمَّش الكتاب، ويُحاصر المثقف، ويُترك الكاتب يبيع كتبه بنفسه على أبواب المؤسسات، بينما تتسع المساحة الممنوحة للسطحي والعابر والتافه.
فالاستعمار الثقافي ليس بالضرورة خارجيًا؛ قد يكون داخليًا، وقد تصنعه السياسات حين تُفرغ الثقافة من دورها، وتحوّلها إلى احتفال موسمي، أو مناسبة بروتوكولية، أو نشاط محدود لا يترك أثرًا في وعي الناس. وحين تصبح الثقافة عبئًا على الموازنة بدل أن تكون استثمارًا في الإنسان، فإننا نكون قد بدأنا فعلًا في صناعة الجهل بأيدينا.
وما معنى أن تكون الثقافة في قاع الأولويات، إذا كنا نريد مجتمعًا واعيًا وقادرًا على التفكير والنقد والتمييز؟
إن الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من الأبنية والطرقات والجسور وحدها، وإنما تنهض بما تبنيه في عقول أبنائها. وقد تهدم الحرب مدينة في سنوات، لكن الجهل قادر على هدم أمة كاملة في أجيال. وما أخطر أن تصبح الأمة مشغولة بإدارة يومها، بينما يُترك عقلها بلا غذاء، وذائقتها بلا تهذيب، ووعيها بلا حماية.
نحن، في كثير من الأحيان، أمة تصنع جهلها بنفسها، ثم تندب حظها حين ترى نتائجه. ننشغل بالصغائر، ونمنح التفاهات مساحات واسعة من حياتنا، ويتقدم الجاهل أحيانًا على المتعلّم، ويُقدَّم من لا يملك الكفاءة على من يملكها، ويمسك زمام بعض الأمور من ليس أهلًا لها، ثم نبحث بعد ذلك عن تفسير لفشلنا.
وما أشد حضور عقلية القبيلة في حياتنا حين يصبح الانتماء أقوى من الكفاءة، والعلاقة أقوى من القانون، والصوت الأعلى أقوى من الحجة. وحين تُسنّ القوانين أو تُطبَّق على من لا يملك في الحق نصيرًا، يصبح الظلم أمرًا عاديًا، ويتساوى في المشهد الظالم والمظلوم، بل قد يجد الظالم من يبرر له ظلمه، بينما يُطلب من المظلوم أن يصمت ويتحمل.
وفي مثل هذا المناخ، ماذا يبقى للكاتب؟
يبقى له القلم.
وحده القلم.
ولكن حتى القلم لم يعد بمنأى عن السؤال: ماذا يفعل الكاتب حين يكتب ولا يجد من يقرأ؟ وماذا يفعل حين يقرأ الناس، ولا يجدون من يطبع؟ وماذا يفعل حين يطبع، ولا يجد الكتاب طريقه إلى القارئ؟
إن احترام الكاتب ليس منّة عليه، ولا صدقة ثقافية تمنحها مؤسسة لهذا الكاتب أو ذاك. احترام الكاتب هو، في جوهره، احترام للإنسان وللعقل وللمعرفة. وحين نحترم الكتاب، فإننا نحترم أنفسنا؛ وحين نحتفي بالعلم والعلماء والمثقفين، فإننا نؤكد أن هذه الأمة ما زالت تؤمن بأن العقل قيمة، وأن المعرفة ليست ترفًا، وأن الكلمة يمكن أن تكون أكثر أثرًا من كثير من الخطب والاحتفالات.
أما إذا واصلنا التعامل مع الثقافة بوصفها بندًا قابلًا للحذف، ومع الكتاب بوصفه سلعة لا تجد من يشتريها، ومع الكاتب بوصفه شخصًا ينبغي أن يبحث بنفسه عن مشترٍ لكتابه، فإننا لا نخسر الكاتب وحده، بل نخسر جزءًا من صورتنا عن أنفسنا.
ومع ذلك، يصرّ كثير من الكتّاب على الكتابة.
