حين تُستباح بيوت الله… من يحمي ضمير الوطن؟

حمزة ابو نوار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 22:11
هناك أخبارٌ نقرؤها فنتألم، وأخبارٌ أخرى ينبغي ألا نكتفي أمامها بالحزن، لأنها تضع ضميرنا كله أمام امتحانٍ صعب. وما ورد في الخبر المتداول عن إطلاق النار على كنيسة في الكرك وسقوط ضحايا، إن تأكدت تفاصيله، ليس مجرد خبر عابر؛ بل جرحٌ يمسّ إنسانيتنا، ويستدعي من كل أردني موقفاً واضحاً لا لبس فيه.

أيُّ وجعٍ أكبر من أن يذهب الإنسان إلى بيت الله طلباً للسكينة، فيجد الموت بانتظاره؟ وأيُّ جريمةٍ أشد قسوة من أن يتحول مكان العبادة، الذي خُصص للصلاة والطمأنينة، إلى مشهدٍ للخوف والدموع؟

يا أبناء الأردن، إننا لا نتحدث اليوم عن كنيسة تخصّ فئة من أبناء الوطن دون غيرهم، بل عن حرمة الإنسان، وعن حق كل مواطن في أن يصلّي آمناً، وأن يعود إلى بيته سالماً، وأن يعيش إيمانه دون خوف أو تهديد.

فالكنيسة التي يقف فيها مسيحي أردني للصلاة ليست بعيدة عن قلب المسلم الأردني الذي يؤمن بحرمة الدم، والمسجد الذي يرفع فيه الأذان ليس غريباً عن قلب المسيحي الأردني الذي يؤمن بحق جاره في العبادة والأمان. نحن أبناء أرض واحدة، نتقاسم خبزها وتعبها وأفراحها وأحزانها، ولا يجوز أن يسمح أحدٌ للكراهية بأن تنتزع منا هذه الحقيقة.

نحن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، لم نبنِ وطننا بالخوف من بعضنا، ولن نحميه بزرع الشك والكراهية بيننا. بنيناه بالتآخي، وبالشهامة، وبالوقوف إلى جانب المظلوم، وبالإيمان بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

الثائر الحقيقي لا يقتل الأبرياء

ولأننا نؤمن بالحق، فلا بد أن نقولها بصوت مرتفع: ليس كل من رفع شعاراً أصبح صاحب قضية، وليس كل من حمل سلاحاً صار ثائراً. فالثورة الحقيقية هي ثورة على الظلم والفساد والاستبداد، لا على المصلين، ولا على الأطفال، ولا على الأبرياء الذين لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم يمارسون حقهم في العبادة.

إن الثائر الذي يحمل قضية عادلة يحمي الإنسان، ولا يجعله ثمناً لأفكاره. والذي يزعم أنه يدافع عن الدين لا يملك حق تحويل دور العبادة إلى ساحات للخوف وسفك الدماء. فلا عدالة في قتل البريء، ولا كرامة في ترويع الآمن، ولا قضية تستقيم حين تُداس حرمة الإنسان باسمها.

إن شريعة الله لا تحتاج إلى دماء الأبرياء كي تثبت عظمتها، والدين لا يحتاج إلى رصاصٍ كي يدافع عنه أحد.

أقسمنا أن تبقى بيوت الله آمنة

أقولها بوضوح، وأقولها باسم كل من يرى في الأردن وطناً لا مجرد حدود: إن بيوت الله جميعها أمانة في أعناقنا، وإن حماية الكنائس والمساجد ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية ضمير المجتمع كله.

لو وقف الخطر على باب كنيسة، فلن نقف نسأل عن دين من يصلّي داخلها؛ سنقف لحماية الإنسان. ولو تعرّض مسجد للخطر، فلن نسأل عن هوية المصلين؛ سنقف دفاعاً عن حرمة بيت الله.

هذه ليست مجاملة، ولا عبارة تُقال في المناسبات، بل موقف وطني وأخلاقي يجب أن يتحول إلى سلوكٍ راسخ في حياتنا.

وإلى كل من يحاول إشعال الفتنة بين الأردنيين نقول: لن تجعلوا من اختلافنا الديني سلاحاً ضدنا، ولن نسمح للكراهية أن تمزق ما جمعته المحبة والتاريخ والمصير المشترك. وإلى كل من يروّج للتطرف أو يبرر الاعتداء على الأبرياء، نقول إن القانون يجب أن يأخذ مجراه، وإن العدالة لا تتحقق بالانتقام ولا بتعميم الاتهامات، بل بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.

يا أردن، لا تسمح للحزن أن يتحول إلى فرقة

يا أبناء الأردن، تخيلوا أماً تنتظر ابنها الذي خرج للصلاة ولم يعد، وأباً يتلقى خبراً يقلب حياته، وعائلةً وجدت نفسها فجأة أمام فاجعة لم تكن تتوقعها. خلف كل ضحية حياةٌ كاملة، وأحلامٌ مؤجلة، وأحبةٌ سيبقى مكان صاحبهم فارغاً في بيوتهم.

هؤلاء ليسوا أرقاماً في شريط أخبار. هؤلاء بشر، لهم أسماء ووجوه وعائلات وقلوب تنزف.

ولهذا، فإن واجبنا اليوم ليس فقط أن نحزن، بل أن نطالب بالحقيقة، وأن نرفض التطرف بكل أشكاله، وأن نتمسك بوحدة المجتمع، وأن نحمي حق كل أردني في الحياة والعبادة والأمان.

نريد تحقيقاً يكشف الحقيقة، وعدالةً تحاسب كل من تثبت مسؤوليته، وإجراءاتٍ تحمي دور العبادة، وخطاباً وطنياً يطفئ الفتنة بدلاً من أن يشعلها.

إن قوة الأردن ليست في أن يتشابه جميع أبنائه، بل في أن يختلفوا ويبقوا إخوة، وأن يتنوعوا ويبقوا شركاء، وأن يقفوا معاً حين يُصاب أحدهم بالأذى.

كلمتي الأخيرة إلى الأردنيين

لن أقبل أن أرى كنيسةً تتعرض للاعتداء ثم أقول إن الأمر لا يعنيني لأنني لا أصلّي فيها. ولن أقبل أن يُستهدف مسجد ثم يصمت من لا يصلّي فيه. فالوطن الذي لا يؤلمنا فيه وجع بعضنا، ليس وطناً كما ينبغي أن يكون.

نحن نحمي بيوت الله جميعها بأجسادنا، ونحمي الإنسان قبل الحجر، ونحمي وحدة الأردن قبل أن تمتد إليها يد الفتنة.

فليسمع العالم رسالتنا: لسنا شعباً تُفرّقه رصاصة، ولا وطناً تهزمه الكراهية، ولا مجتمعاً يتخلى عن إنسانيته حين يشتد الألم.

سيبقى المسلم أخاً للمسيحي، وسيبقى المسيحي شريكاً في الوطن، وستبقى كرامة الإنسان وحرمة دمه فوق كل خطابٍ متطرف وكل دعوةٍ إلى الكراهية.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، وحمى الأردن وأهله من كل سوء.

الأردن أولاً… والإنسانية فوق كل اعتبار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 22:11