هل انشغلنا بالسوشيال ميديا وفقدنا البوصلة الأمنية؟ الكرك تدق ناقوس الخطر

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 15:40
أكتب اليوم بصفتي ابن الكرك، لا من موقع المراقب الذي يتابع الأخبار وينتظر البيانات، بل من موقع الإنسان الذي يعرف هذه الأرض وأهلها، ويعرف أن ما يصيب الكرك لا يبقى في الكرك. وما جرى اليوم ليس حادثاً يمكن أن نطوي صفحته بالتعازي والإدانات، ولا خبراً عاجلاً ينتهي بانتهاء التغطية الإعلامية. نحن أمام جريمة تستوجب مواجهة أمنية وفكرية ومجتمعية جادة، وأمام أسئلة تأخرنا كثيراً في طرحها، وربما دفعنا اليوم ثمناً مؤلماً لهذا التأخير.

أخشى أننا انشغلنا خلال السنوات الأخيرة بمراقبة ما يقوله الناس على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر مما انشغلنا بفهم ما يجري داخل المجتمع نفسه. أصبحنا نتابع التعليقات والمنشورات والجدالات اليومية، ونستهلك وقتاً طويلاً في معارك إلكترونية لا تنتهي، بينما الخطر الحقيقي لا يشترط أن يكتب منشوراً، ولا أن يعلن عن نفسه، ولا أن يترك خلفه خطاباً متطرفاً يسهل رصده. قد ينمو بصمت، ويتحرك بعيداً عن الشاشات، ثم يظهر في اللحظة التي نكتشف فيها أن معرفتنا بما يجري كانت أقل بكثير مما تصورنا.

لا أقول إن الأجهزة الأمنية غابت عن واجبها، ولا أقبل أن تتحول دماء الأبرياء إلى مناسبة لتوزيع الاتهامات على مؤسسات الدولة. لكن احترام هذه المؤسسات لا يعني إعفاء السياسات والأولويات من المراجعة. بل إن قوة الدولة تقاس أيضاً بقدرتها على مساءلة نفسها، والاعتراف بأن طبيعة التهديدات تتغير، وأن النجاح في مواجهة أخطار الأمس لا يضمن بالضرورة اكتشاف أخطار الغد.

ولا بد هنا من التأكيد أن ثقتنا بأجهزتنا الأمنية ليست وليدة هذه الحادثة، بل هي ثقة صنعتها سنوات طويلة من العمل والتضحيات والمواقف التي أثبت فيها رجال الأمن والمخابرات أنهم على قدر المسؤولية الوطنية. هؤلاء الرجال الذين يعمل كثير منهم بصمت، بعيداً عن الأضواء، ويخوضون معارك لا يعرف المواطن تفاصيلها، يستحقون منا كل التقدير والاحترام. وقد أثبتت مؤسساتنا الأمنية مراراً قدرتها على حماية الأردن في محيط إقليمي بالغ التعقيد. وما نطرحه اليوم من أسئلة ومراجعات لا ينتقص من إنجازاتها، بل ينطلق من إيماننا بكفاءتها وقدرتها على تطوير أدواتها ومواجهة التهديدات المتغيرة. فالأجهزة الأمنية القوية لا تخشى المراجعة، والدولة الواثقة من مؤسساتها لا ترى في النقد المسؤول تشكيكاً، بل تعتبره جزءاً من مسؤوليتنا المشتركة في حماية الوطن.

المشكلة التي ينبغي أن نناقشها بجدية هي الفجوة المحتملة بين الأمن الذي نراه والأمن الذي لا نراه. فوجود الدوريات وانتشار الأجهزة وسرعة الاستجابة أمور ضرورية، لكنها تمثل جانباً من المعادلة. أما الجانب الأصعب فهو اكتشاف التحولات الخطرة قبل أن تتحول إلى جريمة. من أين تأتي الأفكار التي تبرر القتل؟ وكيف تنتقل من القناعة الفردية إلى الاستعداد لاستخدام السلاح؟ ومن يراقب البيئات التي تسمح بتطبيع الكراهية والتحريض؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها حملات التوعية الموسمية ولا البيانات الرسمية وحدها.

وبصفتي كركياً، أرفض أن يُختزل ما جرى في خلاف ديني قبل أن تتضح الحقيقة. نحن أبناء محافظة لم تكن العلاقة بين مسلميها ومسيحييها مجرد شعار للتعايش. نحن نعرف بعضنا بالأسماء والعائلات والبيوت. نتشارك الأفراح والأتراح، ونعرف أن الاعتداء على كنيسة ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم. من غدر بأهلنا فقد غدر بنا جميعاً. ومن يراهن على أن الدم يستطيع تقسيم الكرك، فهو يجهل الكرك وتاريخها وأهلها.

ولا أستبعد من حيث المبدأ احتمال وجود غاية تتجاوز الجريمة المباشرة إلى محاولة العبث بالنسيج الوطني، لكنني أرفض تحويل الاحتمالات إلى اتهامات قبل انتهاء التحقيقات. علينا أن نعرف من نفذ، ومن ساعد، وكيف جرى التخطيط، وما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة تستحق المراجعة. فالأمن الحقيقي لا يكتفي بالقبض على الجاني، بل يحاول فهم الطريق الذي أوصله إلى لحظة ارتكاب الجريمة.

لقد تأخرنا، ربما، في إدراك أن حماية المجتمع تبدأ قبل ظهور السلاح، وأن مكافحة التطرف لا تتحقق بملاحقة الكلمات وحدها، وإنما بفهم مصادر التحريض وشبكات التأثير والبيئات التي تحتضن العنف. وما زالت أمامنا فرصة لتصحيح الأولويات، شريطة ألا نكتفي بالغضب أياماً ثم نعود إلى انشغالاتنا المعتادة.

اليوم لا أريد أن أسمع فقط أن الأردن قوي، فأنا أعرف قوة دولتي ورجالها. أريد أن نكون أكثر قدرة على اكتشاف الخطر قبل وقوعه، وأكثر جرأة في مراجعة الثغرات إن ثبت وجودها.

الكرك اليوم لا تطلب الشفقة، بل تطلب الحقيقة والعدالة والمحاسبة. والدم الذي سُفك في كنيسة هو دم أردني، لا يحتاج إلى تعريف ديني حتى ندرك حرمته. أما أخطر ما يمكن أن نفعله بعد هذه الجريمة، فهو أن ننجح في ملاحقة المجرمين ونفشل في معالجة الأسباب التي قد تسمح بتكرارها. عندها نكون قد عالجنا الحادثة وتركنا الخطر قائماً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 15:40