يكتبون رغم اليأس، ورغم ضآلة العائد، ورغم غياب القارئ أحيانًا، ورغم شعورهم بأنهم يحرثون في أرض قاحلة. يكتبون لأن الكتابة بالنسبة إليهم ليست حرفة فحسب، وإنما دليل على أنهم ما زالوا في سجلات الأحياء؛ ما دام فيهم قلم يتحرك، فثمة شيء في الداخل لم يمت بعد.
ولعل الكاتب العربي اليوم يشبه "الشعير: مأكول مذموم"؛ يُحتاج إليه حين يراد تزيين المشهد، ويُستدعى حين تكون هناك مناسبة ثقافية، ويُطلب منه أن يتحدث ويكتب ويشارك، لكنه حين يتعلق الأمر بحقوقه المادية، أو بضمان استمرار مشروعه الإبداعي، أو بتوفير البيئة التي تمكنه من مواصلة الكتابة، يجد نفسه في آخر الصف.
والأشد مرارة أن بعض الكتّاب أنفسهم أصبحوا جزءًا من المشكلة. تحولت الكتابة عند بعضهم إلى ظاهرة صوتية لا أكثر؛ كثير من الكلام، قليل من الفعل، ومبالغة في التنظير، ومنافسة على من يثبت أنه الأعرف والأفهم والأكثر صوابًا. وبالعامية نقول: "ننظّر على بعض"؛ الكاتب في وادٍ، والناس في وادٍ آخر، وكل طرف يتحدث إلى نفسه.
وهنا تتشابه الصورة على نحو مؤلم: الكاتب الذي يظل يجعجع ليل نهار ليثبت للجميع أنه على حق، حتى لو كان الحق بعيدًا عنه، لا يختلف كثيرًا في منطقه عن بعض أنماط السلطة التي تكرر خطابها حتى يصبح التكرار بديلًا عن الحقيقة.
فما الفرق بين سلطة لا تسمع إلا صوتها، وكاتب لا يسمع إلا صوته؟
وما الفرق بين من يرفض الاعتراف بالخطأ لأنه صاحب القرار، ومن يرفض الاعتراف به لأنه صاحب القلم؟
إن الثقافة الحقيقية تبدأ من القدرة على مراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين. والكاتب الذي يطالب المجتمع بأن يحترم الكلمة، مطالب أولًا بأن يحترمها هو؛ وأن يعرف أن الكتابة مسؤولية، لا منصة للغرور، وأن النقد ليس خصومة، وأن الاختلاف ليس عداوة، وأن المثقف الحقيقي لا يرفع صوته كلما ضعفت حجته، وإنما يرفع مستوى حجته كلما اشتد الاختلاف.
لقد أصبحنا بحاجة إلى أكثر من شراء خمسين نسخة من كتاب.
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي يحفظ للكاتب كرامته، وللكتاب مكانته، وللقارئ حقه في المعرفة، وللمجتمع حقه في ثقافة حقيقية.
فالكتاب ليس خمسين نسخة تُشترى من باب المجاملة، ولا الكاتب بائعًا متجولًا يحمل بضاعته من مؤسسة إلى أخرى. الكتاب ذاكرة أمة، والكاتب شاهد على عصره، والثقافة ليست زينة في هامش الحياة، وإنما هي أحد شروط بقائها.
وإذا كنا نريد مستقبلًا أفضل، فعلينا ألا نكتفي بالبكاء على ما مضى، ثم نواصل صناعة الخسارة بأيدينا. فالأمم التي تهمل كتّابها، وتضيّق على مثقفيها، وتترك كتبها تموت قبل أن تصل إلى القراء، لا ينبغي لها أن تتساءل طويلًا عن أسباب تراجعها.
إنها تعرف الجواب، لكنها لا تريد أن تسمعه.
فالخراب الثقافي لا يبدأ حين تحترق المكتبات، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ يوم يصبح الكتاب آخر ما نفكر فيه، ويصبح الكاتب آخر من نلتفت إليه، ويصبح الجهل أقل كلفة من المعرفة، والصخب أكثر حضورًا من الفكر، والتفاهة أسرع انتشارًا من الكلمة الجادة.
وعندها لا يعود السؤال: لماذا يطبع الكاتب خمسين نسخة؟
بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا تركنا الكاتب أصلًا يصل إلى هذه الحال؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/24 الساعة 10:56